الرئيسية / خبر رئيسي / قراءة في رواية الكونتيسة لمصطفى الحمداوي(*)

قراءة في رواية الكونتيسة لمصطفى الحمداوي(*)

ثقافات – الحسن حمو(**)

الكونتيسة(1)،رواية لمصطفى الحمداوي، المبدع المغربي المغترب بالأراضي المنخفضة صدرت في أكتوبر 2019؛ عن دار الفاصلة للنشر، تقع في 314 صفحة. هي الأخيرة في لائحة إبداعاته الروائية، عالج فيها السارد واحدة من أكثر الأساطير الشعبية تداولا، يتعلق الأمر بـميثولوجيا “عيشة قنديشة”(2)؛ الذائعة الصيت في المغرب والعالم العربي والغربي، من خلال تمثلات وأحداث متقاربة، وأسماء مختلفة؛ من قبيل(الكونتيسة /القديسة /قنديشة / النداهة / أم الدويس…).

نظرا للقيمة الثقافية التي تزخر بها الأسطورة الشعبية، اشتغلت بها مجموعة من الأعمال الفنية التي قاربتها من زوايا مختلفة، ومن أهمها:

– عائشة القديسة، رواية لمصطفى لغتيري، دار النيات للنشر، سوريا، 2008.

– وادي الدماء، مجموعة قصصية لعبد المجيد بن جلون (قصة عائشة)، دار الثقافة بالدار البيضاء.

– هواجس بعد منتصف الليل قصة لجواد العادلي، القصة تحولت إلى فيلم من إخراج محمد العليوي.

– عيشة قنديشة أو الجنية التي أرادت أن تصبح إنسية، مسرحية لعبد الكريم برشيد، مؤسسة اديسوفت للنشر.

-عيشة قنديشة، مسرحية لفرقة أطلس دمنات للفنون، يوليوز 2018.

-شكون هي عيشة، (من هي عائشة؟) مسرحية لفرقة “سوق أرت” 2015.

– عائشة… (سلسة حلقات البعد الآخر) فيلم من إخراج محمد الكغاط، 2006.

– زرايفاZrayfa بالأمازيغية، فيلم من إخراج عبد العزيز أوالسايح.

 

موضوع الرواية

استهل السارد عمله الإبداعي بطابع العجائبية الذي يكتسي نمط النصوص الحكائية، عن طريق الراوي؛ سمير الكامل (بطل الرواية)، يتعلق الحكي بفتاة ” كانت تسير منتصبة القامة، وهي عارية تماما، فوق قارب خشبي صغير، كما لو أنها قالب من السكر، قاطعة بحيرة (ضاية عوا)، التي تحول ماؤها الهادئ فجأة إلى مستنقع دم…”(3)

إنها الحادثة ذاتها التي سيقص الراوي المهندس الشاب سمير أحداثها بالتفصيل، وذلك ابتداء من ص210، وستشغل باله وتستحوذ على تفكيره وتؤثر على نمط حياته إلى درجة فقد معها توازنه، فاضطر لزيارة  طبيب متخصص في الطب النفسي.

تتوزع أحداث الرواية بين حانة الأطلس/حانة الكذابين لمالكها موحا أوحدو، ومسكن المهندس، وبعض المواقع بمدينة إفران وضواحيها، بالإضافة إلى أماكن أخرى ثانوية كمدريد والدريوش والشاون وفاس…،

يظل الخيط الناظم بين مختلف الأحداث هو صورة الكونتسية/عيشة قنديشة، المتجسدة في اللوحة المعلقة على صدر الحانة وهي تحمل صورة فتاة جميلة بحافري بقرة، حيث يرى فيها مالك الحانة موحا، وغريمه مايكل ماسون والفنان جمال المشرقي حبيبتهم “كارولين أودران”(4)، كما يري فيها كريم الرغاي (الملقب بعادل أوتار العود) صورة عشيقته “مارتا” التي انتحرت من فوق جسر على الطريق السيار؛ ويرى فيها المهندس سمير صورة تلك الفتاة الجميلة التي صادفها في طريقه نحو أزرو، وتعلق بها وأحبها حبا جنونيا، لكنه فشل في الاقتران بها، كما فشل جل أبطال الرواية في علاقاتهم العاطفية.

لقد استطاع الراوي (البطل) بثقافته ورصيده العلمي والمعرفي أن يتخطى الصعاب والضغوطات النفسية التي تعرض لها طيلة مدة إقامته بإفران، بل تمكن من حل مجموعة من الألغاز التي كانت مصدر قلق له ولغيره، ونزع القناع عن أحد أكثر المعتقدات الأسطورية شيوعا في المجتمع المغربي.

اختار الروائي مصطفى الحمداوي نهاية تراجيدية لمعظم شخوص عمله الفني؛ بين منتحر ومجنون وتائه.

شخوص الرواية

شخصيات الرواية -عموما- كائنات بشرية تائهة ، بطباع وسلوكات غريبة، مدمنة على شرب  الكحول بحانة الأطلس، من جنسيات مختلفة، لا يجمع بينها إلا دفء الحانة وموسيقاها التي يعزفها ربيع المجد (عازف البيانو) وجيمس المغربي (عازف الساكسفون) وباربارا موريسون (مغنية الجاز):

– موحا أوحدو صاحب الحانة، رجل مسن بدون زوجة ولا أطفال، شغله الشاغل هو الجلوس قبالة لوحته “المقدسة” المعلقة خلف (كونتوار) الحانة يتأملها طول الوقت.

– كلود ادغارهنري جار مورو(كهل فرنسي) مدمن على شرب الخمر وتدخين الكيف، يدعي نسبه للنحات هنري جار مورو الذي نحت تمثال أسد إفران الشهير، وعليه فإن هذا الأسد الصخري صار في ملكيته إرثا عن جده هنري. انتهت به الأيام متشردا شبه مجنون، تكفلت السفارة الفرنسية بنقله من إفران إلى بلده الأصلي فرنسا.

– مايكل ماسون الفرنسي الأصل والإنجليزي الادعاء، يزعم بُنوّته لونستون تشرشل من عشيقته التي لم يقترن بها.

– كريم الرغاي (عادل أوتار العود) أستاذ الموسيقى، انعزالي، لا يتواصل مع الآخرين، عرضَت عليه عيشة قنديشة -ذات ليلة- الزواج بها بعدما قفزت من إطار لوحتها التي رسمها الفنان جمال المشرقي بمرسمه بتطوان.

كان يمارس الخطيئة مع أم عشيقته المنتحرة “مارتا”، كما كان يتلذذ -بحميمية- حين يعزف على العود. تعرض لطعنات من خنجر خالد المهاجر بإسبانيا كادت أن تفقده الحياة، لولا تدخل صديقته “مانويلا” التي انتزعت الخنجر من يد خالد لتقتله به، ثم تمزق جسمها هي الأخرى لتَلقى حتفها منتحرة وسط بركة من دمائها.

– البشير أمغار (حارس غابة) يلعب الشطرنج مع نفسه في الحانة، ينتصر أحيانا فيفرح، وينهزم أخرى فيقرح، وفي كلتا الحالتين هو المنتصر والمنهزم في الآن نفسه.

– كارمن لودفيج، امرأة غريبة الأطوار، تجلس في اتجاه الجدار، مولية ظهرها لرواد الحانة، تجمعها بشجرة (كورو)(5) بمدينة إفران علاقة عشق وغرام، إلى درجة أنها حاولت كتابة عقد قرانها بعشيقها هذا (شجر(ة) كورو) في الكنيسة الكاثوليكية بالدار البيضاء، بل وانتهى بها المطاف منتحرة بإلقاء نفسها من أعلى نفس الشجر(ة) بعدما مارست حميميتها معه/معها.

– جمال المشرقي، فنان  ذائع الصيت في سن الثمانين، أحب هو الآخر “كارولين أودران”، وهو مَن رسم لوحة الكونتيسة المعلقة في حانة الأطلس، وضع حدا لحياته بإحراق نفسه بين لوحاته.

– سمير الكامل شاب قنيطري، حديث العهد بمهنة (الهندسة الزراعية)، عين بمدينة إفران للقيام بمهمة محاربة “الدودة الجرارة”التي اجتاحت بعض المناطق بغابات الأطلس المتوسط.

تعلق قلبه بفتاة جميلة لم يتأكد من آدميتها…أوشك على فقدان توازنه العقلي، قبل أن يتدارك الأمر ويعرض نفسه على طبيب نفساني.

معظم شخوص الرواية انتهت حياتهم إما إلى الانتحار أو الجنون أو التشرد… ربما رواد الحانات والملاهي الليلية من المدمنين على الكحول تكون مصائرهم شبيهة بهذه، بسبب ظروفهم العائلية والاجتماعية والاقتصادية وأحوالهم النفسية والروحية…

الشخصيات

صفاتها

مصائرها

1

سمير الكامل

مهندس زراعي (بطل الرواية)

كاد أن يصاب بخلل عقلي لولا زيارته لطبيب نفساني

2

كريم الرغاي

أستاذ الموسيقى

تعرض لضربات بالخنجر كادت أن تودي بحياته

3

كلود ادغارهنري

فرنسي في سن الخامسة والخمسين مدمن على شرب الخمر وتدخين “الكيف”

اختل عقليا وتشرد

4

جمال المشرقي

رسام مغربي من تطوان

انتحر  بإحراق نفسه وسط لوحاته الفنية

5

كارمن لودفيج

سيدة منطوية على نفسها بتصرفات غريبة

انتحرت ملقية بنفسها من أعلى شجرة “كورو”

6

مارتا

فتاة اسبانية جميلة، عشيقة كريم الرغاي

انتحرت ملقية بنفسها من أعلى جسر على الطريق السيار

7

مانويلا

سيدة إسبانية،والدة مارتا

انتحرت بتمزيق جسمها بخنجر

 

المقصدية السردية

سمير  الكامل شاب تشبع بالفكر العلمي تبعا للتخصص الذي اختاره، تابع دراسته بالمعهد الزراعي حيث الدراسة  فيه معتمدة على التحليل العلمي والتجارب المخبرية، بعيدا عن الفكر الخرافي والأوهام والأساطير.ولكن إلى أي مدى تستطيع هذه المعارف العلمية أن تصمد أمام قوة المعتقدات الشعبية الأسطورية المتوارثة؟

أصبح سمير هو الآخر من رواد حانة الأطلس، تعرف على بعض زوارها المغاربة والأجانب، وتوطدت علاقته مع موحا (مالك الحانة) والأستاذ كريم الرغاي وآخرين.

في الأيام الأولى من إقامته بمدينة إفران الساحرة، سيتعرض لامتحان عسير يتمثل في اختبار قدراته العقلية وقناعاته العلمية، ومدى استطاعته الصمود أمام ما يحيط به من أفكار حول عيشة قنديشة، يسمعها من هذا وذاك، وغرابة الصورة التي تجسدها اللوحة المعلقة خلف (الكونتوار) في الحانة، والرسالة المجهولة التي وصلته إلى منزله، والباب المحكم الإغلاق في علية مسكنه مصدر الأصوات التي يسمعها في الليل، والفتاة الباهرة الجمال التي صادفها في الطريق الذي يخترق غابة إفران في عتمة الفجر وهو متوجه لإحدى الغابات المجاورة لإفران لمباشرة عمله المتمثل في وضع الاستراتيجية المناسبة للحد من انتشار وباء “الدودة الجرارة”، والمرأة العارية التي رآها فوق القارب الخشبي في “ضاية عوا” التي تحول ماؤها إلى دم، والأحلام المزعجة التي تنغص حياته…

ذات غداة، وهو في طريقه إلى عمله استوقفته فتاة غريبة الأطوار، فتوقف بسيارته وسط الغابة الجبلية المخيفة، ركبت الفتاة بجانبه دون أن تنبس ببنت شفة، نظر إليها فانبهر من جمالها الأخاذ، “هذا الجمال لا يمكن أن يكون طبيعيا، هناك سر ما في الأمر”(6). بعد مسيرة حوالي كيلومترين، نزلت من السيارة فانصرفت وغابت وسط الضباب.

حادثة ستقلب حياة المهندس الشاب رأسا على عقب، حيث أضحى خيالها لا يفارقه. أحلامه أصبحت كوابيس، أفكاره بدأت تتخضب بالهواجس التي يغذيها الفنان كريم الرغاي بأحاديثه وسيرته الذاتية التي يسردها على سمير في أماسي حانة الأطلس، كما تغذيها لوحة الكونتيسة المعلقة خلف (كونتوار) الحانة التي تجسد إلى حد كبير صورة الفتاة المتربعة على عرش خيال سمير.

مع مرور الزمن تتلاحق الأحداث، وتتزاحم الأفكار، وتكثر الروايات التي أصبح المهندس سمير منجذبا إليها، والتي تصب -غالبا- في عالم الكونتيسة / عيشة قنديشة.

المهندس سمير لم يعد يستطيع تفسير تلك الأحلام المزعجة التي تراوده أثناء النوم، ولا تلك الأضواء التي تضاء أحيانا في بيته بعد إطفائها، ولا تلك الأصوات الغريبة التي يسمعها…

كان لزاما عليه -أمام هذا الوضع- أن يزور طبيبا نفسانيا بفاس لعله يُخلّصه من معاناته هذه، واستغل تواجده بهذه المدينة ليلتقي بأحد أصدقائه من زملاء الدراسة، وهو أستاذ باحث بجامعة فاس يُدرّس الفلسفة.

بعدما استمع أستاذ الفلسفة (العلالي) لتفاصيل ما يعانيه صديقه سمير، شرح له -من وجهة نظر علمية ونفسية-أسباب عدم استقرار حالته النفسية، وبين له الخلل الناتج عن “مرض الفص الصدغي” الذي يصيب الدماغ. ونصحه بالتخلص من هذه التصورات الغريبة وغير المنطقية التي تعكر عليه صفو الحياة، وبالاعتقاد الجازم وبالاقتناع بكون هذه الأرواح الشريرة لا وجود لها إطلاقا، “وعندما نصل إلى هذه القناعة، لن نخاف بعد من صوت غريب في الليل، بل سنذهب إلى مصدره لنتعرف حقيقته..وإذا رأينا شبحا مثلا، فإننا سنتوجه إليه لنكتشف من يكون بدل الهرب منه.. وعندئذ لن نخاف من شيء في الظلام، أو أي أصوات يأتي من الظلام”(7).

تلبية لتوجيهات ونصائح صديقه العلالي، لوضع حد لمصادر خوفه وهواجسه قرر سمير:

1- استقدام حداد من فاس ليفتح باب العلية الحديدي المحكم الإغلاق أعلى (الفيلا) التي يسكنها، ذلك العالم المجهول الذي ظل مصدرا للأصوات الغريبة التي كان يسمعها بالليل وتقض مضجعه طوال هذه المدة التي دخل فيها عالم “اللامعقول”.

فتح الباب بعد جهد جهيد، فتبين أن المكان عبارة عن غرفة  لا تحتوي على أشياء غريبة تثير الانتباه، مكتب ودولاب ملابس، وفونوغراف بمكبر صوت مع اسطوانات موسيقية، ومكتبة…

2-  البحث عن عيشة قنديشة (أو هكذا يتخيلها) وتتبُّع أثرها، فرصدها في المنعرج حيث صادفها ذات غداة.

لم يخب ظن سمير، في نفس المكان السابق بإحدى غابات (أزرو ضواحي إفران)، وجد عشيقته عائشة الآدمية/الجنية تنتظره -كأنهما كانا على موعد- مرتدية لباسا أبيض اللون بخطوط سوداء كعروس متأهبة لاستقبال فارس أحلامها.

فتح لها باب سيارته، ركبت، تبادلا التحية وبعض الحديث المقتضب. بعد وقت وجيز طلبت منه التوقف للنزول، ودّعته وانصرفت، لكن سمير لم يتمكن من رؤية رجليها، هل هما ظلفان أم رجلان آدميتان؟

سمير لم يتخلص من وساوسه، لابد أن يستقصي الأمر ويتأكد من هوية هذه الفتاة التي احتلت قلبه ووجدانه، قرر أن يقتفي أثرها..

في الطريق -بحثا عن عائشة(…)- توقف عند أول كوخ، حاول طرق الباب لكنه تردد، بعد لحظات قليلة فُتح الباب “ووجدت أمامي بدرا في تمامه.. وجها أبيض حليبيا …. وعندما أنزلت عيني إلى الأسفل ، أمكنني رؤية فخذيها المرتسمتين تحت اللباس الأبيض الشفاف.. وارتج جسمي عندما رأيت قدمين جميلتين تستثيران فيك كل الرغبة لتلاعبهما…”(8)

إذن، هي عائشة آدمية ولم تكن عيشة قنديشة كما كان يتصور الكثيرون، بالرغم من خروجها في تلك الأوقات من آخر الليل لأسباب قاهرة تتعلق بطبيعة عملها، وارتدائها لذلك اللباس الفضفاض والطويل لتخفي قدميها.

3- التقصي في أمر  الرسالة المجهولة التي وصلته موقعة بحرف C، حيث تبين أن مصدرها هو أمين الماعوني (مالك المقهى المجاورة لمسكنه) الذي أوهمه بأن (الفيلا) التي يكتريها مسكونة بالجنون والأرواح الشريرة، كما اعتاد أن يروج الفكرة، ليَحول دون إقبال الناس على كرائها، ومن ثم اقتنائها من مالكها بثمن بخس، تنفيذا لخطة محكمة رسمها للاستيلاء عليها.

نصائح الدكتور العلالي أتت أكلها، حين جعلت المهندس سمير يتتبع كل مصادر القلق والخوف والهواجس ويقتحم عوالمها الغامضة، واكتشف أن عالم الأرواح الشريرة وعيشة قنديشة لم تكن سوى وهْما من صناعة مخيلته وقناعاته المتذبذبة. ألم تكن حكمة أستاذ الفلسفة صائبة: “بدل الهروب من الأشباح ينبغي اكتشافها وتعرف حقيقتها”؟

خطوة سمير هذه جعلت التفكير العلمي ينتصر على المعتقد الأسطوري المبني على الوهم والتخيل.

البنية السردية للرواية

اعتمد المبدع مصطفى الحمداوي تقنيات سردية جعلت المبنى الحكائي يضفي على المتن الحكائي جمالية خاصة، بحيث إن متانة اللغة وسلاسة الأسلوب وسعة الخيال.. أسرت القارئ وفتحت شهيته لمزيد من القراءة والتعلق بالنص لاكتشاف عوالمه التي تداخلت فيها الحقيقة والوهم إلى حد التماهي.

الفضاء الروائي  في “الكونتيسة”منفتح على كثير من المواقع (افران، فاس، الشاون، مدريد …) ينتقل بينها المتلقي من غير أن يحس  بأنه غير المكان، فهو دائما محاط بهواجس عيشة قنديشة الحاضرة دوما…

الواقع والخيال يتداخلان، والمنطق واللامنطق يتفاعلان في هذا المتن الحكائي، ليتشكل عالم غرائبي، تشاهد فيه  فتاة تخرج من إطار اللوحة في مرسم الفنان جمال المشرقي لتعرض نفسها على الموسيقي كريم الرغاي للزواج بها، ويتبادلان الحديث…

النص الروائي “الكونتيسة” يتقاطع في كثير من المشاهد مع قصة “هواجس بعد منتصف الليل” لجواد العادلي، وهذا يدخل في إطار تداخل النصوص بعضها في بعض، ” كدرجة من درجات التناص، فـ”كل نص تأويلي أو كل نص إبداعي مزيج من تراكمات سابقة بعد أن خضعت للانتقاء ثم التأليف”(9).و”كل نص يلتقي مع مجموعة من النصوص ، يعيد قراءتها ويؤكدها، ويحولها ويعمقها، ويضع هذا النص المتعدد مقابل النص الجامد…” (10).

لكن رواية الكونتيسة تظل متفردة في أسلوبها ولغتها وأفكارها ورؤاها، ومشاهدها الحقيقية والمتخيلة، وطريقة معالجتها لميثولوجيا عيشة قنديشة التي “ملأت الدنيا وشغلت الناس”.

الرواية / القصة

الكونتيسة

هواجس بعد منتصف الليل

نقط التقاطع

الشخصية

سمير المهندس (بطل الرواية)

سائق الطاكسي

اعتراض “عيشة”  طريقهما وركبت معهما

جمال المشرقي (رسام)

محمود (بطل قصة هواجس…)

كلاهما رسام

سمير

محمود

الثاني أصيب بالجنون والأول كاد يصاب به

سمير

محمود

كلاهما اكترى (فيلا)بمدينة إفران، وكلتا (الفيلتين) “مسكونتان” بالأرواح الشريرة.

وفيهما معا بيت مغلق لا يجوز الاقتراب منه

أمين الماعوني (صاحب مقهى مجاور لمسكن سمير)

صاحب متجر مجاور لمسكن محمود

كلاهما أخبر المكتريين بكون منزليهما “مسكون”

عيشة الأطلسية

منى

تلبس لباسا فضفاضا أبيض اللون

عيشة  الأطلسية

منى

تظهر الأولى في (ضاية عوا) والثانية في (عين فيتال)

كلود ادغار

سائق الطاكسي

كلاهما انتهى مجنونا

الهوامش:

(*)مصطفى الحمداوي، من مواليد مدينة الدريوش شمال شرق المغرب سنة 1969، غادر مقاعد الدراسة مبكرا لظروف خاصة، ولكنه اهتم بالمطالعة الحرة والتكوين الذاتي. هاجر إلى هولندا في سن السادسة والعشرين، وبها استقر إلى حدود اليوم. هو مبدع غزير الإنتاج، أصدر مجموعة من الأعمال الإبداعية، روائية وقصصية وشعرية تجاوزت العشرة، منها:

روايات “كرونا” سنة 2009، “غواية الجسد” سنة 2010 ، “حب دافئ تحت الثلج” سنة 2015، “الشيطان والورد” سنة 2015، “يحدث في الظلام” سنة 2015، “ظل الأميرة” سنة 2016، بالإضافة إلى إبداعات مختلفة في القصة القصيرة والشعر.

حصل على عدة جوائز استحقاق أدبي  من أهمها:

– جائزة كتارا للرواية العربية2016

– جائزة الفجيرة للميلودراما سنة 2014

– جائزة الهجرة في أمستردام، الرتبة الأولى، فرع القصة القصيرة

(**) مدير تربوي، ا​لأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة الرباط سلا القنيطرة

          العنوان الإلكتروني: lhassan.hammou@gmail.com

(1)حُرّف هذا الاسم (La contessa ) في النطق المغربي إلى “الكوتيشا” ثم إلى “القونديشا” ثم إلى “قنديشة”: مسلك ميمون، مجلة عالم الفكر، العدد02 ، المجلد 34 ، أكتوبر/ديسمبر 2005، ص 134

(2) يزعم البعض أن عيشة قنديشة في الأصل مقاومة مغربية حاربت المستعمر البرتغالي بشراسة خلال القرن الخامس عشر، واستدرجت المحتلين بوسائلها الخاصة إلى  منابع الماء لتبطش بهم، إلى أن زرعت في نفوسهم الرعب فحسبوها جنية. كما اعتبرها آخرون من أصل أندلسي طردت من الأندلس أوائل القرن السادس عشر، واستقرت بالمغرب وانضمت إلى صفوف المجاهدين، وعدها آخرون ولية صالحة يُتبرك بها خلال منتصف القرن التاسع عشر…

– انظر : العباس بن ابراهيم السملالي ، ” ﺍﻹﻋﻼﻡ ﺑﻤﻦ ﺣﻞ مرﺍﻛﺶ ﻭﺃﻏﻤﺎﺕ ﻣﻦ ﺍﻷﻋﻼﻡ”، الطبعة الثانية، الجزء التاسع، المادة 1497، ص 416

(3) الكونتيسة، ص 9

(4) آنسة أو “كونتيسة” فرنسية باهرة الجمال، سليلة أسرة من النبلاء القدامى، اشتغلت خادمة في منزل أسرة غنية في باريس، استقرت بإفران واختفت ذات ليلة في ظروف غامضة، الكونتيسة، ص 55…

(5) شجرة “كورو” التي عرَّف بها الراوي في صفحة  311 والتي ألقت كارمن نفسها من  أعلاها (انظر الصفحة من 158 إلى 161) غير متواجدة  وسط مدينة إفران كما ورد في الرواية، بل هي في غابة بعيدة بين إفران وأزرو.

(7) الكونتيسة، ص 150

(8) الكونتيسة، ص 228

(9) محمد مفتاح، المفاهيم معالم: نحو تأويل واقعي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء،2010 ، الطبعة الثانية، ص 40

(10) تعبير مستعار من ميخائيل باختين، انظر: فيصل غازي النعيمي، العلامة والرواية، دار مجدلاوي للنشر والتوزيع، الأردن، الطبعة الأولى، ص231.

شاهد أيضاً

قتل الأب في الأقصوصة من خلال مقارنة بين : “اليد الكبيرة” ليوسف إدريس و” شركس” للمياء بوكيل

ثقافات –  حمدان الجبيلي* من الثابت أن عناصر القص ضمن أي جنس قصصي إنما هي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *