الرئيسية / نصوص / في غفلة عن الزمن
hazem-sh-1-1

في غفلة عن الزمن

خاص- ثقافات

*حازم شحادة

عرفتُ سُعاد لأوّل مرةٍ حينَ حضرتُ تلكَ الأمسية الشعرية.
سعاد كانت الشاعرة.
يومها دعاني صديقي نوح للذهابِ معه.
عندما استفسرتُ عن اسم الأديب الذي سيحيي الأمسية ذكر لي اسمها.
ـ الشاعرة والناقدة المشهورة سعاد عبد النبي.
ـ لم اسمع بها من قبل.
أخبرته وأنا أودعهُ قافلاً إلى غرفتي.
لم تكن غرفة بالمعنى الحقيقي للكلمة، كانت قبواً.
استلقيتُ على التختِ فور وصولي وحلقتُ بعيداً في فضاء النوم الغامض.
أيقظني هاتف نوحٍ عند السادسة وحين قال إنه سيمرُّ ليصحبني أغلقتُ بوجهه الخط لكنه طرقَ باب القبو بعد ربع ساعة.
لم يشفع لي تظاهري بالتعب إثرَ يوم عملٍ شاق.
وصلنا المركز الثقافي في منطقة (أبو رمانة) في تمام السابعة والنصف.
كان عدد الحاضرين مقبولاً.
عند الثامنة والنصف خرجتُ من الأمسية مبهوراً.
أشعلت سيجارة ما أن وصلنا مقهى السفينة ورحتُ أدخنها مع فنجان قهوة لذيذ.
لاحظ نوح حالة الدهشة التي اعترتني مذ خرجنا فارتسمت على وجهه ابتسامة رضا.
شعرَ أنه لم يضيّع وقتي سدى.
ـ رائعة، اليس كذلك؟
قال نوحٌ الذي أسماه أبوه باسم ذلك النبي اعتراضاً على المجتمع الذي يعيش فيه.
الناس بأغلبيتهم من المتدينين ويطلقون على أبنائهم أسماء الأنبياء ما عداه.. تقريباً.
كأنهم متفقون سرّاً على مقاطعته.
ذات يوم أخبرني هذه المعلومة حين سألته عن سبب تسمية أبيه له بنوح.
استفسرت عن أسماء أخوته الآخرين فأوضحَ أنه الذكر الوحيد بين ثلاث شقيقات.
ـ خسارة، كان من الممكن أن يكون لوط أخاً مناسباً لك.
من حينها ونحن صديقان عزيزان.
ـ إنها رائعة بالفعل.
أجبته بينما رحتُ أستعيدُ صورة سعاد وهي تلقي القصائد من على تلك المنصة والجميع مصغٍ بانتباه.
رنّ هاتف نوح وبعد عشرين ثانية من حديثه مع المتصل عرفت هويته.
كانت سعاد ما غيرها.
بارك لها وهنأها على نجاح الأمسية وقبل أن يغلق الخط قال العبارة التالية:
مقهى السفينة.. بانتظارك.
نظرت إليه ببلاهة فأخبرني أنها قادمة لتجلس معنا.
ما لم يخبرني به صديقي العزيز قبل ذلك أن سعاد لم تكن صديقته وحسب، بل بمثابة أخته.
لم أعاتبه..
حتى الأصدقاء المقربون يحتفظون لأنفسهم ببعض الاسرار.
حين وصلت نهضت وصافحتها ثم أشعلت سيجارة وطلبت من النادل تجديد القهوة مع فنجان لسعاد.
تحدث الصديقان قليلاً عن نجاح الأمسية بينما كنتُ مصغياً لا مشاركاً.
بعد ربع ساعة استأذن نوح للذهاب إلى الحمام.
بقيتُ صامتاً فارتبكت المرأة وسألت عن رأيي بأمسيتها.
ـ لقد خرجت مسحوراً.
احمر وجهها خجلاً وشكرتني على المجاملة ثم بدأت تتحدث عن تاريخها الشعري فقاطعتها.
ـ خرجت مسحوراً بجمالكِ لا بشِعرك.
قلتُ ثم رشفت من القهوة رشفة مطولة.
تغيرت ملامح وجهها وزاد احمراره لكنني لم أترك لها فرصة فقلت:
ـ صدقيني لم أسمع حرفاً واحداً من كلامك هناك.
طوال الوقت وأنا أتخيلك على سريري في ذلك القبو.
هذا القميص الذي ترتدينه ويظهر ما يظهر من نهديك أجمل من كل القصائد التي كتبها هوميروس والحطيئة وشكسبير ونزار قباني.
سامحيني على صراحتي أو وقاحتي لكنك من سأل وأنا أجبت فقط.
عاد نوح من مهمته فلم أطل المكوث واستأذنت.
كانت الساعة التاسعة مساء بعد الأمسية بأسبوع حين طُرِق باب غرفتي.
يمكنكم أن تتخيلوا كل شيء في هذا الوجود لكنكم لن تقدروا على تخيل التعبير المرتسم على وجهي حين فتحت وكانت سعاد.
لم تقل مساء الخير..
قالت:
بكيد النساء يمكنك الحصول بسهولة على عنوان أحدهم.
وفي غفلة عن الزمن، ما كنت أتخيله خلال تلك الأمسية أصبح حقيقة.
من قال إن زمن المعجزات قد انتهى!.
____
*شاعر وقاص سوري

شاهد أيضاً

15145255_674584596034280_67

أبالسة

خاص- ثقافات *مرزوق الحلبي أحني قامتي اعتذارا لعينيك، من سنتين، لم أكتب لك قصيدة حبّ …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *