الرئيسية / قراءات / قراءة في “منافي الرب” للروائي أشرف الخمايسي
منافي-الرب1

قراءة في “منافي الرب” للروائي أشرف الخمايسي

خاص- ثقافات

*مزنة كمال

يمكننا القول بداية إنها عمل أدبي يثير الفكر، يدعو إلى التأمل، يعيد نظرة الإنسان إلى نفسه، وإلى كل ما يحيط به من عناصر تدفعه دفعاً إما إلى الموت المحض أو الخلود المطلق.

الرواية تناقش هم الإنسان الوجودي، فالعم “حجيزي بن شديد الواعري” يعيش مع الموت منذ طفولته، ويرى أباه يتعامل مع الجثث بتحنيطها، ويكبر لتصدمه حقيقة الفناء يوماً بعد الآخر، “فيدفن الناس أعز الناس”، والموت أعمى، لا يفرق بين صغير وكبير، امرأة أو شيخ، فالجميع متساوون أمام حضوره الجاثم وسطوته التي لا ترد. لم يكن “حجيزي” يخشى من الموت، فقد تجاوز ذلك بمراحل، إنه يخشى من الوحشة والفناء في المصير المحتوم الذي ينتظر كل ميت في قبره، إنه يعلنها صراحة فهو لا يريد أن يُدفَن، وهو ليس مثل أصحابه من رجال “الوعرة” يصدق ما يقوله لهم الشيخ “مزيد” حول الجنة ونعيمها، والعزاء الذي يقدمه لقلوبهم المكلومة إذا مات أحبابهم، إنه يريد شيئاً أكثر واقعية وحسية بالنسبة إليه، شيئاً يستطيع الوثوق به تمام الثقة.

ظل العم “حجيزي” طوال حياته يحمل هذا الهم الذي منعه من الاستمتاع بما وهبته له الحياة من تفاصيل السعادة اليومية، فهو لم يفطن لها إلا حين أوقن باقتراب الموت في رؤيا رآها تنذره ببقاء ثلاثة أيام من حياته. “فالسعادة هي جماع المتع المنثورة في كل تفاصيل حياتنا، حتى أسوأ تفصيلة تحمل متعة ما، لكننا في بحثنا المحموم عن السعادة كتلةً واحدةً مكتملةً وواضحةً ندهس هذه المتع، ولا نجد السعادة أبداً”[1]. والعم “حجيزي” كان يرى السعادة في الخلود في هذا العالم الذي بناه لنفسه: بيت صغير وحقل زرع، وقد فوت في رحلة بحثه كثيراً من متع الحياة: امرأة تحبه، أولاد وأحفاد يحملون اسمه، وناقة تستمتع بصب الماء ودعكه أذنيها، وأن يقبل ما تقدمه له الحياة من متع، وهذا ما نبهه له “سعدون” صديقه المقرب مرة حين قال له: “أكثر ما يتعب الإنسان منا، ويفقده بهجة حياته هو التفكير العميق”[2].

وفي غمرة بحثه عن الخلود بعد الموت قرر أن يتبع راهباً ويتنصر، لأنه سمعه مرة يقول إن المسيح بعد أن قُتل ترك قبره وطار إلى السماء، وكل من يؤمن به يحيا بعد موته، وتابع “حجيزي” الراهب في فيافي الصحارى، والتقى بالرهبان الذين نذروا أنفسم لخدمة الرب، والتكفير عن خطاياهم. لكن للأسف فقد خاب ظن “حجيزي” ولم يجد ما كان يبحث عنه عند الرهبان. وبدلاً من ذلك فقد حاز ما هو أفضل من ذلك: لقاء المسيح الذي عِوضاً عن أن يثني على أولئلك الرهبان، أمرهم بقتل أنفسهم وقال: “إنهم يحيون بقلوب مقفلة، ويؤلهون تقاليدهم، ويحطمون الجمال، يخترعون قيماً قاسية، كأنهم يحبون تعذيب أنفسهم، ما أردت من الإنسان تقديس ما يُفقدُه بهجَتَه، أو ما يمنع خلوده”[3].

يعود “حجيزي” إلى الوعرة ويكمل ما بقي من حياته وهو يحمل همه ذاته: رفض الدفن، ويشتعل هذا الهم في صدره حتى قبيل موته بلحظات، ولا يطفئه إلا برد الرضى والإيمان بأن خلود الإنسان الفرد يكمن في صنع الغنى الإنساني العظيم الذي يعمر الأرض، ويستمر باستمرار الحياة. إن مسألة الخلود والعدم تتجاوز مسألة الحياة والموت، إنها تتعلق بالإنسان بمستوييه: العَرَضِ والجوهر، فالعَرَضُ فانٍ سائرٌ إلى العدم، أما الجوهر فهو حي باق خالد من الأزل إلى الأبد، وهذا ما غفل عنه “حجيزي” في مسيرة حياته، كان يسعى إلى البقاء، وإلى الخلود والحياة، لكن بعَرَضِه لا بجوهره، على خلاف الرهبان الذين طلبوا الخلود برفض الحياة، فنفوا أنفسهم، وأفنوا أعمارهم في منافي الرب التي صنعوها لأنفسهم طلباً للحياة بعد الموت، مع أن الله لا يريد منهم ذلك، إنه يريد من الإنسان أن يكون مضارعاً له، أن يعطي ويمنح الحياة بدلاً من أن يكون أداة سلبية للتلقي وحسب، وكما الله هو رب السماوات والأرض، فهو يريد من الإنسان أن يكون رباً في ملكوته، “وأنا ما خلقت الإنسان ليكون عبداً دنيئاً، يأخذ من غير عطاء، وإنما خلقته خليفة لي، رباً على هذه الأرض، كما أنا أعطي، هو يعطي أيضاً، وكلما أعطى بالرضا صار رباً أقوى”[4]. فيحوله العطاء من العبودية إلى السيادة، لأنه إذا تخلى قلبه عن كل شيء، انقاد له أي شيء طوعاً وحباً.

ومثل ذلك رمزية المسجد الوحيد الذي كان يصلي فيه سكان “الوعرة”، وفيه يسمعون مواعظ الشيخ “مزيد”، ويصلون على موتاهم، وهو المكان نفسه الذي يتضح للقارئ فيما بعد، كما يتضح للسكان متأخراً أيضاً، أنه كان سجناً بناه العثمانيون، والسلاسل المُدلّاة من السقف لم تكن للمصابيح، إنما لتعذيب المساجين، وشنق أعدائهم، وكأن الدين قد يتحول إلى قيد استعباد بدلاً من أن يكون أداة تحرر وتنوير.

أما من الناحية الفنية فيطيب لي التركيز على التقنيات العالية المستخدمة في إثارة الحواس كلها من خلال رسم أدق التفاصيل، ولم تكن البراعة في الوصف مقتصرة على الشخصيات وحدها، بل امتدت لتطال المشهد الخلفي والإطار العام، فترى وأنت تقرأ أسراب الطيور المهاجرة، وتشتم رائحة الرمال، وتسمع رغاء الجِمال، وتلفحك حرارة الصحراء، فقد أبدع الكاتب في نقل القارئ إلى البيئة الصحراوية بكل ما فيها من تفاصيل حياتية يومية، وتقاليد قروية قديمة.

ومن ناحية الأبعاد الزمانية والمكانية للرواية فقد تحرر الكاتب من قيود الزمان والمكان، فيجد القارئ نفسه متنقلاً بين الماضي والحاضر والمستقبل، لكنه ببراعة يجعله يرتب الأحداث تلقائياً، فتسير بسلاسة لا مثيل لها. أما لغة الرواية فقد انقسمت إلى قسمين: لغة أدبية رفيعة كتبت بها الأحداث والتوصيفات، ولغة الحوار الذي جاء على لسان الشخصيات، وكان الكاتب بارعاً بحق في دمج اللغة المحكية العامية للقرويين البسطاء باللغة العربية الفصيحة فخرجت لغة جديدة يمكن أن نطلق عليها “العامية المفصحنة”.

وفي أمواج رمال الصحراء اللامتناهية، وفي أعماق ليلها، وبساطة أهلها، وشراسة ذئابها، وحكمة قاطنيها، أترك القارئ يستمتع بهذه الرحلة الشيقة بين أسطر الرواية وكلماتها، فالكلمة، كما تختتم بذلك الرواية، سبيل الخلود.

المراجع:

الخمايسي، أشرف: منافي الرب، الحضارة للنشر، القاهرة، ط2، 2013.

[1] ص 71

[2] ص169

[3] ص326

[4] ص301

_______

[1] ص 71

[1] ص169

[1] ص326

[1] ص301

شاهد أيضاً

54eb3d4c-aa31-4574-bd29-7b5

رياض الصالح الحسين في “الأعمال الكاملة”: اللحظةُ الراهنة.. قصيدةً

*عماد الدين موسى في مثل هذه الأيّام الحاسمة من عمر السنة، حيثُ الخريف يُسلّم مفاتيحه …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *