الرئيسية / نصوص / خَروفُ العِيدِ
IMG_4933-1-1-1-1-1-1

خَروفُ العِيدِ

خاص- ثقافات

* محيي الدين كانون

(بؤبؤ ) حَمَلٌ صغيرٌ ترعْرعَ في عائلةٍ مِنْ الأبّ ( الكبْش ) والأمّ (النعْجة ) وإخوةٍ وأخواتِ صغارٍ.

كما جرتْ العادةُ  في  كُلّ جمعةٍ، تذْهَبُ عائلةُ (حازم ) في نُزْهةٍ أُسْبوعيةِ إلى المزْرعةِ حيْثُ يطيبُ لهَا الاستمتاعِ بالهواءِ الطّلقِ ومهاجعِ الطيْر في المساءِ ومنْظرِ الغروبِ.

 يقْضِي  أفرادُ العائلةِ أغلبُ وقْتِهم بيْنَ أفنانِ الأشْجارِ، بيْنما يتفقْدُ (حازم ) خروفَه الصغيرَ بِشدّه  لِحركاته المُبهِرة  قفْزه، جرْيه، ونطْه.

    عند المساء اقترح (حازم ) أن يأخذ  ( بؤبؤ ) معه إلى البيت حيث يمكن تخصيص حظيرة  في ركن قصي من حديقة البيت الخلفية ، لكنَّ والدتُه أشارتْ ، أنّه من الواجب مشاورة الوالد في الشأن، لأنّ هناك من الأعباء ما لا يستطيع (حازم) القيام بها لوحده ، مِثْلُ توفيرِ الغداء للحَمَل، وجلب الماء وتنظيفه ، وكلُّ ما يلْزم من عنايةٍ لحَمَلٍ صغيرٍ .

  في البداية اندهشت أخته ( رغد ) من تسمية الحمل الصغير ( بؤبؤ )، وعرفت أنّه حازم مَنْ أطلقَ عليه هذا الاسم العجيب  بعد  أسبوع من ولادتِه. عندما بلغ ( بؤبؤ )  يومه السابع كان وديعا ونشيطا وسعيدا، وتحيطه هالة من الحيوية، وتأهُّب للقفز في كل اتجاه، أحبَّه الجميعُ وأبهجهم بحركاتِه البهلوانيةِ السريعةِ، وكان ( حازم ) مُهوِساً بحبّه  أكثرُ من غيرِه حتّى اقترحَ  والدُه منذ البداية  أن يكونَ  (بؤبؤ) خروفاً لحازم عنْدما يكْبرُ، وله الحق في تسميته بما يشاء من الأسماءِ.

   في أحد أيام الجُمع، وكان يوماً صعباً لحازم لا يُنْسى، وكذلك لعائلتهِ  فقد بكى(حازم )في ذلك اليوم كثيرا؛ إذ  لم  يُسمح له  قطعا بجَلبِ  ( بؤبؤ )  معه للبيتِ كما يُجلب عادةً لُعبةُ أو هديّةُ اشتراها له والده، وما لم يفْهمْهُ ( حازم ) البتَّة…، كيْفَ  وقد أصبحَ  ( بؤبؤ ) خروفه وخاصّته ، وهو من سمّاه (بؤبؤ ) والجميعُ ينعتونه بخروف ( حازم  ) الصغير، أو بؤبؤ حازم، كيفَ  ورُغّمَ  كُلّ هذا  أنْ  يمنعَهُ  والده  من اصطحابه إلى بيتِه، و كيْفَ وهناك فُسْحةٍ من حديقة البيت الخلفية يمكن تأمينها لبؤبؤ مكانا لعيشه معهم ؟!

    اقترح الوالدُ على  (حازم ) ألّا يقلق…وأنّه سوْفَ يرى خروفَه كُلّ أيامِ الجُمُعِ، وسوف يلاحظ بوضوح نُموّه  كل أسبوع إلى حين قدومِ عيد الأضْحَى المبارك بعد ثمانية أشهر حينئذ يمكن اصطحابه إلى حديقة المنزل.

    أطمأنّ (حازم)  لهذا الرأي وأسعده، وأخذَ يَعدَّ الأيامَ ويحْسِبُها بفارغِ الصّبْرِ منتظراً بشائر قدومِ العيد الكبيرِ، فكان  يقف كلّ يومِ جمعةٍ على (بؤبؤ) يرْبتُ على رأسِه، يَجْلب له الماء، ويُقدّم لهُ البرسيمَ فتكوّنت علاقةُ وديّة بينهما على مرّ الأسابيع فكان ( بؤبؤ) يأنس لحازم ، كما كان (حازم ) يأنس لبؤبؤ.

  قبْل العيد بأيام قليلة، كان هناك أمر أقلقَ  (حازم ) لأن أخته ( رغد) أخبرته بأن (بؤبؤ ) هو الأُضحية، أستنْكر بِشدّة  قائلا :

–        خروفي ليس  الأُضحية  !

 ثم أضاف معلقاً محتجاً بصوت نافرٍ :

–       خَرُوفِي ( اسمه بؤبؤ ) وليس الأُضحية.

ضَحِكت ( رغد ) وكشف ثغْرها عن نضيد من الأسنان  البيضاء الناصعة،  وقالت بأسى :

 –         يا حازم  سوف  نأكل  (البؤبؤ ) بعد  ذبحه.

 –       فردّ  (حازم ) مستنكراً :

–        ماذا ؟!

          تأكدت ( رغد) بأن حازم  يجْهل مصير( البؤبؤ ) المسكين، وأنه لا يقبل أبداً فكرة ذبْحِه،  ولا يعْرِف مَعنى الأُضحية فغيرتْ مجْرى الحديث، وطلبت من (حازم ) أنْ يرْجو أباه في الغدِ ألاّ يُضحّي بـ (بؤبؤ ) في عيد الأضحى المبارك..، سألها (حازم) مندهشاً عن معْني  “عيد الأضحى المبارك ” فحكت له قصة الفِداء وكيْف طلب النبي إبراهيم ( عليه السلام ) من ابنه إسماعيل الامتثال لأمر ذبْحه بعد رؤيا رآها في المنام، و كيف فداه الله بكبش عظيم.

        لم يفهم (حازم) منها شيئا فذهبَ مسرعاً  إلى والده شاكياً، وطلب منه في نفس الوقت ألاّ  يضَحّي بــ  (بؤبؤ ) أبدأً،  فقال له  أبوه مبتسِماً :

     –      أيُّهُما  أفضلُ  يا حازم  أذبحك ــ  أنت  ــ أم أذبحُ البؤبؤ ؟!

فكّر  ( حازم  ) ملياً  في الموضوع،  وبجديّة  وقد زمّ شفتيه الصغيرتين  بغضبٍ وهو يقول بانفعال  :

–    لا تذبحْ  (بؤبؤ ) ولا تذبحْني.

–    لا بدّ من التضحية يا حازم، ولهذا سُمى بعيد الأَضحى المُبارك.

شردَ  (حازم ) قليلا…فالمسألةُ ليست سهلةً ؛ مسألة حياة أو موت، ثم قال بثقة واطمئنان كرجل يعقد صفقة خطيرة  :

 –       نذْبحُ الأب.

اندهش الوالد من الإجابة، وغرق في لحظة صمتٍ كالدهْر…وفي ابتسامة عذبة قال  :

–  أتقصد يا حازم  أن تذبحَ أباك ؟!

–  لا يا أبي…بل نذبحُ أبا ( بؤبؤ ) الكبش الكبير.
_________

* كاتب وأديب  من ليبيا

شاهد أيضاً

نادر-القاسم-1-1

وهم

خاص- ثقافات * نادر القاسم لا تفرح على الجثة الملقاة على الضفة الأخرى قد تكون …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *