الرئيسية / خبر رئيسي / الخِطَابُ الدِّيْنِيُّ .. مَتَاهَاتُ التَّجْدِيْدِ ورَهَانَاتُ الأصْدَاءِ المُتَعَدِّدَةِ
20140519_104756_3262

الخِطَابُ الدِّيْنِيُّ .. مَتَاهَاتُ التَّجْدِيْدِ ورَهَانَاتُ الأصْدَاءِ المُتَعَدِّدَةِ

خاص- ثقافات

*الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

عجيب ما رصدته بحضور كثيف وطاغٍ في الخطاب الديني المعاصر ، فهناك نبرة استعلائية غريبة ، رغم أن الخطاب الديني هو رسالة وقيمة في الأساس ، ولكن ما سمعته وقرأته من كتابات أكد لدى حقيقة هي أن الخطاب الديني الذي بات تائهاً بين التجديد والتطوير والتعديل يسعى إلى تأسيس درجات متعددة من القمعية والسلطوية، فصاحب الخطاب والنص لايزال يضفي على نفسه صفة القاضي والمشرع والمفتي وصاحب الأمر والنهي والقمع الديني على المتلقي البسيط حتى يحول خطابه الديني إلى سلطة قمعية.

ووسط عشرات القنوات الفضائية الفراغية وعشرات الكتب التي من المفترض أنها دينية تجد معظمها تحمل عقاباً أكثر مما تحمل حلولاً وعلاجات لمشكلات عصرنا المضطرب ، ومن المدهش أن سمة العقاب هذه لها كيمياء وحالة من الرضا بنفس وقلب وعقل المستمع والقارئ، فهو لا يريد أن يرهق نفسه بالتفكير والتأويل والتحليل لما يطالعه أو يسمعه من معلومات دينية ، لذا فالمستمع ذو الآذان الكبيرة ليس بحاجة ماسة إلى بدائل يختار من بينها أكثر مما هو بحاجة إلى وجود قوة بشرية رادعة له .

bh
ولا شك أن هذه فرصة سانحة وخصبة لأباطرة الخطاب الديني المعاصر ، لاسيما أولئك الذين يهوون إعمال النقل وإبطال العقل ، وما أكثرهم ، ولعلي أدرك صعوبة مهمة المؤسسة الدينية الإسلامية في مصر مثلاً ورئيسها المستنير الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر في مواجهة أولئك الدعاة الذين يصرون على إغلاق أبواب الاجتهاد ، بل يقرون أنه لا قيمة لأي جديد يأتي.

وتبقى نقطة مثيرة جداً في الخطاب الديني المعاصر الذي يجد كيمياء خاصة لدى مريديه، ألا وهي الحضور الأنثوي في هذا الخطاب . وهو غياب أكثر من الحضور ، فلا يزال الخطاب الديني المعاصر يرى في المرأة مصدراً للغواية والفتنة، بل يذهب بعيداً بنصوصه إلى اعتبارها ظناً سيئاً على طول الطريق، ودعاة وأئمة الخطاب الديني الذي بحاجة ضرورية للتطوير يمارسون هيمنتهم الذكورية وتحجيم دور المرأة في إثارة الغرائز والشهوات والشرور جميعها.

وجميع ما سبق من سمات وخصائص تميز الخطاب الديني المعاصر تجد لها وقعاً هادئاً وموسيقياً لدى مريديه وأنصاره، فهم يذهبون إليه بإرادتهم ، ولا يكلفون أنفسهم عبء البحث والتنقيب عن مصادر أخرى لمعرفتهم الدينية ، بل أصبحوا يسلمون بالتقليد والنهي عن النظر والمناقشة والجدل ، ويخلطون بين الأصلي والفرعي من النصوص الدينية.

إن الخطاب الديني بحاجة إلى عملية تثوير جذرية ، وكلما قرأت الآية القرآنية التي تقول ( وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ) أدركت على الفور أننا أمامنا طريق طويل جداً لتغيير النبرة الاستعلائية للخطاب الديني ، وأن قبول المناقشة وتقدير التنوع الثقافي دون استعلاء أو استكبار لهو أمر جلل بلا ريب .

وأن خطاباً مثل هذا لا يحمل سمة التسامح وتقدير التنوع الثقافي والفكري دون قمع أو قهر لا يؤدي يوماً ما إلى بناء أو نهضة ، بل سيسفر عن أجساد تمشي على الأرض لا هدف لها في الحياة أو منها. فكيف تنهض هذه الأمة ولا يزال بعض الدعاة والأئمة يدغدغون مشاعرنا وأعصابنا بقصص تاريخية عن الصراع الإسلامي الصليبي ، وأنه لا فائدة ترتجى من الحوار مع الآخر الوطني بصفة خاصة، أو مع الآخر الغربي بصفة عامة.

وأمر محزن حقاً أن تجد شباباً كثيراً ينتمي للمرحلة الجامعة من البنين والبنات مازال يعيش في فلك الحرب الخفية والمؤامرة المخططة التي تفرض عليه من الآخر الذي يعيش على الشاطئ الغربي،ومعارك سجالية محتمدة حول البيكيني والبوركيني وقضايا اجتماعية أخرى ساخرة ،  فمن المؤسف أن يرى جيل كامل سيحمل نهضة هذه الأمة في الغرب كل مفسدة، نعم للغرب عاداته وتقاليده وأعرافه ونصوصه المجتمعية التي تخضع للتأويل والنقد ، ولنا أيضاً عقول ألزمنا الله بإعمالها ، يقول تعالى ( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب) .

إن بداخل هؤلاء الشباب عفريتا يقبع ، يخوفه من كل شئ ، من الحروب الصليبية التي تنتظر على أسوار المدينة ، ومن النقاب الذي لو نزع سقط الإسلام وانهار المسلمون ودينهم، وفي المسيحي الذي يتقاسم معه نصف الرغيف ونصف السيجارة عدو سيجهز عليه في أقرب فرصة. وأن إسرائيل التي هي دولة وكيان سيقضى على شرها وفتنتها بالدعاء والتلبية وربما بالنية . فبالله عليكم كيف سيطور هؤلاء أنفسهم ، وكيف سينافسون نموراً أسيوية مثل اليابان وماليزيا ، وإلى متى سيسلمون عقولهم لأناس آخرين يحملون عنهم حق التفكير.

ولكي يتحقق ما نصبو إليه من خير ونفع للخطاب الديني ، ولكي يجد له نوعاً من الكيمياء الخاصة لدى مريديه وأنصاره لابد وأن يتخلى سريعاً عن تلك النبرات والنعرات الاستعلائية الفوقية ، وأن يتسم بالتسامح ، بل ما آمل إليه وغيري هو تثوير التسامح حتى ينتقل من حيز الحروف المطبوعة والكلمات المنطوقة إلى حد التمكين والمعايشة . وهذا لاشك سيحتاج جهداً مستمراً من المؤسسات الدينية المعنية بالأمر ، بالتعاون من المؤسسات التي كان لها دور في زماننا المنقضي ، أقصد المدرسة والجامعة والنادي.

أما بالنسبة للحضور الأنثوي في الخطاب الديني المعاصر ، الذي أصبح قريب الصلة بالغياب أكثر من حضوره ، والاهتمام بالآخر المختلف والمتنوع عقدياً وفكرياً وثقافياً ، فلابد من مراجعة دقيقة وجادة لكل ما صيغ في الماضي ، وكل ما أدى إلى هذه القطيعة والنفور بين الحضور الأنثوي الذي لايزال الخطاب الديني يؤكد كل يوم وليلة على أن المرأة مصدر الغواية والشرور السحيقة، بالإضافة إلى نظرة هذا الخطاب للآخر بوصفه ضيفاً على الوطن أو في زيارة سريعة لهذه الأرض الطيبة وسيغادرها يوماً ما.

إن لم نلتق ونتواصل معاً انتهينا وانقطعت أواصلنا ، وإن لم تنته نظرتنا الاستعلائية للآخر سنقضي على أنفسنا أولاً ، إن هذه القمعية كامنة فينا نحن فقط، والنار تأكل نفسها إن لم تجد ما تأكله.

_____
*مدرس المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية والتربية الإسلامية
كلية التربية ـ جامعة المنيا

شاهد أيضاً

_1760_u4

المعنى السوسيولوجي للثقافة

*إبراهيم الحيدري عندما نتحدث عن مفهوم الثقافة عموما يجابهنا خلط والتباس لا بد لنا من …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *