الرئيسية / نصوص / الموهبة
filename_utf-8حازم-1-1

الموهبة

خاص- ثقافات

*حازم شحادة 

بعد انقضاءِ ذلكَ اليوم الذي كانَ الله يوزِّعُ فيهِ المواهبَ على البشر وجدوني نائماً قرب الشجرة المُحرّمة.. دولياً.
نكزني كبيرُ الملائكة بجناحهِ فنهضتُ وتثاءبت.
ـ ماذا تريد؟
سألتهُ وأنا أشعلُ سيجارة سماوية رائعة المذاق.
ـ الجميعُ أصبحوا على ذلك الكوكب اللعين وعليك اللحاقُ بهم.
الأوامرُ واضحة وصريحة.
لا مزيدَ من البشرِ في هذه الجنة حتى إشعار آخر.
جاءني الخبرُ كالصاعقة.
حاولت الهروب لكن.. أين المفر؟
حراسُ هذا المكان يمتلكونَ أجنحة نفاثة.
ألقوا القبضَ عليّ ثم بركلةٍ واحدةٍ وجدتُ نفسي هنا، معكم.. في الجحيم.
حاولتُ التواصلَ مع الربِّ كي يعيد النظر بقراره لكن.. دون جدوى.
بقي التواصلُ من طرفٍ واحد.
مع مرورِ الأيام والسنين لاحظت أمراً غاية في الخطورة.
كلُّ واحدٍ هنا يتميزُ بأمرٍ ما.
هذا الذي يمتلكُ صوتأً عذباً يذيبُ القلوب.
ذاك الذي يعزفُ على آلتهِ الموسيقية بأنامل كأغصانِ البان.
هناكَ من يقرأ رموز الرياضيات والفيزياء والكيمياء كما أقرأ أنا لافتة الشارع قبل المنعطف عند اليمين والمكتوبُ عليها:
ـ منعطفٌ عند اليمين.
بعضهم يمتلكُ جسداً رائعاً، قوياً، صحياً، بعضهم يمتلكُ (كاريزما) آسرة.
منهم من يعرفُ الأفكار قبل أن يبوحَ بها أصحابها، منهم من ينحتُ الصخرَ ويقول له:
ـ انطق يا حجر.
هناك أشخاصٌ ذوو قدراتٍ خارقة في السحر، وهناك أشخاصٌ رائعون في الرقص.
وهناك ذوو المعجزات..
اللعنة.
أينَ موهبتي يا أبناء العاهرة؟
فجأة..
وبلحظةٍ دراماتيكية خاطفة أحاطَ بيَ الدخانُ من كل حدبٍ وصوب لينقشعَ بعد ثوانٍ وقد ظهر كبير الملائكة من العدم.
ـ أتذكر ذلك اليوم الذي ركلتلكَ فيه على مؤخرتكَ السمينة لتنطلقَ بسرعة الضوءِ من الجنة إلى الأرض؟
ـ وهل يُنسى ذلك اليوم العظيم أيها المبجل؟
ـ يومها.. وقبل أن نبحثَ عنكَ لنطردكَ من الجنة عقد الله اجتماعاً مع البشر ووزعَ عليهم من كيس المواهب.. بعضَ المواهب.
ولأنك كنتَ تشخرُ بالقربِ من الشجرة المحرمة دولياً فقد فاتكَ الحدث.
ـ يا سلام..
انتفضتُ صائحاً:
ـ وهل كنتُ أعلم بالغيب لأترقبَ توزيعَ المواهب؟
كنت سعيداً في الجنة (أكلٌ ومرعى وقلة صنعة)..
فلماذا تريدني ألا أنام ساعة أشاء.
ثمّ أنه كان من الذكاءِ لو أيقظتني قبلَ انتهاءِ عملية التوزيع وليس بعدها.
على الأقل تواسط لي مع المعلم الكبير كي يتداركَ الأمر.
الحياة في هذا الجحيم الذي أرسلتموني إليه مع موهبة لا تطاق فما بالك دونها.
صمتَ كبير الملائكة وكأنه شعر بفداحة الخطأ الذي ارتكبوه بحقي.
فجأة.. اختفى بلمحةٍ كما ظهر وحين عاد قال:
ـ لقد تشاورتُ مع الله بشأنك.
بلهفةٍ سألت:
ـ وبعد؟
ـ إنه يقول لك:
لم يمنحك َ موهبة..
اصنع لنفسكَ واحدة.

____________
شاعر وكاتب قصة قصيرة من سوريا

شاهد أيضاً

نادر-القاسم-1-1-1

أوسع من اللغة

خاص- ثقافات *نادر القاسم هي فكرة قبل أي شيء آخر هي موجودة في الهواء هي …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *