الرئيسية / إضاءات / ردا على حسونة المصباحي: الشعر ليس كذبا ولا صدقا
fall-3581

ردا على حسونة المصباحي: الشعر ليس كذبا ولا صدقا

خاص- ثقافات

*عزالدين بوركة

 

  • أما قبل:

الشعراء الجدد يكذبون؟ أي حكم قيمة هذا؟ قد يكون الكذب في شموليته يحمل حكم قيمة سلبية.. من حيث أنه يحيل مباشرة إلى الخداع والغش والتحايل وغيرها من أساليب المكر وأيضا التخاذل، والهروب من المسؤولية. ولكن أية مسؤولية يحملها الشاعر على عاتقيه؟ هل من واجب الشاعر المصارحة بشيء ما، وقول الحقيقة كما هي، وما الحقيقة؟ أ بوصفها حاملا لمضاد الكذب ألا وهو الصدق؟ وما معنى أن يكون الشاعر صادقا؟ بل ما معنى الصدق والكذب؟

كم تبدو هذه الأسئلة هشة وقوية -في ذات الآن- مثل خيوط العنكبوت، بل إنها متماسكة ومتشعبة مثلها ولها فروع لا متناهية ونقط التقاء كثيرة..

في مقاله الصادر عن جريدة “العرب اللندنية” بتاريخ 03 أكتوبر 2016 (ص 15) كتب الكاتب الروائي والصحافي التونسي حسونة المصباحي مقالا غاضبا يسلط فيه سهام “النقد” -هذا إن اعتبرناه نقدا- نحو من سماهم ب”الشعراء الجدد”، متحاملا عليهم بوصفهم ب”الكذب” بل بالعجز وعدم الموهبة، وكون قصائدهم باردة.

  • أما بعد:

بعيدا عن الرد من أجل الرد -فقط- عن كلام صديقنا هذا، الذي ما يبدو إلا أنه يتمظهر غاية في البروز  لا شيء غير ذلك. يقول الشاعر محمود درويش في “معلقته” “لاعب النرد”: من أنا لأقول لكم ما أقول لكم؟ فليست مهمة الشاعر أن يقول شيئا.. إنه غير ملزم بقول شيء… حتى أن الشعر -نفسه- غير ملزم بشيء. فـ”الشاعرُ لا يجيبُ على شيءٍ. فهو أبو الهَولِ. يطرح أسئلة” يقول لنا الشاعر الطلائعي الاسباني كارلوس إدموند دي أوري. أما “الشعر لا غنى عنه، لكني لا أعرف لأي شيء.” هكذا يخبرنا جون كوكتو بضرورة هذا الشيء، المسمى شعر، والعصي عن إدراك ضروريته الخفية التي لا نعلم ما هي، لكنه ضروري. فالشعر ضرورة إذن.. بل إنه بهذا المعنى غاية في ذاته. إنه كائن موجود، يتجسد في ذات كائن نسميه عنوة “شاعرا”، هذا المتطوع الذي يحمل على عاتق أمر القول: قول الشعر “سراب الشيطان” كما يخبرنا أوغسطينوس.

صديقنا الذي لا يدرك على حد ما قرأنا له كل ما ذكرناه عن الشعر وضروريته وقوله الخفي، يذهب إلى أن يخبرنا أنه “ليس هناك، إلى حدّ الآن دليل واضح أو خفيّ، علنيّ أم سريّ، يمكن أن يقنعنا بأن الشعراء الجدد يمتلكون الأدوات والوسائل التي تخوّل لهم إدراك خواء تجربتهم، وبطلانها، وزيفها.” كم يبدو هذا الحكم، متحاملا حاملا بين ثناياه رؤية حاقدة عن جيل كامل.. رؤية عمياء تتكئ على الكلمات، عكازا لها لا عن نقد حقيقي.. إن جيل “الشعراء الجدد” أسميه دائما “الحساسية الجديدة” ما زال في طور التكوّن والبحث عن الذات، بل إنه جيل يقوم بقفزات كبرى في القصيدة العربية، جيل يبحث أكثر مما يقول، إذ مع كل قصيدة نجد بحثا عميقا عن كسر القيود الشعرية العربية ونقل الشعر العربي نحو أفق مغاير للقصيدة السابقة. صديقنا هذا الذي يحصر “الشعراء الجدد” في قصيدة النثر، يبدو غير مطلع عما يُكتب من قبل الشعراء الجدد، هؤلاء الذين أدرك العديد منهم، عدد وافر، أهمية التجديد في الشعر بمختلف أنماطه الثلاث (الوزن، التفعيلة، النثر)، إذ -والمقام لا يدعو لذكر الأسماء- يعمد “شعراء الحساسية الجديدة”، شعراء التفعيلة والوزن بالخصوص، إلى جعل القصيدة داخل قالبها الكلاسيكي تُكتب بآليات معاصرة، فكما يقول الشاعر الانجليزي شيللي “مهمة الشعر أن يرفع النقاب عن الجمال المخبوء و يعيد صياغة رؤيتنا للجماليات”، هكذا يعمد الشعراء الجدد مدركين لأهمية ما يقومون به من ما نسميه دائما ب”الفتح”.

مقال صديقنا، كان له أن يمتلك الأهمية لو نحى نحو نقد النص، لا التحامل على جيل بكامله، نافيا عنه الشعرية، نفيا مطلقا… في زمن صار كل شيء نسبيا، حتى الإبداع. صدقنا الذي استدل أول مقاله بقول الشاعر الفرنسي أرتور رامبو ”أخيرا، أعتذر لأنني تغذّيت من الأكاذيب. ولنواصل الطريق“. رامبو الذي قرر مواصلة الطريق،لكن أي طريق؟ وعن أي أكاذيب يتحدث عنها شاعرنا الفرنسي؟ لم يخبرنا صديقنا بل مر مرور الأعمى بعكاز كلماته، يضع المقولة ويُحمّلها ما يشاء من تأويل. ويتقافز من وصف الشعر بالكذب إلى الشعراء الجدد متهما إياهم بالكذب على القارئ ونفسهم. بدون أن يخبرنا عن أي نوع من الكذب يتحدث؟ بل حتى التوقف عند رامبو نفسه لا يعني شيئا لنتخذه مثالا لنحكم عن الشعر بأنه كذب، فأين الشعراء ما قبل رامبو وأين الشعراء ما بعد رامبو إذن؟

هل الصدق عند صديقنا، بمعناه ضد الكذب، هو أن يقول الشاعر واقعه؟ بهذا سيكون محمود درويش ما بعد دواوينه “الانتفاضية” والتي نحت نحو الإنساني والذاتي، ليس بشاعر صادق إذن، باعتباره أنه استشهد بدرويش… وأدونيس، الذي وصفه بأحد الرواد، هو أيضا ليس صادقا -بهذا المعنى- وهو الذي اتجه صوب القول الغامض، البعيد كل البعد عن الواقعي… فماذا يقول صدقنا في هذه النازلة؟ إن “الشعر هو أن تأتي بغير المتوقع” كما يقول نزار قباني، لا أن يكون صادقا أو كاذبا. إن الشاعر مغامر و”لا يركب من لا يغامر”، إنه البحث عن المجهول، لا الاحتكام إلى قيم “الصدق والكذب” عبر محاكم عمياء، لا يتغيا “قاضيها” سوى التمظهر والبروز، بعد أن كان ناكرة منكورا.

  • أما الآن:

إن وما لا يعلمه صدقنا، أن شعراء “الحساسية الجديدة” قد أنزلوا الشاعر من برجه العاجي، ومن لغته المنمقة والغير متجددة، وألبسوه اليومي والهش، “الزجاجي” بأدق تعبير، ذلك الشفاف، الذي بقدر ما هو قابل للكسر -لتجاوزه- يُظهر الكائن في أبسط حالاته تموقفه من الحياة، إذ يقول الكبير الماغوط “أحاولُ أن أكون شاعراً في القصيدة وخارجها، لأن الشعر موقفٌ من الحياة، وإحساسٌ ينسابُ في سلوكنا”.

إن الشعراء الجدد، كسروا معنى الشاعر الأحادي، إذ إنهم كما يقول الشاعر محمد ناصر المويلهي في إحدى تدويناته أنهم “على علاقة أغلبها مبنية على تقاسم نار النص والحياة والحلم، علاقة أغلبها طيب ببعضه البعض وبالسابقين واللاحقين من مشرق أرض العرب إلى مغربها. وكثير من الشعراء العرب الرائعين يحاولون سواء بالنقد أو النصح أو النقاش مع هؤلاء الذين سماهم كتاب السلطة “جدد” لأجل الشعر فقط.”

  • أما الآتي:

في آخر مقالنا هذا، نقول لصديقنا حسونة المصباحي، أين لك إدراك أن “الشعراء الجدد” لا يقرؤون من الأدب القديم شيئا وغير محيطين به؟ ومن أين لك القول بأنهم لا يطلعون عن الأدب العالمي؟ ومن أين لك الحق للقول أنهم لا يمتلكون الحديث بلغات أجنبية غير العربية؟ وهو الذي استدل بشعراء سماهم رواد، ألا يدرك تحايلاتهم في الترجمة وأخطائهم الفادحة التي ارتكبوها في ترجمة نصوص إلى العربية، وكون ما سماهم “الشعراء الجدد” قد صوبوا حتى تعبوا من أخطاء الرواد في تحايلاتهم عن اللغات الأجنبية، ما صوبوه كثير. ولا داعي لتذكير صدقنا، أن الشعراء الجدد نقلوا القصيدة العربية من قوقعتها وانغلاقها إلى العالمية، عبر ما فتحوه من علاقات وترجمات، ردت للقصيدة العربية مكانها داخل الشاعرية العالمية.

وبهذا وجب الإعلام والسلام.
_________
*ناقد فني وكاتب صحفي

شاهد أيضاً

15327293_1177974565621596_4935990444522116679_n

رحيل الأديب والمترجم العراقي حسين الموزاني

“نحن نحفر في الصحراء القاسية من أجل أن نجد مساحات ابداع وحرية في كل مكان …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *