الرئيسية / مقالات / مظفر النواب المجروح بحد النشاء الوثير
محمد العباس

مظفر النواب المجروح بحد النشاء الوثير

*محمد العباس

عُرف مظفر النواب في الوجدان العربي بأنه الشاعر المنذور للدفاع عن شرف الأمة العربية، بالنظر إلى كثافة شعره في هذا الصدد، وعلو نبرته في مواجهة خراب القبيلة العربية.

وهو بالفعل أصدق من كاشف العرب بعيوبهم، فهو القائل «أنا أمّة ترقص الرقصة البدوية قدام قاتلها»، لدرجة أنه نحا في تجربته الشعرية إلى رثائيات صاخبة، هي التي أسس عليها الإنسان العربي آلية التلقي لشعره، فهو الشاعر المعروف بالانتحاب عند قدمي «عروس السفائن» ويعني بها القدس، عروس العروبة المغدورة، ومن يتأمل منجزه سيلاحظ ذلك التلازم العاطفي مع الحدث العربي بكل منعطفاته، كما تفصح عن ذلك قصائده «طلقة ثم الحدث» و»تل الزعتر» و»مرثية لأنهار من الحبر الجميل» و»آر بي جي سفن» وغيرها من القصائد التي كانت بمثابة التعليق الشعري على حدث سياسي في مختلف الأقطار العربية.

على هذا الأساس توطّن مظفر النواب في مزاج الإنسان العربي وكأنه انطلق من وعي شعري مقصود ليعبر عن آلام الأمة العربية، ولذلك غابت تجربته العاطفية الحسّية، أو تراجعت في خلفية هذا المشهد الكثيف، على الرغم من كونها على درجة من الثراء والفرادة والجاذبية بمنسوب لا يقل عن قصائده السياسية، إذ لم تكتسب قصيدته «اعترافان في الليل والإقدام على ثالثة» ذلك الأثر المأمول مقارنة بهجائياته، ويعود ذلك إلى انزياح المتلقي عن مقاصده وتحويله إلى شاعر شتّام، أو على الأقل التعامل مع شعره كمنشور سياسي، وهو انحراف مفهوم في استقبال النص الشعري الغاضب، الذي يلبي حاجات واعية ولاواعية في الذات المقهورة، وربما استجاب مظفر في لحظة ما إلى ذلك الهيجان الجماهيري فضبط إيقاع قصيدته على ذلك الميزان المنفلت شعورياً، ليبني خطابه الشعري على ثالوث السياسة والحانة والجسد.

_2837_nouw3
الحياة العاطفية تجربة إنسانية ذاتية محاطة بالسرية والغموض والتخفي، وكلما كانت التجربة صاخبة أحاطها الشاعر بالتكتم، وأحياناً يحاول الشاعر أن يقدم الصورة الموضوعية لشخصيته ليحجب حميمياته، إلا أن الزمن يكشف عن هشاشة الشعراء العاطفية كبشر، ويفصح لا عن تجاربهم العاطفية فقط، بل عن افتتانهم بالجسد البشري، حيث كشف البحث في أوراق ت. س. اليوت، وإبراهيم طوقان – مثلاً – عن قصائد وخربشات فارطة في الحميمية، تؤدي إلى الممر السري العميق لتلك الذوات، أما مظفر النواب فهو شاعر انكشافي مباغت، يعبر عما في داخله من رغبات ومن مراودات من دون تحفظ، كما يفصح عن ذلك بقوله «فإن اللذات تنام وراء الباب بدون ملابسها/ تنساب وتنطق أشياء مبهمة»، ويتجلى ذلك بشكل أكبر في شعره المكتوب باللغة المحكية، إلا أنه لم يندفع باتجاه كتابة قصيدة تعادل سيرته العاطفية، لأسباب تبدو غامضة وبحاجة إلى درس.

لم يكرس مظفر النواب أي جانب من شعره لامرأة، وهذا لا يعني أنه لم يجرب التماس العاطفي إلا مع «امرأة، ليست أكثر من زورق لعبور الليل»، كما أن ذلك لا يعني أنه ليس له «ريتا» كمحمود درويش، وليس لديه من الحبيبات ما لدى نزار قباني الذي فصل من جلد النساء عباءة وبنى أهرامات من الحلمات، كما أن ذلك لا يعني عدم عبوره بتجارب عاطفية، والدليل ذلك البوح الشعري الأخاذ المبعثر في قصائده، الذي ينم عن شهوية عارفة بخريطة الجسد الأنثوي، كما في قصيدة «وما هم ولكنه الشوق» التي يقول فيها «لم أنكسر إلا لتقبيل نهيد نزقا»، فهو مغرم بالتفاصيل الشهوية الصغيرة «أحب زوايا عيون النساء»، أو كما يتأوه وهو يتوغل في طيات الجسد متناهية الصغر «فالباب سيفتح ثانيتين إلى الشق الفاسق/ بين الخنصر والبنصر في قدميها»، حيث المجاز والتناص المراوغ «دخلت حجيرتها/ ما أوسع هذا التصغير وأرطبه/ من صادف تصغيراً رطباً في هذا النحو».

من يتحدث عن اكتظاظ الحليب وتقاطره الليلي من نهدي امرأة ويموضع حواسه «تحت النهدين إناء» لديه من الجرأة والتجربة الحسّية ما يكفي لبناء تجربة شعرية مكتملة في ملامحها العاطفية، ومن يكتب بشفافية التلاشي حين يقول «تتهرب كالعطر وأمسكها فتذوب بكفيّ» لديه من الخبرة الجسدية والقدرة على التعبير ما يؤهله لتكريس ذاته كشاعر عارف بالمرأة، إلا أن مظفر أراد ولسبب ما أن يواري حميمياته وراء الصراخ السياسي والخمريات، وهذا هو سر التعميم الذي يلجأ إليه غالباً لإضفاء حالة من الضبابية على تجربته العاطفية «وامرأتي حين أسكر كل النساء»، وربما لذلك يُكثر الطرق على مفردة «امرأة» بعموميتها، وكأنها مجرد ملاذ «فأين امرأة توقد كل قناديلي»، أو كما يتمناها « يا أي امرأة في الليل»، وأحياناً يبدّدها في مقاصد موضوعية لئلا تستوي حالة العشق «قد أعشق ألف امرأة في ذات اللحظة/ لكني أعشق وجه امرأة واحدة/ في تلك اللحظة/ امرأة تحمل خبزاً ودموعاً من بلدي».

هكذا قدم مظفر نفسه وكأنه يذيع للأمة بيانات الإدانة والشجب واللعن للحكام، ليمارس إخفاء تجربته العاطفية الموازية، إلا أن هذه التجربة كانت تتفجر في ثنايا قصائده، لتفصح عن صورته كفرد، أو كذات عاشقة «كيف الصبر على جسد/ كان تنتؤ زهرة لوز»، حيث تطغى علامات الشهوة على خطاب الحب ومفاعـــيله، كما تطفح قصائده بالعري والحسّية والتماس الجسدي التي يبديها كائن هو ربيب شهوات الليل «كم كان إله الشهوات يقبل جسر سريري»، إذ لا توجد قصـــيدة نوّابية من دون نتوءات عاطفــــية، أو محطات استرواحية فـــــي مدار الجسد، إلا أنها مطمورة تحــــت وابل من الشــــتائم الســـــياسية وهذيان الحانات، حيث المرأة/الجسد، فهو الخبير بتهجـــي «جسد المحبوب» وهذا هو ما يفسر فائض الصور الشـــعرية المقـــدودة من حرقة التجربة المحمولة على مخيال جامح ومجاز حاد الانحـــراف عن الوقائع، بكل ما فيه من إحالات ثقيلة إلى المكمن الإيروتيكي: الشبق المطلق، أريج التفاح الوحشي، بذور اللذة، فانوس العشق، النشاء الوثير، الرطوبة بين السفرجل، السوليفان الرخيم، المفرق الأنثوي الرفيع، الانتفاض اللذيذ، السائل الوحشي، عسل الليل، وبر نسوي، الزغب النسوي، ثياب النوم الملتاعة، وثارة شرشفها الخمري، الشبق الوردي، اللعثمة الحلوة، وهكذا».

لا يمكن لمن يقرأ مظفر أن يخطئ هشاشته العاطفية «قلبي كالعشبة قدام المنجل»، ولا يمكن أن يتجاوز براعته في سرد تضاريس الجسد الأنثوي «وأقرأ بالأصابع خصراً تعشقته»، هذا الخصر الذي ينوّع عليه ويتأمله من كل الزوايا وبكل الحواس» في ثنية الخصر هذي التي أهلكتني»، تماماً كما يتصفح «تمائم مكتوبة للنهد»، النهد الذي يرتطم به في معظم قصائده، وعلى الرغم من إفراطه في استعراض منحوتاته الطرية إلا أنه يقف مبهوتاً أمامه» أنا ما ذقت سوى طرف النهد»، أو كما يتخيله بشهوية فارطة «وينتفض النهد كرأس القط من الغسل»، أو حين يقول «ونهد تركز تركيزة الاقحوانة»، فهو لا يكتفي بالتصوير الخاطف، بل يستغرق في بناء المشهد الحسّي «لم ترّ أعيننا أنفسنا/ لكن مولاي سمعنا زقزقة بين الجسدين»، أو كما يرسم المشهد بإلماحة خاطفة «أغمس كتفي بسمرتها»، وأحياناً يتجاوز الملموس والمحسوس إلى الأثيري «أنا من حدة العطر أُجرح» أو تتلبّسه حالة من التجريد «أشتاق إلى لا أشيائك».

ذلك الاندفاع الشهوي هو ما يفسر انخفاض منسوب حضور مفردة الحُبّ في قصائده، حيث يتساءل «هل تعرف كيف يكون الشاعر بالحُبّ؟» ليجيب بأن ذلك الجنون الخرافي يشبه التقاء جميع الأنهار، حيث لم تُقابل كل تلك الفصاحة الحسّية بتسمية امرأة واحدة يمكن التدليل بها على واقعة الحُبّ، إذ لا تتردد في معجمه كلمات الحُبّ بقدر ما يحضر الجسد، وكأنه يفتقد ما سمّاه «حنان المنازل» أو أضاع «الدراج الرجوان الذي يفضي إلى بيت الرضا الليلي»، ولذلك ظل يردّد رغبته في» امرأة الدفء»، ويعلن بمنتهى الوضوح «أبحث عن ثدي يرضعني فأنا خاوٍ»، ويصرخ «من تشتريني بقليل من زوايا عينها»، حيث يمكن قراءة عبارته «ورأيت ثياب العشق تضيق على جسدي» كحالة انسلاخية أشبه ما تكون بالتبرؤ من أي حالة حبّ، أو ربما يمكن تأويل تلك التداعيات بقوله « وأغالب هذا الخوف بتحريك اللذة في زندي»، وكأن كل تلك الإحالات مجرد سطح حسّي لتجارب أو حالات حُبّ لم تتنصص.
_______
*القدس العربي

شاهد أيضاً

خيري-منصور-1

بافلوفية الإعلام والإعلان

*خيري منصور قد لا يكون من يستخدمون المنهج البافلوفي في الإعلام والإعلان معا على دراية …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *