الرئيسية / قراءات / قراءة في قصص قصيرة جداً للمغربي حمد الحاجي
13516630_1173340172710891_1690363710822196178_n

قراءة في قصص قصيرة جداً للمغربي حمد الحاجي

خاص- ثقافات

* ليث سعيد الرواجفة

أخذت الكتابة العربية تنهج نهجاً جديداً في الآونة الأخيرة، وباتت ظاهرة التكثيف الدلالي والاختزال اللفظي سمة أسلوبية بارزة، مما نتج عنها ظهور العديد من الأجناس الأدبية الجديدة مثل القصة القصيرة جداً والومضات، ومن ثم إن المختص بالرواية سيواجه صعوبة كبيرة في دراسة نصوص أدبية مكثفة ذات مشاهد محذوفة، وذلك للبون الشاسع بينها من الناحية الشكلية والمضمونية وأيضاً المقصدية؛ فهذه النصوص تعتمد على فهم المتلقي، وتفاعله، ومدى إدراكه للفجوات الجمالية بين البنى الصغيرة جداً، فكل فجوة تمثل عالماً خاصاً وحكاية مكتملة بحاجة لخيال واسع لإدراكها، وفي هذه المقال لسنا بمعرض التفصيل والتأصيل لهذه الأجناس، بل ستكون محاولة عملية لقراءة تطبيقية على ثلاث قصص قصيرة جداً للكاتب المغربي حمد الحاجي.

ثلاث قصص قصيرة جداً : لَاعِبة الْشِّطْرَنْج ــــــــــــــــــــ

ـــــــــــــــــــــــــــ

1- تعَلّق قَلْبِي

قام عن سريره وتمشّى على سطح بيته، رآها، تستحمّ جميلة المنظر فاتنة. أرسل عينيه ، نثرتْ جسدها سفنا ومراكب ..

لحظتها، رمى بحذائه كي ينزل يراها، يسترجعه ..دخل عليها،

– كانت طاهرة..

فزعت وطارت حمامة..

ـــــــــــــــــــــــ

2- فِي الْدِّيْبَاج وَالْحُلَل

مرَّ الأسمر كالقمر؛ أغلقت هادئة نافذتها المطلة على الزقاق .

جلست تحرك ساقيها . ارتشفت ما تبقى من قهوتها .

نفثت زفراتها في دخان سيجارتها .

أمسكت صورته ، مزقتها . لم تكتئب . لم تضحك .

حين داستها بقدمها؛ سمعت طرقا بالباب..

ـــــــــــــــــــــــــــ

3- رُوْمِيَّة الْكِفْل

هربت من الحلبة ، فأجاءها العطش إلى بئر معطَّلة. تلقي بالرشاء والسطل. تسحبه رويدا رويدا. نَادَاهَا مِن تَحْتِهَا الرشاء.. تدوِّي صرختها ؛ ترتجُّ لها الرقعة. يجفل الحصان ..

بالسَّطل، يتدحرج رأس الملكة..!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- تعلق قلبي

في هذا النص مشاهد محذوفة مكثفة، يمكن دراستها في مضمار (المشهد الغائب)؛ فبطل الحكاية على معرفة مسبقة بمن يراقب، ولها مكان داخل عقله الباطن، وذلك ما دفعه للصعود إلى سطح المنزل فور استيقاظه من النوم، أما المشهد الآخر المحذوف هو أن البطل عندما شاهد المنظر دخل في حالة اضطراب نفسي دفعه لرمي حذاءه واسترجاعه في ذات اللحظة؛ وهذا ما جعل المتلقي يتساءل عن الدافع لرؤيتها عن قرب وهو يرى تفاصيلها بدقة عن بعد؟ وبحث المتلقي عن اجابة، يؤكد حدوث مفارقة رومانسية مبنية على العالم الوهمي، وتحقق ذلك حين دخل عليها ووجدها طاهرة؛ أي في حالة مناقضة لما أوحت به حين شاهدها عن بعد، وفزعها هو الذي دفع الحمامة للطيران، وحينها تحقق المشهد الغائب الأخير وهو استيقاظه من النوم؛ فالبطل لم يغادر سريره اصلاً.

كل ما سبق يشير إلى مقصدية المبدع صاحب هذا النص؛ ويمكن اختصارها بأنه أراد أن يقول للمتلقي: لا تحكم على الأشياء والأشخاص بعين البصر، بل عليك بالبصيرة، حتى لو جاءتك في منامك، فالفتاة التي ظن أنها تغريه وغير شريفة وتناديه، اكتشف أنها طاهرة وعفيفة، والبصيرة جاءته في منامه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

2- في الديباج والحلل

عنوان النص يشير إلى صورة فوتوغرافية لبطلة الحكاية؛ فهي تقف متأملة أمام  شرفتها، مرتدية ثوب متهدل منسدل على جسدٍ متعب غير مستقيم في وقفته.

 والجملة الاستهلالية ظهر فيها اشكالية تخص إسناد التشبيه، هل وجِّهَ التشبيه إلى القمر أم إلى الأسمر؟ والاجابة برأيي أنه من الناحية البلاغية يجب أن يوجد رابط مشترك بين المشبه والمشبه به لو مجازاً، وغير ذلك يعد انزياحاً قد يشوه المعنى.

وبناءً على ذلك لا يوجد رابط بين المشبه والمشبه به اذا كان المقصود: (الأسمر كالقمر)، بل إن المقصود بهذا التشبيه أن (مرور الأسمر كمرور القمر) كناية عن سرعة المرور، ولوعة انتظار ظهوره مرةً أخرى؛ فالقمر يظهر مرة واحدة بهيئته المكتملة، والقمر في النص كان (رمزاً سلبياً) لكل ما يظهر في ظلمات الحياة، كعلاقات عابرة، ونزوات سريعة تفرغ حالات الكبت الإنسانية، وحب غير حقيقي، وهذا ما سأوضحه لاحقاً؛ فبعد اختفاء (القمر) جلست تحرك ساقيها دلالة على الضجر والملل، وارتشفت قهوتها كي تعينها على الانتظار مرة أخرى، ونفثت دخانها دلالة على لا مبالاتها؛ فقررت أن تثور على هذه الحال وتمزق صورته التي رسمتها في مخيلتها وتدوس عليها لتبدأ مشواراً جديداً، ونهجاً مغايراً… فطرق الباب. ويمكن رسم معادلة توضح النص بأكمله كما يلي:

العلاقات العابرة والنزوات = تدخل من الشرفة وتكون خاطفة وسريعة (كالقمر)

العلاقات الحقيقية= تدخل من الباب، وتكون صادقة وجريئة

عندئذ إن إغلاق الشرفات.. تُطرق الأبواب.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

3- رومية الكفل

شهد النص حالتان من التناص، الأولى تناص أدبي مع قول امرئ القيس:

حجازيةُ العينـينِ مكّـِيةُ الحــشا                 عراقـيَّةُ الأطرافِ روميّــةُ الكَــفلْ

أما الثانية تناص ديني مع قوله تعالى:

(فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) صدق الله العظيم .

في الحالتين حدث مفارقة ناتجة عن التناص الأدبي والديني؛ وذلك بالانزياح الدلالي بين النص الاصلي والنص الجديد؛

ففي عتبة العنوان حدث الانزياح حين تغزل أمرؤ قيس بمعشوقته وجمالها، بينما وظّف المبدع ذلك في سياق الانهيار والخوف والهرب، أما النص الديني الأصلي جاء لطمأنينة مريم عليها السلام، ولكن في النص الجديد حين ناداها الحبل بعث في نفسها الرعب و الخوف.

هذا من ناحية التناص المفارق، أما إذا تعاملنا مع النص باستقلالية موضوعية، فالأنا الساردة لا تتغزل بالفتاة، بل تصف حالتها القلقة من خلال تكثيف الأفعال ذات الدلالة السلبية  وكثرتها (هربت، فاجأها، تلقي، تسحب، ناداها، تدوي، ترتج، يجفل، يتدحرج) وهذا التكثيف كان له دوراً بارزاً في بناء الإيقاع الداخلي للنص؛ فصور حالة الفتاة التي دفعت ثمن جمالها حين جفت منابع حياتها، وذلك لحسد من حولها لها، وتحرش المتوحشين البشريين بها، وكيد أعدائها من بنات جلدتها (أي النساء) اللواتي جعلن الحصان الذي جاء به فارس أحلامها يضج ويخاف ويهرب بعيداً عنها.

وإذا ربطنا جميع القصص ببعضها نجد ترابطاً شكلياً ودلالياً بينها، وهذا الترابط يمكن تلخيصه كما يلي:

1- كل قصة لها بطلان ذكر وأنثى، ويمثلان تياران متناقضان.

2- الثلاث قصص ختمت بانكسار أحد الأبطال .

3- جميع القصص كانت الأنا (عالم السارد) مناقضة للآخر (مجتمعه المحيط به) من ناحية الرؤية ووجهة النظر.

4- جميع الأبطال يعانون من اضطراب نفسي نتيجة الخوف أو الجهل بالواقع وتحدياته.

5- بدأت بجملة فعلية وختمت بذلك، مما يعني الاستمرارية.

6- كسر أفق توقع الشخصيات داخل النص الأدبي، مما نجم عنه صدمة للشخصية (داخل النص) وصدمة للمتلقي (خارج النص).

7- الفضاء المكاني محصور ببقعة محددة:

أ- القصة الأولى منزل.

ب- القصة الثانية حجرة.

ج- القصة الثالثة أرض خلاء هربت إليها البطلة عند فوهة بئر مجهولة.

وهذا التحديد للفضاء المكاني كان من الناحية السطحية فقط، أما الناحية العميقة (العامودية) مناقضة لذلك، فالفضاء واسع جداً.

 

شاهد أيضاً

_16644_151

«الجبل الصغير».. بيروت بلا رائحة

*مدحت صفوت مثلما أدت هزيمة يونيو/حزيران 1967 إلى قطيعة فنية ومعرفية من كُتاب الرواية مع …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *