الرئيسية / إضاءات / تَحَوُّلاتُ المَعْرِفَةِ فِي الخِطَابِ الإعْلامِيِّ المُعَاصِر
سضسض

تَحَوُّلاتُ المَعْرِفَةِ فِي الخِطَابِ الإعْلامِيِّ المُعَاصِر

خاص- ثقافات

*الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

جاءت كلمة ” إدارة ” من كلمة لاتينية تعني الخدمة ، ومفادها الخدمة التي قد تعود على الفرد والمجتمع بالفائدة والمنفعة العامة ، أما كلمة إدارة في المواضعة العربية الاصطلاحية فجاءت من الأصل ” أدار الشئ ” أي أحاط به وجعله يدور . وهناك ثمة مواضعات تشير إلى ماهية الإدارة وكنهها ، منها ما أشار إليه فريدريك تايلور عالم المناهج التربوية الشهير بأنها هي أن تعرف بالضبط ماذا تريد ، ثم تتأكد من أن الأفراد يؤدونه بأفضل وأرخص طريقة ممكنة . في حين أن جون مي يرى أنها تمثل فن الحصول على أقصى النتائج بأقل جهد . أما كيمبول فيعرف الإدارة بأنها جميع الواجبات والوظائف والمهام ذات العلاقة بإنشاء مشروع ما وتمويله وسياساته الرئيسة وتوفير كل الأدوات اللازمة لتنفيذه ووضع الإطار التنظيمي العام له. وتعد الإدارة من أبرز الظواهر الإنسانية الواعية أي التي يقوم بها الإنسان عن قصد ودراية بما يفعله ، وهو في ممارسته لهذه الظاهرة يقوم بعمليات رئيسة مثل التخطيط والتنفيذ والمراقبة والتحكم والتوظيف والتوجيه والتنسيق وأخيراً التقويم لما قام به .

ومحاولة إيجاد تعريف محدد لكلمة إدارة باتت من الأمور التي تكاد أن تكون صعبة المنال ، وهذا يرجع إلى عدة عوامل منها أن الإدارة نفسها علم تطبيقي أكثر منه نظري ، كما أنها تتضمن عدداً من العمليات الإجرائية الكثيرة والتي يصعب الفصل بينها عند التطبيق ، بجانب كون الإدارة علماً اجتماعياً وأن العنصر البشري هو أبرز ما يمثله ومن ثم فيصعب التنبؤ بسلوك الفرد وما ينبغي فعله . ولعل الأمر الذي جعل تعريف الإدارة من الأمور الصعبة هو أن الإدارة نفسها تعتمد غالباً على الموقف السائد أو الظروف الراهنة بما تتضمنه من متغيرات وتغيرات طارئة .

ويفيدنا أن نشير إلى أن الإدارة في مجملها تمثل نشاطاً ذهنياً موجهاً ومخططاً لعدد من المهام والمسئوليات التي يحتاجها أي مشروع أو برنامج حتى يصل إلى تحقيق الأهداف المرجوة منه . وكما وجد تعريف الإدارة قدراً من الغموض والتعدد ، لقي تحديد عناصر الإدارة نفس القدر من تعدد المواضعة واختلاف التحديد ، ولكن باستقراء معظم أدبيات علم الإدارة يمكننا تحديد عناصرها في خمسة عناصر رئيسة هي :

ـ التخطيط PLANNING   : ويشمل التنبؤ ، وتحديد الغراض ، وصياغة السياسات ، وتحديد المتطلبات القبلية ، وبناء البرامج ، وتحديد إجراءات التنفيذ ، ووضع ميزانية المشروع .

ـ التنظيم  ORGANIZATION : ويشمل تحديد وتجميع نشاطات المهمة ، وكذلك تفويض المسئولية والسلطة والإشراف ، وتوطيد العلاقات بين عناصر المشروع أو البرنامج.

ـ التنسيق COORDINATION  : ويشمل تحقيق التوازن ، وتحديد مواقيت تنفيذ المهام ، وتحديد التكامل .

ـ الحفز : ويشمل الاختيار، والاتصال ومهاراته ، والمساهمة والتقييم ، وتقديم الدعم والإرشاد ، والتعويض ، والتوجيه.

ـ الرقابة control  : وتشمل استخدام معايير الأداء والقياس وتفسير النتائج وتحديد مؤشراتها وتصحيح مسار العمل .

وتعد المعرفة من أبرز ملامح القرن الحادي والعشرين ، وتكاد تشكل مركزاً محورياً في أجندات الدول المتقدمة وهي تسعى لبناء نهضتها ، حيث إن الاستثمار البشري والتنمية القائمة على المعرفة حلت محل الاستثمار المادي والتنمية القائمة على الاقتصاد . هذا المعنى نفسه ما أشار إليه فرانشيسكو خافيير كاريللو في كتابه ” مدن المعرفة ”  Knowledge Cities ، من جهة أن العالم المتقدم الآن يتسارع بصورة محمودة في استثمار الطاقات المعرفية للمواطن .

وأن فكرة حث المواطن على الابتكار والاكتشاف لم تعد من أفكار الترف والرفاهية ، بل هي ضرورة حتمية لمواجهة تحديات وتطورات هذا العصر . وأنه ثمة مصطلحات أصبحت أساسية في قاموس تقدم الأمم وتميزها الحضاري مثل مرافئ المعرفة ، والطبقة المبدعة ، وشركات المعرفة ، ومحركات الابتكار ، ومواطن المعرفة ، واكتساب المهارة .

وفكرة التنمية القائمة على المعرفة تخطت الحيز التصميمي والتنظيمي والتخطيطي لتكون واقعاً مرئياً ملموساً ، بدليل تشييد مدن تم إنشاؤها لتضم المئات من الخبراء والمتخصصين في العلوم التكنولوجية هدفها جعل الإنسان هو رأس المال المستقبلي ، وتصب مجمل اهتمامها في جعل القرن الحادي والعشرين هو قرن المعرفة ، في الوقت الذي تبذل فيه دول أخرى لاسيما في أفريقيا جهوداً مضنية للحد من تفشي ظاهرة أمية القراءة والكتابة ، بالإضافة إلى محاربة مظاهر التلوث البيئي والانتشار المحموم للأوبئة والأمراض.

ومن المواضعات التي برزت بصورة طاغية في الألفية الثالثة مواضعة إدارة المعرفة ، وهي من المفاهيم الإدارية الحديثة التي أصبحت تلقى اهتماماً بالغاً سواء من قبل الدول المنتجة للمعرفة أو عقب ما حدث ببعض البلدان العربية من ثورات سلمية كانت قوامها المعرفة وكيفية إدارتها . ويمكن القول بأن مفهوم إدارة المعرفة بدأ منذ ظهور الإدارة العلمية ، حيث تم وضع أسس ومرتكزات علمية لعملية الإدارة ، وكما كان لمفهوم الإدارة من لغط واسع في تحديده ، كان أيضاً ولا يزال لمفهوم إدارة المعرفة ، إلا أن هناك محاولات جاهدة في تحديد تعريف واضح المعالم والخصائص له ، وهذا ما أشار إليه كل من ألفيسون و كاريمان (2001م) حيث أشارا إلى أن إدارة المعرفة هي ظاهرة ديناميكية وغير محددة بشكل واضح ودقيق ، الأمر الذي يجعل من الصعوبة بمكان وضع معنى واضح ودقيق ومحدد لها ، وبالتالي صعوبة إدارتها كما تدار الأشياء الأخرى.

لكن بعد ثورة الاتصالات التي شهدها العالم في مطلع الألفية الثالثة وتوافر عدد لا بأس به من شبكات التواصل الاجتماعي أصبح ليس من الضروري إيجاد تعريف محدد لمفهوم إدارة المعرفة بقدر ما بات من الأهمية كيفية استخدامها بصورة مباشرة ، ولقد نجحت الشركات عابرة القارات في استغلال إدارة المعرفة في تسويق منتجاتها وأيضاً البلاد المتقدمة في الترويج عن مميزاتها ومواردها بصورة شيقة جاذبة للمستثمرين والسائحين.

وبظهور مفهوم إدارة المعرفة بزغت ظواهر إنسانية جديدة متوافقة مع ظهورها مثل مدن المعرفة مدن تم إنشاؤها لتضم المئات من الخبراء والمتخصصين في العلوم التكنولوجية هدفها جعل الإنسان هو رأس المال المستقبلي ، وتصب مجمل اهتمامها في جعل القرن الحادي والعشرين هو قرن المعرفة ، في الوقت الذي نقرأ فيه عن اختطاف أحد الأطباء لطلب فدية مالية من أسرته ، وعن طفل تم تشويه وجهه من أجل خلافات تعود لوقت ثورة يناير ، ورغم ما نحن فيه تبدأ دول أخرى في جعل قرننا هذا هو قرن التعلم ، واستبدال التنمية المادية لتحل محلها التنمية القائمة على المعرفة.

وهذه المدن المعرفية أقامها رجال وحكومات ووزراء ورجال أعمال ليسوا كائنات من كواكب أخرى ، بل هم بشر مثلنا ، ولقد شاهدت شاهدت أفلاماً كثيرة على موقع اليوتيوب  you tubeعن مدن عجيبة مثل راجوزا ، ومدينة معمل العقل بالدنمارك ، ومعمل أفكار مومينتم في شمال زيلاند ، ومدينة المعرفة في برشلونة ، ومدينة المعرفة في بلباو .

ومن خلال ربيع الثورات العربية الذي هب على دول مثل مصر وليبيا وتونس واليمن وسوريا بزغ من جديد مفهوم إدارة المعرفة ، حيث استطاع الثوار في هذه البلدان من تحويل المعلومات والرصيد الفكري إلى قيم لعملاء الائتلافات وأعضائها ، وتحولت المعرفة حينئذ من فن وعلم إلى سيناريوهات لمواجهة الأنظمة السياسية بها ، واعتبرت إدارة المعرفة مورداً رئيساً للتنظيم والتخطيط ومن ثم التنفيذ وكان ذلك عن طريق استخدام بعض الوسائط الإليكترونية مثل البريد الإليكتروني والفيس بوك وتويتر وغير ذلك من وسائط التواصل الاجتماعي .

وما شهدته بعض البلدان العربية من ثورات يجعلنا نحاول استقراء دور إدارة المعرفة في نجاح هذه الثورات ، فإدارة المعرفة عبر وسائطها أتاحت انسياب المعرفة من المعارف إلى المستخدم ، كما حفزت الإبداع والمشاركة في المعرفة ، كما أنها ركزت على تفاعلات الجماعة المدعمة أكثر من بيئة المعرفة وهيكلها في قواعد بيانات ووثائق ، كل هذا وكانت تكنولوجيا المعلومات والاتصال جزءاً رئيساً في إدارة المعرفة .

وإدارة المعرفة في عصر الثورات العربية التي شهدتها دول مصر وسوريا وتونس وليبيا واليمن مرت بمراحل يمكن توصيفها في ثلاث مراحل هي :

ـ مرحلة المبادأة : وهذه المرحلة تدرك المنظومة أهمية إدارة المعرفة التنظيمية والإعداد لجهود إدارتها وتشجيع الضغوط البيئية مثل العوامل الاجتماعية الاقتصادية المتغيرة والفنية والتنافس العالمي وحاجات المواطنين المرتكزة على المعرفة في تطبيق إدارة المعرفة. وفي هذه المرحلة من مراحل إدارة المعرفة تتطلب نشاطاً اجتماعياً بالمشاركة التطوعية لأعضاء التنظيم عندما شتركون في نفس الرؤية والأهداف .

ـ مرحلة الانتشار : في هذه المرحلة يركز الناشطون أو المدراء على كيفية بناء هذه القاعدة المعرفية بكفاءة وكيفية زيادة الأنشطة المرتبطة بالمعرفة ، وتحاول المنظومة في هذه المرحلة البدء في استثمار وضع البنية الأساسية للمعرفة بهدف تسهيل وتحفيز أنشطة المعرفة مثل إيجاد وتخزين واستخدام المعرفة.

ـ مرحلة التكامل : ويتم في هذه المرحلة النظر إلى أنشطة المعرفة على أنها أنشطة يومية ، وتركز الإدارة على تكامل المعرفة التنظيمية وعلى أنشطتها ، وبالتالي فإن الأفراد العاملين يعتادون على ممارسة مثل هذه الأنشطة . وينصب الاهتمام الرئيس للمدراء في مرحلة التكامل على كيفية إحداث نوع من التكامل بين المعرفة الموزعة وتجميعها في منتجات معرفية وخدمات ، وعمليات خاصة بالمعرفة .

وهناك عاملان رئيسان يتحكمان بصورة مباشرة في إدارة المعرفة أشار إليهما ويج وهما العوامل الخارجية  External factors ، وتشير إلى العناصر البيئة التي تعمل في ظلها المنظمة أو المشروع أو الشركة والتي تؤثر في أعمالها ولا غنى للمنظمة سوى التكيف مع هذه المتغيرات والعوامل الخارجية والاستجابة لها ، وأهم هذه المتغيرات العولمة ، وزيادة حدة المنافسة . والعوامل الداخلية  Internal factors  وتتوفر هذه العوامل داخل المنظمة حيث تسهم في تطور إدارة المعرفة ومن أبرزها تزايد القدرات التقنية حيث أسهمت الإمكانات التقنية مثل الحاسبات والبرمجيات في تعدد مداخل إدارة المعرفة ، وكذلك فهم الوظائف المعرفية حيث يتولى ذلك الأفراد المؤهلون علمياً وعملياً الأمر الذي يزيد من فاعلية إدارة المعرفة .

bh

ولقد أصبح مصطلح الكونية من المواضعات الأكثر رواجاً في وسائط الإعلام المعاصر من صحافة وفضائيات وإذاعات مسموعة ومواقع ومنتديات إليكترونية ، وبات من البدهي أن يحتل هذا المصطلح الحيز الأكبر من الجدال والنقاش في هذه الوسائط التي طفقت تفرد مساحات واسعة من الحوار وإبراز الخصائص والسمات وربما المناقب والمثالب له أيضاً .لكن رغم أن الوسائط الإعلامية ينبغي أن تنفرد بتقديم رسالات توعوية تهدف إلى نهضة وإعلاء العقول ، إلا أن عدداً كبيراً من هذه الوسائل المعاصرة جعلت جُلَّ همها في النيل من الإسلام الحنيف .

فإذا كان الغرب قديماً استغل سلاح الاستشراق ومطاعن المستشرقين من خلال كتاباتهم وأبحاثهم  في النيل من الإسلام والمسلمين ، فإنه عاد من جديد ليواصل حملاته المشبوهة ولكن من خلال أسلحة أسرع انتشاراً وربما أقوى تأثيراً مستخدماً في ذلك سحر وتحايل الصوت والصورة في التأثير على المشاهد والمستمع . وبالفعل استغلت بعض هذه الوسائط لاسيما الفضائيات المفتوحة لاغتيال الثقافات العربية والإسلامية ، بدعوى أن العالم أصبح قرية صغيرة ومن ثم فينبغي أن تكون لهذه القرية بؤرة اهتمام واحدة ورئيسة متغافلة في ذلك القوميات ذات الخصوصية والطبيعة المنفردة .

وسرعان ما وضعت هذه الفضائيات العقل العربي في بؤرة اهتمامها ، وبدأت في حملة غسيل الأدمغة التي استهدفت محو الهوية الإسلامية لدى المسلمين وإحلال الكونية والقضايا المتعلقة بالبيئة العالمية أكثر من الاهتمام بقضايانا الراهنة والمصيرية ، ورغم أن هويتنا العربية الإسلامية تشكل حصناً منيعاً إلا أن هذه الفضائيات الفارغة من الهدف والرؤية والرسالة الصالحة بدأت في استدراج المشاهدين العرب بعيداً عن حصونهم المنيعة ، ثم العمل على تدعيم شعور عدم الثقة في الهوية الإسلامية الرشيدة عن طريق تصوير رغد الحياة العلمانية الغربية في مقابلة هذا الصلف العربي ووحشة صحرائه المقفرة .

والمتابع للصحف الغربية يستقرئ بسهولة صورة الإسلام والمسلمين بعيون الغرب غير المسلم، فالشهر الماضي طالعتنا معظم الصحف الغربية بمقالات مطولة ودراسات صحافية مصورة عن الإسلام ، وتلك المقالات لا ترى فيه ـ أي الإسلام ـ تنوعاً ثقافياً ، أو تعددية حضارية ، بل تجعله العدو الأول للعولمة والكونية في شكلها الثقافي والاقتصادي.

ويمكن لمن يطالع الصحف البريطانية على الإنترنت أن يرى كيف يصور الإعلام المقروء المرأة المسلمة، فهو يرى في الإسلام نموذجاً متخلفاً متعصباً للذكورية على حساب الأنثوية، ، وأن المرأة طبقاً للمجتمعات الإسلامية الشرقية تصبح سلعة للرجال، محتجبة منعزلة ، تعاني التهميش والتمييز والاستبعاد الاجتماعي.

وليس بالعجيب أن نرى صورة المرأة هكذا في الصحافة الغربية، فبين قصص السينما المبتذلة ، وبين البرامج النسائية التي تبثها بعض القنوات الفضائية العربية الفراغية (نسبة إلى الفراغ من المضمون )تقبع المرأة كياناً لا طاقة له، ولا وجوداً حقيقياً يميزها في المجتمع. ويظل وسط هذا الخطاب الإعلامي الذي ندعو جاهدين إلى تجديده وتطويره في جزيرة منعزلة عن المرأة نفسها، وهذا الخطاب الإعلامي  هو خطاب مدرسي في الأصل ، فالموضوعات المدرسية المرتبطة بدور المرأة غائبة عن الحضور المجتمعي، وأدوار التلميذات والطالبات في بعض  مدارسنا التي تعاني الإهمال وهزلية التطوير التعليمي تقتصر  على إلقاء الأناشيد المكرورة والمملة في بعض الأحايين . 

والفضائيات الغربية الموجهة وهي في سعيها الدءوب لزعزعة الهويات الدينية تعمل جاهدة على انتفاء الخصوصية الثقافية العربية والإسلامية ، عن طريق نقد الإنتاج الثقافي لهذا الوطن العربي الكبير ، وإظهار أنه إنتاج ثقافي بائد لا ولن يتسم بالجدة والحداثة والمعاصرة ، حتى يصلون بذلك إلى هدفهم الرئيس وهو التشكيك في قيمة مصادر الإسلام الحنيف القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة . ولاشك أن هذا السعي الخبيث يشكل تقويضاً خطيراً للهوية العربية والإسلامية التي نمتاز بها ، ولولا اهتمام بعض الهيئات والوزارات كالأوقاف والشئون الإسلامية والأزهر الشريف وبعض المؤسسات والمنظمات الدينية بتوعية الشباب وتكريس نزعة الاعتداد بالثقافة الإسلامية لفسد حال هؤلاء ولضن علينا معالجة أوجه القصور والخلل .

ونحمد الله أن الوطن العربي يحظى باهتمام واسع من قبل مؤسساته وأجهزته الرسمية للحفاظ على الهوية العربية الإسلامية ، حيث إن الإعلام العربي الرشيد يعي جيداً أنه يقوم بمسئولية شاقة وقيمة وهي الحفاظ على الهوية بصورة مستدامة ، مع مراقبة ما تبثه الوسائط الإعلامية الغربية من لغط حول الإسلام للرد عليها ودحض أفكارها المشوهة.

ومن هنا كان للإعلام العربي دور مهم في الالتزام بنقل المعارف والمعلومات والبيانات بالإضافة إلى التوعية المستمرة لحملات تشويه الإسلام وتدعيم أركان الثقافة الدينية لدى جمهور المستهدفين . الغريب في الأمر أن هذه الوسائط الإعلامية التي تدعي الكونية والعولمة والمنادة بثقافة واحدة يلتزم بها الجميع أن نجدها تفرض وصايتها الإعلامية على العقل الإسلامي ، فهي تنادي بشئ وتقوم بعمل آخر ، فهي تصر على احتكار نقد الخطاب الإسلامي ، ونقد الرموز والقامات الفكرية الإسلامية .

والمستقرئ لما تبثه بعض هذه الوسائط من صحافة وفضائيات وإذاعات ومواقع إليكترونية يدرك على الفور زيف الشعارات التي ينادي بها هؤلاء الكوكبيون أو العالميون ، ففي الوقت الذي يطلقون العنان لحرية الرأي والتفكير يقيمون سياجاً وعوائق ذهنية أمام الرأي الآخر ، فإذا هم انتقدوا الإسلام والمسلمين فعلى الجانب الآخر يرفضون رفضاً شديداً في أن يظهر أحد المفكرين المسلمين في وسائطهم للحديث عن الإسلام وعن مبادئه الإنسانية .

وهذا الترصد الواضح من قبل وسائط الإعلام الغربية يجسد عن قرب حقيقة العداء القديم للإسلام والمسلمين ، فهذ الغرب لا يزال يرى في الإسلام خطراً على مصالحه وتحقيق رغباته غير المنضبطة أخلاقياً ، ويرى أن الإسلام بشرائطه وضوابطه الحاكمة يقف عائقاً منيعاً أمام إمبرياليته الاحتكارية التي لا تقبل التعددية ، لذا فعمد عن طريق وسائطه تلك على الترصد بالمسلمين والتآمر على الإسلام من خلال اقتناص أي خبر أو جريمة أو فعل استثنائي قام به أي إنسان ينتمي عقائدياً فقط إلى الإسلام حتى يصوروا للعالم أن الإسلام دين يدعو إلى العنف والإرهاب والجريمة . 

وبهذه الصورة الإعلامية الموجهة ضد الإسلام ورموزه أيضاً فمما لا يدع مجالاً للشك هو وجود مؤامرة قصدية للتآمر على معالم الشريعة ونقدها ، ولكن الخطر الحقيقي هو تقاعس بعض المؤسسات الدينية عن الرد على تلك الافتراءات التي لا تنقطع ليل نهار ، وبل وأصبح بعض المؤسسات الدينية في بلداننا العربية مشغولة بالشأن الداخلي لبدانها دون التعريض لمثل هذه الحملات التي تشن ضد الإسلام .

ومن هنا ينبغي على كافة الوسائط الإعلامية الإسلامية والمؤسسات الدينية الرسمية وغير الحكومية في وضع خطة سريعة لمواجهة مثل هذه الحملات الغربية التي تشوه صورة الإسلام والمسلمين ، وتجعل الإسلام وجهاً لعملة الإرهاب والتطرف رغم أن الإسلام هو دين الوسطية والاعتدال وينبذ كافة صور العنف والتطرف والغلو في الدين والمعتقد . ولابد وأن تهرع جامعة الدول العربية ولجانها المعنية بالشئون الدينية والثقافية بالاهتمام بمثل هذه المؤامرات ، ولا ينبغي أن نغرق حتى أذنينا في هوس الشأن السياسي فقط ، فلابد من إعطاء أهمية كبرى لتوصيل صورة صحيحة للدين الإسلامي ومعتنقيه لكافة دول العالم .

ونحن بحاجة ضرورية إلى تطوير الخطاب الديني في الإعلام العربي ، ليس هذا فحسب ، بل وتطوير الإعلام الديني الرسمي ومناسبته للتحديات التي تواجه الإسلام نفسه، وربما أن معظم هذه التحديات والصعوبات كنا قد أوجدناها بأيدينا نحن، ومع كل هذا نتهم الغرب بالمؤامرة، ونقيم نظريات تفسرها وتؤولها ، وإن كان هذا هو قول ومظان الإعلام الغربي عن الإسلام ، فعليهم أن يدركوا بالفعل والقول معاً مكانة هذا الدين الحنيف ودوره الكوني والثقافي، ونقل محاوره الثابتة بالنص والعقل إليهم من خلال خطاب إعلامي عربي رصين.

ولعل عصرنا هذا في خمة ديننا عن العصور السابقة المنصرمة ، فالوسائط الإعلامية أصبحت اليوم أكثر سرعة وانتشاراً عما مضى ، وهذا كفيل بدوره في سرعة نقل شريعة الإسلام الحنيف إلى الغرب ، وإلقاء الضوء على المصادر الصحيحة للإسلام المتمثلة في القرآن الكريم والسنة النبوية العطرة . وكذلك إلقاء الضوء على بعض القامات الفكرية في تاريخ الإسلام وما لهم من أدوار مشرقة في رفعة هذا الدين ..

 ________

*مدرس المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية

كلية التربية ـ جامعة المنيا

 

 

شاهد أيضاً

15327293_1177974565621596_4935990444522116679_n

رحيل الأديب والمترجم العراقي حسين الموزاني

“نحن نحفر في الصحراء القاسية من أجل أن نجد مساحات ابداع وحرية في كل مكان …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *