الرئيسية / مقالات / سؤال الطبع في الكتابة
أمير تاج السر

سؤال الطبع في الكتابة

*أمير تاج السر

هناك سؤال يلازمني دائما ويكاد يكون سؤالا ثابتا في معظم الحوارات التي يجريها أو يفكر أحد في إجرائها معي، ولعله يطارد كتابا آخرين يملكون طقوسي نفسها أو طقوسا مقاربة لها:
لماذا أنت غزير الإنتاج؟ وهل تؤثر غزارة الإنتاج في جودة الكتابة؟
السؤال نفسه معكوس، يلوح به المحاورون أمام كتاب لهم طقوس مختلفة، ولا تسمع بأنهم أنتجوا نصا، إلا كل ثلاث أو خمس سنوات، وأحيانا تمتد تلك السنوات، إلى أكثر من عشر:
لماذا أنت مقل في الكتابة؟ وهل قلة الإنتاج تؤثر على نصك من حيث أنه أجود كما لو أنه جاء بسرعة؟
بالنسبة لسؤال غزارة الإنتاج، أي الكرم في الكتابة كما أسميه، وهو أن يبذل الكاتب جهدا كبيرا ليطل على قراء يثقون فيه كل عام، بنص لا يعرف شخصيا إن كان جيدا أم لا؟  لكنه يكتبه متبعا في الحقيقة، طبعا من طباعه الشخصية، طبعا شبيها بالطباع الأخرى المعروفة لديه كإنسان: صوته، مشيته، حديثه، طريقة نومه وأكله وتناوله للدواء إن مرض، اجتماعياته، وهل هو انطوائي أم يحتك بالناس دائما، هل يتحدث في المجالس، أم يترك غيره يتحدث، هل يرتبك، هل ينفعل لأسباب بسيطة، هل يمتلك البرود؟ وهكذا..
فالسخاء الكتابي إذن لا يجب أن يكون مستغربا وتطرح في شأنه الأسئلة، وهناك سخاءات شبيهة بذلك، موجودة في مهن كثيرة، وإذا اعتبرنا الكتابة مهنة، وهي مهنة ولا مهنة في الوقت نفسه، أي أنها تستحوذ على وقت المهن العادية نفسه، لكن لا تأتي بعائد تلك المهن في الغالب، ويضطر الكاتب بالطبع أن يمارس مهنتين، واحدة للرزق، وواحدة للنشوة التي ربما يحس بها ساعة أن يجلس ليكتب..
لنتأمل مثلا حين نقف في طوابير بيع التذاكر للقطارات والسينما، أو تأشيرات الدخول في المطارات، أو أي مكان فيه أشخاص يعملون وأشخاص ينتظرون نتيجة عملهم، فدائما ما نجد من يعمل أسرع من الآخرين، أي أن هناك تدرجا في السرعة، من الذي يخلو الصف الذي أمامه من الناس في وقت وجيز، والذي يتكدسون عنده وهكذا.. هذا طبع وليس موهبة أبدا، ولكن في النهاية النتيجة واحدة: هناك عمل أنجز، وأشخاص ابتهجوا بذلك الإنجاز.
سرعة الكتابة، أو سرعة إنجاز النصوص، إن كان يعني إنتاج نص بصورة دورية، أو إنجاز نص واحد في فترة قياسية، لا تعني أن النص سيخرج مهتزا وناقصا، خاصة لدى الكتاب الذين امتلكوا أدواتهم وطوروها، ولم تعد الكتابة عندهم تهتهة، أو حبوا، أو وقوفا وسقوطا متكررا، الكاتب هنا يعرف المساكن التي ستقطنها شخوص روايته، يعرف الطرق التي ستسير عليها، يعرف أن القصة ستبدأ عند تلك النظرة، أو الصرخة، أو الوفاة الفجائية لشخص ما، وتنتهي إلى موقف قد لا يكون حدده ولكن ستنتهي عنده الحكاية، لا بد.
امتهان الكتابة، وأعني الامتهان النظري، هو بالضبط انتماء للوظيفة التي تكون مفرداتها واضحة، ولا تحتاج لمراجعة من أجل أن تفعل كل صباح، لن نسأل عامل الصيانة في مبنى، أن يقرأ عن الصيانة يوميا ويأتي، ولن نسأل طيارا كيف يقود من دون أن تتعثر قيادته، هكذا. والذين يعتقدون أن الكتابة المستمرة تخفف من جودة النصوص، وتنتج أعمالا لا قيمة لها، ليطلعوا على أعمال كثير من العظماء الذين ظلوا ينتجون بصفة دورية، ولم نر في أعمالهم ارتباكا. ذلك ببساطة، أنهم يكتبون بمفردات الطبع أولا، ومفردات المهنة التي أجادوها ثانيا، وحتى من تخصصوا في عالم واحد، لا يبرحونه، مثل إبراهيم الكوني. في أدبنا العربي، تجدهم يمتلكون حيلا تجعلهم يلونون ذلك العالم في كل مرة بلون جديد، ويستخرجون منه تمائم، ومفردات وطلاســم جديدة، لم يتــحــدثوا عنــهــا في أعمال سابقة. وقد تابعت تجربة الكوني كثيرا، واقتنعت بأن سخاءه الكتابي، جزء من طبعه، وهو سخاء مطلوب بشدة.
في الغرب، يوجد كثيرون، ينتجون بصفة دورية، وهنا بجانب الطبع يأتي أجر الإنجاز المادي، فكتّاب مثل ستيفن كينغ، وجون غريشام، تجد لهم عنوانا في كل موسم كتابي، ولا يسأل أحد لماذا يكتبون هكذا؟ ولا يردد أحد: كتابتهم غير جيدة، بل تجد من ينتظر ذلك السخاء، ويحجز نسخته بمجرد الإعلان عن أن عملا ما سيصدر. وهكذا تستمر المهنة بسخائها، وأجرها الجيد، ويستمر المتلقي في حصد السخاء بلا تذمر، ولا تساؤلات غير ضرورية.
بالنسبة للشح الكتابي، أي إخراج نصوص بعد زمن طويل، فهذا لا يعني أن الكاتب لا يستطيع الكتابة، أو أن هناك معوقات تقف له بالمرصاد وتمنعه. وكنا نتحدث قديما عن لقمة العيش في العالم الثالث، وأنها أكبر المعوقات، وأنها توقف الكتاب في صفوف غير ضرورية، وتركبهم مصاعب مرعبة، ويضيع وقت كانت تحتاجه الكتابة.
هذا القول قد يكون فيه صدق، لكن ليس الأمر هكذا تماما، فالذي يمتهن الكتابة بجانب مهنته الأخرى، سيجد لها زمنا مهما كانت أزمنته ضيقة، ومؤلمة، سيجد لها زمنا. ونحن نرى الآن كتابا  من سوريا واليمن وليبيا، يعيشون وسط الحروب، ولغة الموت، ويكتبون أعمالا مجيدة. إنه الطبع الذي تطبعوا به، أو الطبع الذي ولدوا به، وصار جزءا من شخصياتهم.
إذن لا مشكلة أن ينتج لنا أحد نصا في كل عام أو في كل عشرة أعوام. لننظر إلى نصه، ونتأمله، ولا نردد مقولات لم تعد مناسبة في زمن، اختلف فيه كثير من الثوابت، وحتى الفن الكتابي نفسه، اختلف، فالذي عدّ نصا مبهرا في الماضي، الآن قد لا يلتفت إليه أحد.

______
*القدس العربي

شاهد أيضاً

_16644_151

الكلام مفتاح الحياة

*الياس خوري في فيلم «الأبديَّة ويوم» للمخرج اليوناني تيو أنجلوبولس، (1998)، نعثر على حكاية شاعر …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *