الرئيسية / خبر رئيسي / المؤسسة الدينية .. والآخر
5461eaa12acaa830303332

المؤسسة الدينية .. والآخر

خاص- ثقافات

*عادل الفتلاوي

ليسَ غريباً أن تواجهَ الأفكارُ الجديدة رفضاً من قبلِ الفكرِ التقليدي السائدِ سواء كان دينياً أم عرفياً اجتماعياً، لذا فإن الرؤيةَ المستحدثةَ تواجهُ مشاقَّ كثيرةً حتى تصلَ إلى مرحلةِ المقبوليةِ، وربما تظلُّ تعاني من رفضها فتكونُ أشبه بالمضادِ الذي يحاولُ “الفايروس” أن يحتويه ويتكيّف معه، وهو موضوعٌ ضاربٌ في القدمِ لأنَّ كلّ الفلاسفةِ والأنبياءِ جوبهوا بالرفضِ والحربِ والقتلِ بسببِ ما جاؤوا بهِ من أفكارٍ جديدةٍ لا تنسجم مع المنفعةِ الخاصةِ لشخصٍ ما أو للمنظومةِ التي يتبعها، فضلاً عن محاربةِ كلّ مصلحٍ يحاولُ أن يُحِدثَ تصحيحاً في فكرةٍ أو منهجٍ أو مذهبٍ دينيِّ، وهذا أخطرُ الحالاتِ، حتى وان كان من داخلِ تلكَ المؤسسة نفسها، فوضعوا في أوّلِ الطريقِ لافتةً كبيرةً خطَّ عليها عباراتٌ من قبيلِ “الكلام في المحظور”، أو “التجديف” أو “ازدراء الأديان” وغيرها.

وإذ كان النقدُ من أجل التقويم ضرورياً خاصةً فيما يتعلقُ بجوانب معينةٍ من التاريخ الديني والإسلامي تحديداً، لأسبابٍ كثيرةٍ يضيقُ المجالُ عن ذكرها هنا، فإنَّه بشكلٍ عابرٍ نشيرُ إشارةً سريعةً إلى الدسّ والتحريف والتزوير الحاصلِ في التاريخ من أجل إعلاء سلطة الحاكمين وربطهم بالنبيّ محمد(ص) لإضفاء شرعية (مَلَكيّة) يقودون من خلالها الإمبراطورية الإسلامية؛ فضلا عن قلّةِ المراجع –العربية- التي تناولت القرون الهجرية الأولى واقتصرت على بعض كتب التاريخ والسير والمغازي وما فيها من تناقض وتكرار للأحداث والروايات بسيناريوهات مختلفة، لهذا كان المؤرخ والباحث أمام مادةٍ بحاجةٍ إلى إعادةِ نظرٍ وقراءةٍ متأنيةٍ وجرأةٍ في وضعِ أصبعِ النقدِ على ما يريبُ من الأخبار، وقد سمحَ المشرّع الإسلامي بجانبٍ هامٍ من منظومةِ الاستدلال -وإن كانَ غير معمولٍ بهِ بصورٍ جادةٍ- ألا وهو علم الحديث وما يتفرّعُ من علوم الجرح والتعديل أو علم الرجال وهو يبحثُ في وثاقةِ الرواةِ بنقلِ الأحاديثِ النبويّةِ خاصةً، والأخبارِ التاريخيةِ الأخرى بشكلٍ عام، ولكن كلّما تقادمَ العهدُ بالنصِ الديني سُنّةً كانَ أم سيرةً أم أثراً أصبحَ جزءاً من العقيدةِ التي لا يجوّزونَ المساس بها أو الخوضَ في تفاصيلها.

IMG_0189

لا يهدف هذا المقال إلى مناقشةِ هذهِ الفكرةِ التي ما كلّت أقلامُ المفكرينَ عن تناولها بمشاريعَ ضخمةٍ وجهودٍ استثنائيةٍ وإضافاتٍ هامّة ولكن وددتُ أن أشيرَ إشارةً عابرةً إلى هذا الأمر وهو الخوفُ من التفكيرِ أو الكتابةِ في المنطقةِ المحرّمة والمحضورةِ من التاريخ ومحاولةُ “نبشِ” هذهِ المعلومة وتلكَ بسببِ ضربِ الطوقِ المحكمِ حول هذهِ البذرةِ من اتهامات جاهزةٍ تصلُ إلى حدّ التكفيرِ والقتلِ. هنا من حقّنا أن نضعَ مجموعة من الأسئلةِ:

لماذا الخوفُ من إعادةِ قراءةِ التاريخِ ومحاولةِ تقديمِ فهمٍ محايدٍ ومنصفٍ بعد أن مرّ عليهِ أكثر من 1400 سنة؟ لماذا حصرُ السؤال الدينيّ والتاريخيّ الذي يمسّ هذه الحقبةَ بالمؤرخِ الديني والفيلسوفِ الدينيّ والمحدّثِ الدينيّ وعدم الثقة بالمؤرخ أو الفيلسوفِ الذي لا ينتمي لديانتهم أو لا يتبنى إيديولوجيتهم؟ ألا يوحي الخوفُ من نبشِ تاريخِ تلكَ المرحلةِ وتحليلها بهشاشةِ القاعدةِ التي تقومُ عليها كثيرٌ من أسسها؟ ألا يعني ذلكَ فقرَ الحجةِ والبرهانِ لدى هؤلاءِ في الردّ على الإشكالياتِ التي تطرحُ من قبلِ المفكرينَ؟ … الخ.

أمّا ما يقعُ على المفكرينَ وهم يخضونَ غمارَ هذهِ المغامرة فليس ببعيدٍ عنّا، فـفرج فوده الذي أصدرت جبهةُ علماءِ الأزهر عامَ 1992 في “جريدة النور” بيانًا بكفرهِ ووجوبِ قتلهِ لأنهُ طالبَ بفصلِ الدينِ عن السياسة، وطه حسين الذي أُجْبِرَ تحت ضغطِ هجومٍ كبيرٍ بالعدولِ عن رأيهِ الذي جاءَ به في كتابه(في الشعر الجاهلي)، ونجيب محفوظ الذي اتهمَ بالإلحادِ والزندقةِ على خلفيةِ روايتهِ (أولاد حارتنا)، ونصر حامد أبو زيد الذي طالبَ بالتحرّرِ من سلطةِ النصوصِ في مجملِ مؤلفاتهِ فلم يفلحْ خصومهُ بمقاضاتهِ بعدَ اتهامه “بالردة” فطالبوا بتفريقهِ عن زوجته د. ابتهال يونس فعاشا في منفاهما، ومثلهم المفكر التونسي يوسف الصدّيق والقمني وغيرهم، ما يضعُ هؤلاءِ المفكرينَ ومن بعدهم أمامَ التسليمِ بكلّ ما يأتي بهِ “سادنُ السلطةِ الدينية” بلا أيّ نقاشٍ أو بحثٍ في المصادرِ والمرجعيات، حتى لا يوضعَ تحتَ مجهرِ الاستهدافِ المعنويّ والجسدي، إن هذا التوجهَ الدينيّ القمعي ولّدَ من حيث يدري أو لا يدري اتجاهين اجتماعيينِ هما:

أولاً: إشاعةُ التجهيلِ والإيمانِ بالأساطيرِ والإسرائيلياتِ بنسبٍ متفاوتةٍ، وتضخيمُ “رجل الدينِ” وعدّهُ ناطقاً رسمياً عن المؤسسةِ الدينية، وتحويله إلى حارسٍ شرعيٍّ للموروثِ الديني موكلٍ بحفظهِ من المتصدّينَ لتفكيكهِ وإعادةِ قراءتهِ قراءةً معاصرةً، شاعرينَ بأنّ ذلك يعدُّ تدخّلاً في مجالهم ومؤشرَ خطرٍ بسحبِ البساطِ من تحتِ اقدامهم كقوّامين على الدينِ ومردوداته المادية والمعنوية.

ثانياً: ظهورُ بعضِ الثقافات الطارئةِ كالإلحادِ والليبراليةِ والماركسيّة وغيرها عندَ شبابٍ لا يعرفونَ أبجديةَ هذهِ الأفكارِ والفلسفاتِ إنمّا رأوا فيها حلّاً بعدَ إخفاقِ المنظومةِ الدينيةِ في قيادةِ المشهد السياسي العربي المعاصر وانتكاستهِ، وشيوعِ الفوضى، وفرضِ هذا الواقعِ كسلطة مقدّسة حتى في الانتخاباتِ الديمقراطيةِ حيثُ لا يجوز انتخاب غيرها، كما أشاعت ذلك الأحزابُ الدينية في العراقِ.

ليسَ هناكَ إذن أملٌ قريبٌ بأن تشهدَ هذهِ الأمةُ (مارتن لوثر كنغ) جديداً يضعُ الأمورَ في نصابها وإن كانت هناك محاولات وأصوات تعمل المؤسسة الدينيةُ على تغييبها وشنّ الحرب عليها فكرياً باكراً قبل أن يصبح لها أتباع ومؤيدون ومريدونَ، وحتى وإن سمحَ لهم بالعملِ فأن مساحة المخيال في العقل الديني أخذت أبعاداً ليس من اليسير ردمها.

 

شاهد أيضاً

15327293_1177974565621596_4935990444522116679_n

رحيل الأديب والمترجم العراقي حسين الموزاني

“نحن نحفر في الصحراء القاسية من أجل أن نجد مساحات ابداع وحرية في كل مكان …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *