الرئيسية / قراءات / بين الواقعية الجديدة والرومانسية التقليدية
ليث سعيد الرواجفة

بين الواقعية الجديدة والرومانسية التقليدية

خاص- ثقافات

* ليث سعيد الرواجفة

قراءة لثلاث قصص قصيرة جداً للتونسي د/أ. حمد الحاجي

من بين أبرز الحركات التي نشأت في فرنسا وتحديداً خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، الحركة (الواقعية) وهي حركة تُعنى بتصوير الأشياء والعلاقات الإنسانية, بصورة واضحة كما هي عليه في العالم الحقيقي الواقعي، وتُعنى أيضاً بتصوير الجوهر الداخلي للأشياء, وليس الجنوح إلى الفانتازيا أو الرومانسية، وتمتد فترة الواقعية بين ثورة مارس 1848 الفاشلة, وبدايات حكم بسمارك (1)، أي حوالي من 1850 إلى 1890، ولكن هذا لا يعني اندثارها؛ لأن الواقع العربي يفرض نفسه على الساحة الأدبية نتيجة الأحداث المتأزمة التي تعايشها المنطقة مما يمهد لظهور حركة واقعية حداثية عربية المنشأ هذه المرة.

وعلى الرغم من الخلافات الموجودة بين أدباء تلك الفترة, كانت هناك رغبة واحدة تجمعهم, وهي اصرارهم على تصوير الحياة في كتاباتهم كما هي -بكل واقعية- فيقول (فونتانه) (Fontane): “الواقعية هي انعكاس للحياة الحقيقية”.

       وفهم (أوتو لودفيج) (Otto Ludwig) لمفهوم الواقعية مناقض لــ(فونتانه) (Fontane) فـهو يرى أن “الواقعية تريد أن تعبر عن عالم تكون فيه العلاقات أوضح مما هي عليه في العالم الحقيقي, ولا بد من أن تعبر عن الجوهر الداخلي للأشياء”، وهذا ما قام به المبدع التونسي حمد الحاجي في (زهرة الشام الأخيرة).

(زهرة الشام الأخيرة)
ثلاث قصص قصيرة جداً
1- يا بشر..!
ــــــــــــــــــــ
الأولاد الذين يمشون على الثلج حفاةَ،
وصراخهم يمزِّق الأحشاء والأجواء،
عند نهايات الحدود، لن يكونوا غرباء إن عادوا إليه ..!

ــــــــــــــــــــــــــــ

يأخذنا العنوان الرئيسي للمجموعة (زهرة الشام الأخيرة) إلى الحيز المكاني الذي تجري به الأحداث السردية للقصص الثلاثة، وعَكَسَ العنوان حالة واقعية وهي المأساوية التي تعايشها (الشام) يومياً نَتَجَ عنها بقاء زهرة واحدة فقط في حيز مكاني واسع، ذو تربة خصبة، وأرض مباركة، ومياه وارفة.

أمّا عنوان القصة الفرعية الأولى (يا بشر!..) يحمل في طياته دلالات عميقة مرتبطة بالعنوان الرئيسي ودلالته، وكأنه جاء مؤكداً له، وذلك بأن أداة النداء (يا) تُستخدم عادةً للبعيد، وهنا إشارة إلى بُعد الإنسانية عن الشام، فتحولت من مكان آمن يأتيه السياح من كل صوب وحدب، إلى مكان يطأه المتطرفون والإرهابيون الذين يمكن وصفهم ببعدهم عن الإنسانية؛ فالعنوان الرئيسي والعنوان الفرعي الأول مثلا حالة واقعية بكل صدق وأمانة.

وعند الدخول إلى المتن الحكائي، لا نجد حالة تمييز جنسي بين (الذكور) و(الإناث)، وذلك لأن (الإناث) تم اختزال حالتهن في العنوان (الزهرة الأخيرة)؛ فالأذى الذي يعانيه (الأولاد) لا يقل عمّا عانته (الإناث) بل معاناتهن تجاوزت معانتهم.

والنص يمثل صورة نادراً ما نجدها في قصة قصيرة جداً وهي صورة شمية وصفية سمعية تمثيلية عاطفية، وللأسف هذه الصورة (واقعية) يعاني منها كل من هم بالشام؛ فالأولاد يسيرون على الثلج، يعانون من شدة البرودة، ولا يعلمون ما يوجد أسفل هذه الثلوج من حجارة وزجاج وأشواك وألغام… وقُطعت أحشائهم نتيجة الألم والغضب، والأجواء تمزقت بين القوى العالمية المهيمنة -بحجة هذا الصراخ- التي ترغب بتصفية حساباتها على حساب هؤلاء العزل، والأولاد ما زالوا في طريقهم سائرون، ببرائتهم هاربون، عن حياتهم باحثون، وفي أحلامهم هائمون، متجهين نحو الحدود بحثاً عن مخرج، ولكنهم يوماً ما، حين يكبرون سيعودون إلى أرضهم ويدوسونها دون ثلج، وهنا اجتمعت الواقعية مع الرومانسية لأول مرة في نص سردي مكثف دلالياً، فلن نجد مثل هذه الحالة عند أبرز من كتبوا الأقصوصة الواقعية أمثال: (ماير) (Meyer) و(جوتفريد كيللر) (Gottfried Keller) و(تيودور شتورم) (Theodor Storm).

2- الطريق الوعرة
ــــــــــــــــــــــــــــــ
في كلّ كيلو متر، يتوقف الرجل وأولاده عند دوريَّة تفتيش،
يموت واحد، ويمرُّ البقية..
فرحوا في آخر المنعرج، لمحوا شيوخا بجبهات وضيئة،
يَدُلُّون العابرين ، بإيماءة من مسلّحين، على مسارب المتاهة الموصدة..

ـــــــــــــــــــــــــــ

في هذا النص نجد خروجاً من الحالة الفردية إلى الحالة الجمعية، وكأن القاص امتزج بالواقع وأراد أن يصفه للمتلقي بحيادية وموضوعية عبر مشهدٍ وصفيٍّ لنواة من المجتمع وهي (الأسرة) الهاربة، حالها حال (الأولاد) في الأقصوصة الأولى، ولكن مأساتهم أكبر؛ لأن هذه الأسرة تفقد فرداً منها أمام أعين الأب والأم والأخوة عند كل حاجز، فكم حجم المشاهد المحذوفة التي أثارت عاطفة المتلقي وأثارت خياله؟

والطريق الوعرة التي سلكتها (الأسرة) بكل انكساراتها وألمها لا بد من لحظة طمأنينة بعثتها صورة (الشيوخ) أصحاب الجباه المنيرة والوجوه الوضاءة عن بُعد، ولكن بَعد اصطدام الأسرة بهم، تفاجأوا بأن أيديهم ملطخة بالدماء عن قُرب، مما أدخلهم في متاهة، أصعب من الطريق الوعرة ذاتها؛ وذلك لأن الطريق الوعرة لها بداية ونهاية محددة، بينما المتاهة عكس ذلك.

3- مرآةُ
ــــــــــــــــــــــــــــــ
بالمدينة، فقد كلَّ أولاده..
أمام الزُّجاج المستوعب للشَّمس، بزرقته التي تكشف اللاشيء،
يقلبُ الرجلُ الوردة بيديه، يعاود مسكها، ولا تطيعه ،
كيف لها أن تبدوَ زهرةَ.. فوق كل القبور؟
ويأتي الطلق من النـــوافذ العالية.. تسبح الوردة في دمائه..

هنا اكتملت الصورة المأساوية التي أراد القاص إقناع المتلقي بواقعيتها، فالأسرة بعد دخولها (المدينة) التي تحولت إلى (متاهة) بالنسبة لهم، وجد رب الأسرة نفسه وحيداً، يقف (مُزرقاً) منهاراً، وصورته هذه لم تؤثر بأحد ولم تكشف شيئاً لأصحاب الإنسانية (البشر)، فالدماء تجري داخل عروقه بصعوبة، يقف أمام زجاج متكسر استوعب أشعة الشمس ولم يستوعبه، يحمل وردة في يده (إشارة على براءته وسلميته في ثورته)، يحاول الإمساك بها مرة أخرى ولكنها تسقط من يده ولا تطيعه؛ لأنها فقدت جماليتها وأهميتها بين القبور، فالأموات لن يشعروا بها وحاملها بحالة أقرب ما تكون للأموات، فما جدوى الزهور على القبور!، فينظر إليها عاجزاً عن حملها ونفث الغبار عنها، ولكن يُباغَت برصاصة من أعلى الشرفات (العلو ليس مكانياً بل علواً مركزياً دولياً)، فيسقط قتيلاً يروي الزهرة بدمائه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- أوتو إدوارد ليوبولد فون بسمارك: من مواليد 1 أبريل 1815 ، وتوفي بتاريخ 30 يوليو 1898 رجل دولة وسياسي بروسي – ألماني شغل منصب رئيس وزراء مملكة بروسيا بين عامي 1862 و1890، وأشرف على توحيد الولايات الألمانية وتأسيس الإمبراطورية الألمانية أو ما يسمى بـ “الرايخ الألماني الثاني”, وأصبح أول مستشار لها بعد قيامها في عام 1871، حتى عزله فيلهلم الثاني عام 1890، ولدوره الهام خلال مستشاريته للرايخ الألماني أثرت أفكاره على السياسة الداخلية والخارجية لألمانيا في نهاية القرن التاسع عشر، لذا عرف بسمارك بلقب “المستشار الحديدي”.

بعد وفاته، اتخذه القوميون الألمان بطلهم القومي، كما أشاد المؤرخون بدوره كرجل دولة ساهم في الوحدة الألمانية، واستخدم سياسة توازن القوى للحفاظ على السلام في أوروبا في سبعينيات وثمانينيات القرن التاسع عشر.
__________
*كاتب من الأردن.

شاهد أيضاً

01j199

فخري صالح يطرح أسئلة الاستشراق في «كراهية الإسلام»

*محمد رفيق طيبي حين يغوص القارئ في كتاب الناقد الأردني الحائز جائزة النقد الأدبي في …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *