الرئيسية / إضاءات / فنون وآداب أمريكا اللاتينية.. نظرة لاهثة
785907-730x425

فنون وآداب أمريكا اللاتينية.. نظرة لاهثة

*عبدالله حبيب

«لسنا جزيرة صغيرة إلا لمن يرانا من بعيد» (قاسم حدَّاد).

فيما يخص فنون وآدب أمريكا اللاتينية فإنه لا شك ان الكتابة عن الملابسات المتعددة والتعقيدات السياسية والعِرقيَّة والإثنيَّة واللونيّة والأصلانيَّة والأصليَّة والتواريخ الفائضة واللغوية لتلك المنطقة من العالم (ليس هذا فحسب، بل وحتى الاشتباكات اللغوية/‏‏اللهجويَّة ذات الجذر الإيتميولوجي الواحد كما طرح صالح علماني – الذي هو من نافلة القول واحد من أفضل من ترجموا أدب تلك المنطقة إلى لغة الضاد- في لقاء عام بالنادي الثقافي هنا في مسقط)، والطموحات العالية للفنون والآداب في أمريكا اللاتينية التي أذهلت العالم على مستوى النضال الثوري الاستثنائي (خُذوا تجربة الثورة الساندانيَّة في نيكاراجوا مثالاً، ولتتذكروا المشاهد المؤثرة لدخول الثوار الساندانيين مكللين بالنصر إلى العاصمة ماناجوا) والإبداع الفني والأدبي المتميز (هاكم «الواقعية السحرية» في تجربة الرواية الأمريكية اللاتينية دليلاً، وإن كنت سأتوقف عند إشكالية المصطلح بعد قليل، بَيْدَ انني واثق ان في أذهانكم اسم مثل غابرييل غارسيا ماركيز مثلاً) يتطلب- عنيت الحديث عن ذين الأمرين: التجربة النضالية الفريدة والتجربة الإبداعية المتفردة – مجلدات ومجلدات لإيفائهما ولو بعض حقهما.

غير ان دافعي، ودفاعي عن نفسي، و«هروبي بجِلدي» في كتابة هذه المادة الضئيلة حول موضوع هائل كهذا إنما يكمن في العنوان الجانبي لمادتي الخجولة هذه؛ حيث إنني لا أريد سوى التوقف عند بعض النقاط والمفاصل في سيرورة وصيرورة التاريخ الابداعي لتلك القارة المذهلة؛ إذ أعتقد أن بعض تلك النقاط والمفاصل تغيب عنا حين تندلق «الأحاديث الكبرى» عن هذا الموضوع، وما الكتابة النقدية الجديدة سوى مساءلة لـ «النظريات الكبرى»، وللأسف الشديد تضيع «التفاصيل الصغيرة» لدى الحديث عن كل «شيء كبير» تقريباً في شتى تجليات الحياة. وللأمانة الشخصية، فأنا فقدت إيماني بـ«النظريات الكبرى» منذ عدد لا بأس به من السنين.
أود القول، بادئ ذي بدء، ان آداب وفنون أمريكا اللاتينية تُقَدِّم تحدياً لا بأس بحجمه المحرج للنسخة المتكلِّسة من الماركسية الكَهَنوتيَّة التي تذهب إلى ان البنية الفوقية إنما هي انعكاس مباشر وغير قابل للتفاوض للبنية التحتية وليس العكس. وعلى الرغم من أننا نعثر في بعض المراسلات المتبادلة بين «الشيبه العود» ورفيقه في الفكر والحياة فردرِك انجلز على اشارات مقتضبة الى امكانية حدوث ظرف تاريخي «زَمَكانيٍّ» تكون العلاقة فيه بين البنية التحتية والبنية الفوقيَّة متبادلة ومشتركة التأثير والتأثر. غير ان هذه الإشارات المقتضبة لم يوسعها الاثنان في كتبهما النظرية المعتدُّ بها، ولم يتم تطويرها في الأيديولوجيا الماركسية الرسمية؛ وهكذا فقد اصبح تذكر تلك لإشارات من قِبل المثلث التأسيسي لتيار الماركسية الجديدة: أنطونيو جرامشي، ونيكوس بولانتزس، ولوي ألتوسير، ومن خلَفهْم يُنظر إليها من قبل الكهنوت الماركسي على أنها تجديف على العزَّة الثورية المقدسَّة. ولا شك ان حجم الطموحات الهائلة والمشكلات العسيرة التي واجهتها الماركسية الجديدة (بعض المفكرين اليساريين، وخاصة في الولايات المتحدة، يطلقون عليها تسمية «ما بعد الماركسية»، وهذه تسمية لا أتفق معها لأسباب ليس هذا مجال الخوض فيها)، قد تلخصت رمزياً في إقدام بولانتزَس على الانتحار، وإصابة ألتوسير بالجنون، والتَّعَيُّن على جرامشي ان يسمع صرخة الادعاء العام التي لن ينساها التاريخ: «علينا أن نوقف هذا الدماغ عن العمل لمدة عشرين عاماً»!، وان كان التاريخ يشهد بأن «دماغ» جرامشي لم «يتوقف عن العمل» في تلك السنوات التي أنجز فيها أهم أعماله ومنها «دفاتر السجن» التي غيرت الفكر السياسي للنصف الثاني من القرن العشرين وما نشهده لغاية الآن من زمن، وخاصة في أمريكا اللاتينية التي يأتي دورها في «المشاغبة الثورية ضد الثورية الأرثودوكسيَّة» في حقيقة ان بنيتها الاقتصادية متخلفة، بينما انتاجها الإبداعي قد حاز على أرفع المواقع ضمن فنون وآداب البشرية اليوم. وشخصياً كلما تذكرت الكتب «المفاهيمية» المهمة التي أصدرها مفكر عربي كبير كعبدالله العروي مثل كتابه «مفهوم الأيديولوجيا» خَطَرَ في بالي رأساً أن أمريكا اللاتيينية تتحدى مفهوم «الإيديولوجيا» نفسه حيث، على سبيل، لا يمكن أن يمر التحالف بين الكنيسة الكاثوليكية واليسار الراديكالي هناك مرور البخلاء.
وفي الوقت الذي يصر فيه عدد لا بأس به من أعضاء النخبة الفكرية في أمريكا اللاتينية، مثل غابرييل غارسيا ماركيز، ان جذور فنون وآداب تلك البقعة من العالم كانت موجودة أصلاً في التقاليد «الأصلانيَّة» (أميِّز هنا، طبعاً، بين «الأصلي» و«الأصلاني» على طريقة كمال أبو ديب في ترجمته لـ«استشراق» إدوَردْ سعيد) في الميثولوجيا، والفولوكلور، والأدب الشعبي، فإن ثمة من ذوي القول، مثل تامارا هولبلوافيل، من يقرنون ميلاد الأدب الأمريكي اللاتيني بـ «الاكتشاف» المذهل للقارة وأناسها «المجهولين» وحياتهم «الغريبة». وبهذا فقد بدأ تراث القصيدة الملحمية، على سبيل المثال لا الحصر، يظهر ليبوح ولـ«يترجم» الأرض «السحرية الغريبة الجديدة» للعقلية الأوروبية الملأى بالفضول وحب الاستكشاف. فلنتوقف هنا عند نقطتين أعتقد بأهميتهما.

النقطة الأولى هي كيف كيف يحق للتاريخ (أو من كتبوه) الزعم بأن كرِسْتُوفَر كولومبُس قد «اكتشف» القارة الأمريكية؟. كيف يمكن لك أن «تكتشف» مكاناً هو موجود أصلاً ومأهول بسكانه الذين لا بد انهم قد «اكتشفوا» ذلك المكان قبل وصولك إليه بقرون من الزمن، بل وأنشأوا ثقافات وحضارات (حضارة الأزتِك، مثلاً، التي شيَّدت الأهرامات قبل الفراعنة)؟. لكنها «سياسات اللغة» (politics of language) هي ما يحسم الأمر هنا، إذ لا يبدأ «التاريخ» و«الاكتشاف» إلا بوصول الرجل الأبيض (الذي هو «سرطان البشرية» حسب التعبير الشهير لِسوزَن سونتاج) في مهمته الاستعمارية!. إننا فعلاً، وبسذاجة ببغائيَّة مفرطة، نردد ان كرِسْتُفَر كولومبُس هو «مكتشف العالم الجديد»، وفي هذا مغالطة لغوية وتاريخية كانت الإبادة الجماعية المُنَظَّمة لشعب بأكمله من نتائجها المأساوية.

أما النقطة الثانية التي ينبغي ذكرها هنا هي تلك التي يثيرها النقاد والمفكرون الأمريكيون اللاتينيون اليساريون والراديكاليون عموماً، وهي ان مفهوم «الواقعية السحرية» (magical realism) هي مفهوم غَيْريٌّ (من «الغَيريَّة»- “otherness”) غير بريء ولا حَسَنُ النيَّة أصلاً؛ إذ ان من نحته هو الغرب الكولونيالي حتى في تجلياته التنظيرية والنقدية الحديثة، ذلك ان العقلية الأوروبية والأمريكية الشمالية قد فصَلت المفهوم على مقاس «الآخر»، وذلك من حيث ان الكتّاب الأمريكيون اللاتينيون، في تعبيرهم الأبي عن واقع حالهم، لا ينظرون الى حقيقة نتاجهم الإبداعي على انه «اكزوتيكي» بل «واقعي» فقط، لأن هذه هي حياتهم من منظورهم باعتبارهم «ذوات الخطاب » (subjects of discourse) وليس «موضوعات للخطاب» (objects of discourse). وفي «سياسات التمثيل» (politics of representation) هنا لا بد من الارتطام بـ «الشيبه العود» في «البرومير الثامن عشر لِلِوي بونابارت»: «إنهم لا يستطيعون تمثيل أنفسهم. ينبغي تمثيلهم»، وهذا من متكآت إدوَرد سعيد في فضحه للاستشراق، من حيث ان الشرق في الاستشراق ليس هو الشرق في الشرق، بل الشرق في المخيال الغربي. وبهذا تصير «الواقعية السحرية» الوجه الآخر من العملة؛ وذلك من حيث إنني شخص «مثلك» ولكني «مختلف» عنك في هذا أو ذاك، ولكنك لا تريد أن تراني إلا باعتباري «آخراً» كي ترضي نرجسيتك ولاوعيك الثقافيين والحضاريين. وبالرجوع إلى الكتاب التأسيسي «التاريخ الحقيقي لغزو اسبانيا الجديدة» الذي ألَّفه بيرال دياس قبل قرون عديدة (تحديداً في 1522) تكمن أنساغ ذلك.

فلنتقدم الآن حثيثاً الآن إلى القرن السابع عشر الذي ساد فيه أسلوب «الباروك» بجلاله، وصرامته، وهيبته فهيمن على مختلف الفنون بحيث انه جعل نفسه من الممتلكات الفاخرة للطبقة الأرستوقراطية بمعنى الإنتاج وإمكانية الاستقبال. لكن من المناسب ملاحظة ان ذلك الأسلوب لا يزال حاضراً في الروايات الحديثة في أمريكا اللاتينية وذلك ضمن تقديم تَصَوُّرية جزيلة و»بارادوكسيية»؛ فإذا كان المكسيكي سُرْ خوان دي لا كروز يُعتبر أعظم الرموز الكلاسيكية لـ «الباروك»، فإن الجواتيمالي ميجيل أنخل إستورياس (بعض أعماله المهمة متوافرة في ترجمة عربية) هو بالتأكيد مثال ممتاز في استخدام تقنيات «الباروك» في الكتابة الروائية الجديدة في أمريكا اللاتينية وفق منظور جديد، حيث انك تجد اللغة «منحوتة» في النص.

غير ان هذا لا يعفي من ملاحظة ان صراع النضال الوطني العنيد من أجل الاستقلال بظروفه العاصفة والمعقدة والدماء النبيلة والكثيرة التي سالت فيه قد أجبر (تقريباً) الأدب الأمريكي اللاتيني للتضحية بإمكاناته التخييلية الهائلة لصالح كتابات أشبه ما تكون بالتقارير الحربية التحريضية؛ فقد كان التحرر والاستقلال من الهيمنة الأجنبية على رأس قائمة «الإنتلجنتسيا» الأمريكية اللاتينية، ويمكن الحديث والنقاش عن كل شيء بمختلف تضارب وتعدد وجهاتنا بعد التخلص من سيطرة الأجنبي الكولونيالي. غير انه من الملفت للنظر أن أول رواية أمريكية لاتينية قد ظهرت في تلك الفترة، وهي «الببغاء الحاكَّة (من «الحكَّة») للمكسيكي خوسيه خواكين فِرناندِس دي لِزاردييا التي كُتِبَت في 1816 غير ان الرقابة الصارمة لم تُجِزْها إلا بعد سبع عشرة سنة كاملة من ذلك أي في 1831، وعلى قصيري النَّفَس أن يتأملوا في ذلك.

أثرت الرومانسية كثيراً على الأدب الأمريكي اللاتيني وخصوصاً لجهة توكيد الرومانسية (وهي في الأصل، بالمناسبة، تيار ثوري لا يعني أبداً أن يعانق حبيب حبيبته على شاطئ البحر في ساعة الغروب حيث تطير حولهما النوارس- خذوا جيل الرومانسيين الإنجليز مثالاً) على همِّ الوطنية والقومية اللتين كانتا ديدن كتَّاب أمريكا اللاتينية وشغلهم الشاغل، هذا في ظل استثناءات قليلة مثل الأرجنتيني إستيبان إيِكِيبيرييا الذي – مع تصميمه مثل زملاءه على الحرية والاستقلال أولاً- امتازت لغته الثورية العالية بقدر كبير من الأدبية الغزيرة. وسنلحظ لاحقاً الشيء ذاته في تاريخ السينما في القرن العشرين، وخاصة في تيار «السينما الثالثة» الذي انطلق من الارجنتين أيضاً عبر فيلم «ساعة الأفران» لأُكتافيو هيتينيس وفِرنانو سولانِس في 1968، وبالطبع لا أحد ينسى أن تشي جيفارا كان ارجنتينياً (أما فيما يخص رموز كرة القدم من الأرجنتيين فإن معرفتي لا يُعتَدُّ بها في ذلك).

وبحلول القرن التاسع عشر تبنى كُتّاب أمريكا اللاتينية المدارس الواقعية، والطبيعية، والرمزية بصورة صريحة في التعبير عن همومهم في السرد والشعر، وهنا تم تعميد الحداثة بصورة مباشرة. وهنا رفض الكتَّاب الأمريكيون اللاتينيون ما يمكن تسميته بـ «الرسائل الصريحة» إلى قرائهم في أدبهم فيما يخص المضمون، بل أكدوا على القيمة الجمالية والحاجة إلى تحرير النثر من الأنماط التقليدية المتعارف عليها. والنيكاراجوي روبين داريو (وهو طبعاً مؤلف «أزول») من الأمثلة الكبرى في هذا السياق.

ومع نهاية الحرب العالمية الأولى (مرة أخرى فإن كلمة «عالمية» هنا جديرة بالتوقف عندها، حيث ان الأوروبيين أسموها هكذا، في الوقت الذي لم تكن فيه بلادي، عُمان، والتي هي جزء من العالم، منخرطة في تلك الحرب، ولم تكن مجز الصغرى، مثلاً، معنيَّة بأي حال من الأحوال، وأي شكل من الأشكال، بصراع الرجل الأبيض مع نفسه ومع الآخر. (وعلينا استطراداً التأمل مثلا في حقيقة أننا نطلق لقب «الأديب العالمي» تقريباً على كل كاتب «اجنبي»، فقد أصبح «عالمياً» بقدرة قادر لمجرد انتمائه الى العرق القوقازي «المتفوق»، أما نجيب محفوظ فإنه يبقى كاتباً «مصرياً» أو «عربياً» فقط على الرغم من حصوله على جائزة نوبل للآداب على الرغم من تحفظاتنا على الأسباب السياسية المشبوهة التي أدت إلى تقديم هذه الجائزة له).. أقول، إذاً، انه مع نهاية «الحرب العالمية الأولى» ظهر جيل جديد من الكتّاب الأمريكيون اللاتينيون مثل الارجنتيني خورخي لِوِس بورخِس (الذي، بالمناسبة، كتب كتاباً عن السينما قبل إصابته بالعمى، لكنه للأسف الشديد لم يُترجم إلى لغة الضاد حتى الآن؛ فما يهم العرب هو اتكاءآته على «ألف ليلة وليلة» وبعض الشخصيات العربية في ثيمته الأثيرة: المتاهة)، والتشيلي بابلو نيرودا. وبين بورخس ونيرودا بدأ يتشكل وعي جديد في التاريخ الأدبي لأمريكا اللاتينية؛ فالحديث عن أهمية بورِخس الأدبية سيكون من نافلة القول فحسب، وان كان ينبغي أن نتذكر دوماً انه لم يمانع في مساندة – أو في الأقل السكوت عن- المجازر التي يندى لها جبين البشرية خزياً وعاراً التي ارتكبت في بلاده وفي سائر أرجاء أمريكا اللاتينية وراح ضحيتها عشرات الألوف من البشر (بالمناسبة، شاهدت فيلماً وثائقياً عن بورخس في أيامه الأخيرة، وحين سئل عن موقفه من المجازر، قال ببرود خادش للغباء: «لم أكن أعلم عنها»، وأنا لا أعتقد انه، في هذا، انه لم يكن غير تلميذ فاشل في تعلم الكذب، مع عدم التطاول على قامته الأدبية المهيبة بالطبع)؛ بينما بابلو نيرودا علم على رأسه نار فيما يخص التجديد في شِعر أمريكا اللاتينية وفي الوقت نفسه فقد احتضن قضية النضال السياسي بكل إخلاص (هاكم تجربته المريرة في المنفى الإيطالي حيث ثمة فيلم سينمائي روائي تُحبذ مشاهدته في هذا السياق، ألا وهو فيلم «ساعي البريد» لمايكل رادفورد).

أما كتَّاب آخرون مثل الكوبي ألخو كاربينتيرا، والمكسيكي خوان رولفو، والأراغوايي كارلُس أونيتي، فأسماؤهم تقترن بظهور موجة «الرواية الجديدة» التي بحلول منتصف الستينات من القرن الماضي قادت إلى الاعتراف «العالمي» بالنوعية الفائقة لآداب أمريكا اللاتينية والتي يشير إليها كثير من النقاد والمؤرخين الأدبيين بـ «فترة الطفرة». ولا شك ان أعمالاً من قبيل «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز، والتي تُرجمت إلى كل لغات العالم تقريباً، هي المثال الأفضل في هذا المضمار.
أما المكسيكي كارلُس فونتِس فهو كاتب مهم للغاية في الأدب الحديث في أمريكا اللاتينية؛ فروايته « موت أرتيميو كروز» تُجَسِّدُ اهتمام الكاتب بموضوعات عالية من قبيل خيانة الثورة والتسلق على كتفيها، وهي تؤشر بصورة لا لبس فيها إلى الترابط العضوي بين النضال السياسي التقدمي والكتابة الأدبية الطليعية في أمريكا اللاتينية (ولست هنا بصدد الانخراط في الجدالات حول ان فونتِس شغل منصب سفير في فترة حرجة من التاريخ السياسي المكسيكي المعاصر). وبالمثل فإن الفنون المعاصرة في أمريكا اللاتينية تنزع نحو أن تكون مرآة ملتبسة للمجتمع؛ فهي ملتزمة ثورياً لكنها حرة إبداعياً. وأظن ان الفنون التشكيلية في المكسيك هي خير مثال على ذلك؛ فالفنّان الجِداري؛ دييجو رِفيرا «لم يعتبر الفن انه مجرد تجربة جمالية فحسب، ولكن أيضاً باعتباره أداة للتخاطب بصيغة الوعي الجديد مع المجتمع بغرض إعادة تشكيله (ولا ننسى طبعاً أن دييغو رِفيرا كان صديقاً مقرباً للِيُن تروتسكي بحيث انه كان بمثابة «المضيف الرسمي» لتروتسكي في فترة منفاه الاضطراري في المكسيك حتى وصل اليه فريق الاغتيال الستاليني هناك). غير ان النقاد الأوروبيين (وتابعيهم ممن شاكلهم في القطيع النقدي في أمريكا الشمالية) قد سارعوا إلى الاعتقاد بأن هذه هي نسخة جديدة من «الواقعية الاشتراكية»؛ فهم كعادتهم يبادرون إلى تسمية الأشياء من غير أن يعوا كُنْهَها؛ إذ يبدو انهم يؤمنون بصورة غريزية (تقريباً) هي ان المهمة الوحيدة التي أوكلها لهم الرب لهم على هذا الكوكب هي استعمار واستغلال الأرض وأهلها وإطلاق الأسماء على كائناتها (نِلسُن مانديلا، أحد الرموز النضالية الكبرى في التاريخ المعاصر للعالم، يتذكر بأسى شديد ممزوج بالسخرية في فيلم وثائقي شاهدته عنه هو ان اسمه الأول، في الحقيقة، لم يكن «نِلْسُن»، ولكن لأنه ابن ملك ضمن التشكيلة السياسية والقبَبليَّة للمجتمع الجنوب الأفريقي «الأصلاني»فقد سُمح له بدخول المدرسة التي تُعَلِّم البيض فقط، وحين سألته المُدَرِّسة البيضاء عن اسمه أجابها به بلغته «الأصلانية» وقد كان اسماً طويلاً ومعقّداً جداً، وصعب النطق، وينتهي بـ«مانديلا» بحيث ان المعلِّمة قالت متأففة: «أووووه!. هذا اسم طويل ومعقد جداً، ولذلك فإن اسمك اعتباراً من اليوم هو «نِلْسُن مانديلا»، فهذا أفضل لي ولك»!. ويعقّب ماندِلا، في الفيلم الوثائقي ذاك: «لقد أرادوا مسخ هويتي منذ أول يوم في مدرستهم»). غير انه، في الحقيقة، لم تكن «الواقعية الاشتراكية» في فنون وآداب أمريكا اللاتينية» (هذا بافتراض اننا نُسَلِّمُ بالتسمية) نمطيَّة على الطريقة الستالينيَّة، هذا على الرغم من انخراط اعضائها في الأحزاب الشيوعية والحركات الراديكالية السياسية عموماً في أمريكا اللاتينيَّة؛ فقد أصر الفنانون الأمريكون اللاتينيون على الولاء السياسي لليسار وحريتهم في طرائق التعبير.

والحقيقة ان «الواقعية الاشتراكية» في الحالة المكسيكية، مثلاً، أقامت إلهامها الثوري والروحي على قرون من الفنون التصويرية التي كانت موجودة قبل تأسيس الاتحاد السوفيتي نفسه؛ وربما كان خوسيه جوادالوبي باسادا هو خير ممثل لذلك في القرن التاسع عشر. وفي هذا السياق والمناخ، فإن الكثير من النقاد والمؤرخين الفنيين يشيرون إلى السنوات من 1911 إلى 1913 باعتبارها ثورة ضد التقليدية التي تم رَكْلُها بالفرشاة والحذاء لصالح تصويرات وتأملات جديدة وطازجة فيما يخص الحياة المكسيكية وذلك عَبر إرسال الفنانين مباشرة إلى المُنْجَمَعات المحلية فيما عُرِف بأنه «مدارس الهواء الطلق».

أما النظام السياسي الذي تزعمه أولفاردو أوبريجون فقد ارتبط بالحرية الأسلوبية للتعبير، ولكن ليس من دون أن تكون الأداة الرقابية للنظام راضية عن عنوان العمل الفني وماهيَّته المضمونيَّة. وفي هذا فإن الفنانين الجداريين قد استغلوا هذه المرونة النسبية ضمن تاريخهم السياسي الصعب (بحيث انهم لم يقولوا: «إما كل شيء وإما لا شيء» كما كان يفعل الكثيرون، ونحن منهم)، وبهذا فإنه في تلك الفترة ظهر من يشار إليه بأنه «أعظم» (مع أن المرء غالباً ما يقف ضد أَفْعُل التفضيل) فنان جداري مكسيكي وهو دييجو ريفيرا سابق الذكر الذي عاد من منفاه الأوروبي في 1921 بسبب عضويته في الحزب الشيوعي المكسيكي ورسم لوحات جداريَّة تمجد الثورة المكسيكية. وفي خضم هذه الحرية (حتى ولو كانت نسبية) فإن الفن التشكيلي الوطني في المكسيك انتعش انعاشاً لم يسبق له مثيل، وقد نجم عن هذا تأسيس «نقابة الرسامين، والنَّحَّاتين، والنقّاشين على الخشب الثوريين»، وذلك ضمن تجمعات ثقافية أخرى توصل النظام السياسي إلى إدراك انه سينفجر من الداخل لو لم يسمح بالموافقة على تأسيسها. غير ان «لعبة القط والفأر» لم تكن واردة في الموضوع؛ فقد كان الأمر تتويجاً لنضال سياسي وثقافي كان لا بد من أن يخضع له النظام الذي لا يستطيع الحفاظ على وجوده من دون إتاحة رئة للتعبير ضده. وهكذا فقد حافظ الجميع على ماء الوجه من دون التخلي عن المواقف، ولكن من غير اعتداءات مباشرة. وأظن، عموماً، إننا في الوطن العربي لا نتعلم من هذه الدروس كثيراً؛ فكل شيء معروف للجميع، واختبارك الحقيقي هو مدى قدرتك على البقاء في خندقك من دون أن تكون «داعشيَّاً» ومن دون أن تتنازل عن مواقفك ومبادئك الجوهرية التي تُشَكِّل لُبَّ مهمتك الوجودية أثناء مرورك السريع على هذه الأرض.
ومن يُطلَق عليهم «الثلاثة الكِبار» الذيت شكلوا الأرضية الثورية للفن الجِداريِّ المكسيكي (دييجو ريفيرا، دافيل ألفارو سِكورِس، وخوسيه لِوِيسْ أوروزاكو) فقد كان ما يجمعهم النزعة هو ما يمكن تسميته بالثيمات»التعليمية» التي تتضمن «إظهار» الماضي النضالي التاريخي لأمريكا اللاتينية ضد المستعمرين والغزاة من أجل إنجاز الحرية والاستقلال (وبخاصة التوكيد على دروس ثورة 1910)؛ ومن أمثلة ذلك يبرز تمجيد الماضي «الأصلاني». وهذه الاهتمامات واكبتها نزعة اشتراكية ومضادة للإمبريالية.

وبحلول منتصف الخمسينيات من القرن المنصرم، وبسبب تبلور سوق البورجوازية الصغيرة في أمريكا اللاتينية التي استسلمت للأحلام الرأسمالية المغرية فإن الفن الجداري الثوري قد أفسح المجال (في الغالب، رغماً عنه) لبضائع فنيّة استهلالكية ومحض شكلانية (من دون الإساءة المقصودة إلى الشكلانيين الروس، مثلاً) تطلبتها التبعية الهيمنيَّة للإمبريالية الأمريكية التي تقنعك بالحصول على كل شيء، وذلك من دون أن تعطيك أي شيء. ومع انه ليس من اليسير تماماً وضع روفينو تامايو في هذا المنعطف، إلا ان من غير اليسير تبرئته كذلك.

فريدا كاولو (التي عنها فيلمين روائيين طويلين ينبغي مشاهدتهما بالتضاد والمقارنة الحازمة: الأول مكسيكي بعنوان «فريدا: حياة طبيعية» أنجزه بول ليدوك في 1983، والثاني أمريكي أنجزته جولي تيمور في 2002، وذلك لندرك ان الفيلم المكسيكي بإمكاناته الإنتاجية المتواضعة متجاوز للفيلم الأمريكي ذي الإمكانات الإنتاجية الباذخة بمدة تسع عشرة سنة عل الأقل!) ومانويل فينبغي اعتبارهما مثالين كبيرين على تأثير السوريالية في الفن المكسيكي (هذا على الرغم من انهما في أفلام وثائقية ومقابلات صحفية ينفيان ذلك. شخصياً، أعتقد ان سبب ذلك النفي المثير للذعر حقاً هو لا وعي الأنَفَة الكبريئاية الوطنية ضد الكولونيالية الغربية وليس الاعتراف بالتأثر والتلأثير المتبادلين شئنا أم أبينا، وهذا ما يُصيبنا –نحن المستَعمرن أحياناً)، متجلياً في حقيقة ان أعمالهما الناجمة عن إطلاق الحرية الكاملة للاوعي في كل الاتجاهات لا يمكن اعتباره إلا متأثراً بالسوريالية الأوروبية. غير ان العناد يبقى حقاً متاحاً للجميع.

وفي الوجه الآخر من العُملة «البريتونية» (نسبة إلى أندريه بريتون، وهو واحد من أهم مؤسسي السوريالية في فرنسا) فإن «الفنتازيا» والخيال الخاصين به يتبديان بوضوح أكبر في أعمال الفنانين الأمريكيين اللاتينيين الذين ذهبوا إلى المنفى في عز مجد السوريالية بسبب الاضطهاد والملاحقة السياسيتين والأمنيتين في بلدانهم، ثم عادوا إلى مساقط رؤوسهم بعد أن استقرت الأمور ولو قليلاً ولم تعد هناك أحكام كثيرة بالإعدام أو السجن المؤبد. ومثّل هؤلاء مبدعون مثل لِيونورا كارِنجتُن وريماديوس بيرا.
وفيما يخص «المَدْنَنَة» (أي تحويل أجزاء من الريف إلى مدن لأسباب سياسية، أو عسكرية، أو اقتصادية، أو ثقافية، إلخ) فإن أفضل شهود العيان على ذلك (من الناحية الفنيَّة، قصدتُ طبعاً) هم فنانون مثل خوسيه لِوِيس كوفَس وإيميلو أورتز المعنيين، في أعمالهما، وإلى أبعد الحددود، بثيمة المأساة والوحدة في الشخصية المكسيكيية: العٌشَّاق المهجورون والفقراء الوحيدون إلا من وجوه حزينة.

وأخيراً، فإنني في لفتة شخصية وعاطفية أكثر منها «منهجية» أو «منطقية» على الإطلاق فإنني أعتقد انه كان على «الشيبه العود» أن يكون أمريكياً لاتينياً وليس أوروبياً. لقد قال «الشيبه العود»: «شبح يسكن أوروبا» ولم يقل: «شَبَحٌ يسكن أمريكا اللاتينية». حسن جداً؛ فلننتظر المذهل القادم من أمريكا اللاتينية خلال الخمسين أو السبعين سنة القادمة في أقصى تقدير، وحينها سوف يكون من الممكن قراءة مادتي الضئيلة هذي أو رميها في سلة النفايات.
___
*جريدة عُمان

شاهد أيضاً

2014-635394230769131285-913

الأدب ملتبساً بفضاءات أخرى

*د. حسن مدن كان جون بول سارتر فيلسوفاً وكاتباً وروائياً ومسرحياً وباحثاً وناقداً وكاتب مقالة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *