الرئيسية / خبر رئيسي / حوار الأزمنة في كتاب “تراثنا والجمال” للدكتور سعد الدين كليب

حوار الأزمنة في كتاب “تراثنا والجمال” للدكتور سعد الدين كليب

*خاص – ثقافات

* د. علياء الداية

 

 

يحتوي كتاب “تراثنا والجمال” بين دفتيه مختارات من نصوص تراثية عربية قديمة، محورها هو الجمال وقضاياه ومفاهيمه وصوره، وتتجانس هذه المختارات فيما بينها، لتمنح القارئ فرصة نادرة للجمع بين النصوص الفنية الذوقية والفكرية الفلسفية، في إطار من الجمال وتفرعاته من الحُسن والملاءمة والموافقة.

 تتكون هذه المختارات من خمسة أبواب، كما يفتتح الكتاب بمقدمة، ومن ثم تمهيد موسّع يتناول فيه الدكتور سعد الدين كليب الأسس النظرية ورؤيته الجمالية للموروث العربي الجمالي، ويدرس أنساقاً متنوعة فيه، فبعد مقدمة وتمهيد نقدي حول تاريخ الوعي الجمالي، تأتي المختارات في خمسة فصول متنوعة بين التحديدات والأوصاف، ونظريتي الجمال والفنون، والمتعة الجمالية وتاريخ الذوق.

ومن هنا أرى ثلاثة جوانب أو نقاط تتيح تتبع المفهوم الجمالي كما تعرضه المختارات في عمق الشخصية الفردية، وعلاقته بالبيئة المحيطة بالفرد، فهو انطلاق من الداخل إلى الخارج، من الذات إلى العالم، ومن المحدود إلى الشامل.

كما أجد بأن الفكرة القديمة الواحدة تستدعي من المتلقي المعاصر اتجاهين: أحدهما العودة إلى التاريخ، والآخر مساءلة معطيات الحاضر واكتشافاته. لذا سيكون هناك حوار بين بعض أصحاب المختارات ومعاصريهم حيناً، وحوار بينهم وبين زمننا الراهن حيناً آخر.

أما التمهيد النقدي الذي أفرد له الدكتور سعد الدين كليب نحواً من مئة وخمسين صفحة، فهو يثير حواراً مقارناً مع كتاب معاصر نشر مترجماً إلى اللغة العربية مؤخراً.

أولاً:

الحوار المقارن بين كتابين:

يبين الدكتور سعد الدين كليب في القسم النظري من الكتاب الأسس الفكرية التي تشكّلت مع امتداد الزمن ومع ترسّخ الجانب الحضاري العربي الإسلامي، وما انضوى في هذه الأسس من نظرات جمالية في مفاهيم عدة منها الجمال والجلال والكمال.

إن هذا التمهيد مهم لفهم بنية فصول الكتاب وآلية حركة أفكاره ونماذجه المختارة، فمن خلال “تاريخ الوعي الجمالي” انتقال في الشرح والبيان من الأكثر عمومية كـ”الكائن الجمالي” و”الوعي والفن” و”الوعي والأسطورة”، إلى الأكثر تخصيصاً كـ”الوعي والأدب” و”الوعي والفلسفة”، وصولاً إلى “الفكر الجمالي في الحضارة العربية ـ الإسلامية” و”الأنساق الجمالية ـ المعرفية” و”في المنظومة الجمالية العربية” وهي العناوين التي يبين فيها الدكتور سعد الدين كليب منهج الكتاب واتجاهه والنقاط الفارقة فيه وأهم محطاته الفكرية.

يجد الدكتور سعد الدين كليب بأن رائدي الفكر الجمالي النظري العربي القديم، هما الجاحظ والكندي، أما الدكتورة فاليري غونزالس الأستاذة الإسبانية الأصل المتخصصة بالدراسات الشرقية الإسلامية في جامعات بريطانيا، مؤلفة كتاب “الجمال والإسلام جماليات الفن والعمارة الإسلاميين”، فتجعل من شخصية ابن الهيثم رائداً جمالياً، يقول الدكتور سعد الدين كليب:

 و”في حين كان للفلاسفة والمتكلمين الإسهام الأول، كالجاحظ والفارابي والتوحيدي وإخوان الصفا وابن سينا، كان للمتصوفة والفقهاء، كالغزالي وابن عربي وابن الدباغ والجيلاني الإسهام الثاني لاعتبارات تاريخية ومعرفية معاً”.(ص95)

 و”كان الأصمعي وابن سلاّم الجمحي وسواهما يختطـّون بعض الملامح النظرية الأولية في النقد الأدبي؛ وهو ما سوف يتطور ويتردد صداه في القرن الثالث، لدى الجاحظ والكندي اللذين يمكن اعتبارهما رائدي التفكير الجمالي، ولاسيما في مبحث الجمال ومبحث الفن معاً… فمع الجاحظ والكندي أصبح بالإمكان الحديث عن نظرية في الجمال والفن ذات أسس عامة، تستند إلى الخبرة والمعرفة النظرية والمعالجة العقلية، أكثر مما تتكئ على الانطباعات الذوقية والتعبيرات الإنشائية والأحكام غير المعللة، كما كان سائداً قبلهما في الأعمّ الأغلب”.(ص72 ، 73).

أما غونزالس فتقول في كتابها:

 نرى في الفكر العربي الإسلامي “الإشكالية الثنائية الكبرى لمسألة الجمال الفيزيائي المادي والجمال الإلهي وكذلك لمسألة الإدراك الحسي الخارجي والإدراك الفكري الداخلي… إن التجربة البصرية للجمال تستدعي بشكل أو بآخر ما يشبه التجاوب الطنيني الروحاني من خلال عملية إدراك عقلي ذات طبيعة ميتافيزيقية”، فالجمال الظاهر يستند هنا إلى مفهوم الجمال الإلهي. “إن ابن الهيثم… هو الفيلسوف الوحيد في حقبة العصور الوسطى الذي سبق فلاسفة عصر الحداثة في مسعاهم لعزل مسائل علم الجمال عن حقل التأثير الإلهي، والتشديد على عدها مسائل ذات صبغة وجودية بشرية محض. بمعنى آخر، يـُعد ابن الهيثم عالم الجمال الأول إذا ما نظرنا إلى أعماله وفق المعايير المعاصرة المتشكلة خلال قرون الفكر الوضعي”.(ص26)

وقد اقتصرت غونزالس في كتابها على أربعة فلاسفة، تقول:

“بهدف إيضاح النزعات والاتجاهات الأساسية للفلسفة العربية في العصور الوسطى، اخترنا قائمة بأربعة فلاسفة ممن ذاع صيتهم تبعاً لتوجهاتهم الفلسفية الخاصة. الفيلسوف الأول: ابن حزم… رائد الحركة الفلسفية الظاهرية التي تقارب النصوص المقدسة من منظور المعنى الحَرفي للنص، أي المعنى الظاهر البائن بخلاف المعنى المخفي أو الباطني. إذاً تقوم كل فلسفة ابن حزم على تلك الحَرفية التي من خلالها يشتق مبادئه الدينية والأخلاقية التي تتغلغل بدورها في جميع أفكاره حول موضوع الجمال… الثاني: ابن سينا… من أهم أتباع المذهب الميتافيزيقي الأفلاطوني الحديث في العالم الإسلامي… أما المدرسة العقلانية:… الفيلسوف الثالث: ابن رشد… وكان متعدد المعارف، إذ لم يكن طبيباً فحسب بل كان مشرعاً وعالماً فلكياً أيضاً… الرابع: ابن الهيثم:… رائد المنهج الظاهراتي في التفكير حتى قبل أن يعرف هذا المنهج بوقت طويل”.(ص24)

وثمة توافق بين الكتابين في تحليل المنطلقات الأساسية في الفكر الجمالي العربي، فـ “تراثنا والجمال” يقول:

“مع مطلع القرن الثالث للهجرة سوف يتشكّل الفكر الجمالي – النظري، وسوف نشهد النظرات الكلامية والفلسفية لما هو جميل وقبيح وجليل خاصة، مثلما سوف نشهد التنظيرات النقدية الأدبية والفنية الموسيقية، وقد صيغت بلغة اصطلاحية تجريدية، أو صيغت بنظرة منطقية منهجية، تأخذ بالاعتبار علاقة الجزء بالكل، أو علاقة البسيط بالمركب، أو الحسي بالروحي، كما تقوم على نوع من الإحصاء والمقارنة والتأويل، مما نجده لدى الجاحظ والكندي رائدي هذا الفكر.”(ص83)

وفي كتاب غونزالس تقول:

“فالجمال والقبح مفهومان عامان أوليان وأساسيان في حقل علم الجمال الذي يجب أن نتذكر أنه بدأ في الفلسفة اليونانية مع أفلاطون وأرسطو. إن أي نقاش في علم الجمال في أي سياق ثقافي لا بد أن يتطرق إلى هذين المفهومين، سواء دار النقاش حول الخلق العظيم أم الطبيعة أم الفن بصفته صناعة بشرية. فمنذ العصور الوسطى يبحث المفكرون المسلمون بشكل مباشر أو غير مباشر في المفهوم الثنائي للجمال ونقيضه، القبح”.(ص23)

وهي توضـّح استخدامها مصطلح “ماوراء علم الجمال” لوصف المرحلة:

 “يتألف مجال علم الجمال من حقلين مترابطين لكنهما مستقلان في الوقت ذاته: الأول علم الجمال الأساسي، وحري بنا أن نسميه “ماوراء علم الجمال”، المؤلف من نشاط فلسفي يـُتمثل موضوعاه الأساسيان في كل ما هو جميل من جهة وفي خبرة الجمال من جهة أخرى؛ والثاني علم الجمال بمعناه المعاصر والاختصاصي، والمكون من كلتا المعرفتين العملية والنظرية في الإبداع الفني”.(ص18)

ثانياً:

مصطلحات فلكية:

انطلاقاً مما ورد في مختارات كتاب “تراثنا والجمال”، ثمة توجه واضح من الداخل إلى الخارج، من الفرد إلى الجماعة، ثم إلى الكون المحيط بهم. إذ يربط إخوان الصفا -في الاقتباسات المختارة لهم- تفاعل الناس مع ما يحيط بهم من ظواهر باللجوء إلى الحكمة وعبادة اللـه والشعائر الدينية من دعاء وخشوع، مصحوبة بتفاعل جمالي يكمن في الألحان الشجية المؤثرة ولاسيما في حال الحزن. واللافت هو إشارتهم إلى استعانة القدماء بدراسة أحكام النجوم، وهي نوع من التنجيم يختص بالربط بين مواضع النجوم والكواكب وحركتها والأحداث الطبيعية أو البشرية.

ويعرض كتاب “تراثنا والجمال” في مختاراته هذا النص لإخوان الصفا:

“واعلم يا أخي، أيدك اللـه وإيانا بروح منه، أن أحد الأسباب التي دعت الحكماء إلى وضع النواميس، واستعمال سننها، هو ما قد لاح لهم من موجبات أحكام النجوم من السعادات والمناحس، عند ابتداء القرانات وتحاويل السنين من الغلاء أو الرخص، أو الجدب أو الخصب، أو القحط… وما شاكلها من تغيرات الزمان وحوادث الأيام… فلم يجدوا حيلة أنجى ولا شيئاً أنفع من استعمال سنن النواميس الإلهية التي هي الصوم والصلاة والقرابين والدعاء عند ذلك بالتضرع إلى اللـه تعالى، جل ثناؤه، بالخضوع والخشوع والبكاء والسؤال إياه أن يصرف عنهم ذلك، ويكشف ما قد أوجبته أحكام النجوم من المناحس والبلاء… وكانوا يستعملون عند الدعاء والتسبيح والقراءة ألحاناً من الموسيقى تسمى “المُحزِن” وهي التي ترقق القلوب إذا سـُمعت، وتبكي العيون… فهذا كان أحد أسباب استخراج الحكماء صناعة الموسيقى، واستعمالها في الهياكل وعند القرابين والدعاء والصلوات”.(ص503)

ويستعرض النص لاحقاً أنواعاً أخرى من الألحان القديمة كالمشجّع الحافز على الشجاعة والإقدام، وألحاناً شافية أو مخففة للآلام، وغيرها مما يعزي النفوس أو يخفف كد الأبدان أو يبعث على الفرح والسرور.

ولعلنا نجد في مؤلفات مقاربة أو معاصرة لما ورد لدى إخوان الصفا المزيد من التفاصيل حول مصطلحات القرانات والتحويل، كما في مخطوط كتابه “البارع في أحكام النجوم” لـ ابن أبي الرجال ـ 432 هـ، يقول فيه:

“الجزء الثامن من الكتاب البارع في أحكام النجوم فيه تحاويل سني العالم… اعلم أرشدك اللـه أن معرفة تحويل سني العالم يستنبط من وجوه كثيرة وعدة، فمنهم من يستنبط ذلك من القرانات ومن طالع السنة وموضع انتهائه… ومعرفة الأحداث… منها التي تشمل… الخصب والجدب واختلاف الأهوية والأمطار وما أشبه ذلك… والحوادث التي تحدث في الجو كالنيران والشهب وذوات الأذناب والذوايب وما أشبه ذلك، ومن الأوائل من يجعل الاستدلال من حوادث الكسوفات التي تعرض في سني القرانات وتحاويل العالم مثل بطليموس، فقد كان أكثرُ اعتماده على هذا القران”.(ص248)

أما أبو الحسن كوشيار-420 هـ في كتابه المخطوط بعنوان: “المدخل في أصول صناعة أحكام النجوم”، فيقول:

“الباب الحادي عشر في القرانات، إن لأكثر هذه الصناعة في الحكم العام طريقة أخرى وهي قران المشتري وزحل… وما بين كل قرانين عشرين سنة بالتقريب… ولا يكاد يتحصل لنا طالع الوقت في قران هذين الكوكبين لبطء سيرهما وصعوبة الوقوف على أحوالهما المتعلقة بالرصد بالتحقيق، فجعلوا طالع السنة التي يتفق فيها القران طالع القران”.(ص25)

 

ومجمل قوله هنا أن كوكبي المشتري وزحل يقترنان في السماء للناظر إليهما من الأرض، مرة كل حوالي عشرين سنة، وبما أنهما كوكبان بطيئان، فيصعب تحديد اللحظة التي يقترنان فيها، لذلك تعتبر بداية السنة التي يقترنان فيها أي يصبحان في البرج نفسه، هي التوثيق لصفات الاقتران بحسب دراسة الأحكاميين له.

ويمكن أن نختتم ببعض من أقوال صاحب تصنيفات فلكية كثيرة، وهو أبو معشر البلخي- 271هـ، ومن كتبه “الأحكام على قرانات الكواكب”، وهو يقول في مخطوط كتابه: “المدخل الكبير في علم أحكام النجوم”:

“الفصل الرابع في مقارنة الكواكب بعضِها بعضاً وممازجة كيفياتها وأيها أقوى وأضعف، إن كل كوكب من الكواكب السبعة لها مقارنة مع غيره في بعض الأوقات… فأما مقارنتها فإنما يكون لبعضها مع بعض في بروجها التي هي فيه، وربما قارنت أيضاً بعض الكواكب الثانية… وإنما يقال للكوكب إنه مقارن لبعض ما ذكرنا إذا كانا في برج واحد، وأقوى لدلالته مقارنتها إذا كان بين أحدهما وبين الآخر خمس عشرة درجة فما دونها، أمامها أو خلفها”.(ص230)

أي إنه يعتبر الكوكبين مقترنين بمجرد وجودهما في برج واحد، ويكون الاقتران قوياً حين يتقاربان فلا تفصل بينهما سوى مسافة قليلة. ويعني بالكواكب السبعة، كواكب المجموعة الشمسية -كما نعرفها اليوم- المرئية بالعين المجردة، أي عطارد والزهرة والمريخ والمشتري وزحل، بالإضافة إلى الشمس والقمر، إذ إن كلمة كوكب عند العرب كانت تعني قديماً مجمل الأجرام السماوية.

ومن الجدير بالذكر اهتمامُ العرب القدماء ومعرفتـُهم من جهة أخرى في علم الهيئة وهي التسمية القديمة لعلم الفلك والفضاء المعاصر، وحرصهم على منطقية فهم المصطلحات، فيشرحون أن الاقتران ظاهري فقط للعين المبصرة، إذ يبدو جمال الكوكبين حين يظهران متقاربين أحدهما إلى جانب الآخر في السماء، أما في الواقع فلكل منهما مساره البعيد جداً عن الآخر. إذ يكمل أبو معشر شارحاً:

“وقد ظن قوم أن الكوكبين إذا اقترنا أنهما يجتمعان بجرمهما في موضع واحد من الفلك، وليس ذلك كذلك وإنما معنى اقترانهما مسامتة أحدهما الآخر، لأن أحدهما أعلى من صاحبه، وفلكه خلاف فلك الآخر، فسامت أحدهما صاحبه… فيراهما الناظر إليهما مقترنين لبعدهما من الأرض وبين أحدهما وصاحبه بعد كثير في العلو”.(ص231)

ثالثاً:

التذوق والتوابل ووجود الإنسان:

نطالع في كتاب “تراثنا والجمال” صفحات عديدة تدور فيها اقتباسات حول موضوع واحد هو التفضيل الجمالي الذوقي، وأصحاب الآراء فيها يتفقون حول فكرة أن الإنسان يحب ما وافق طبعه، وأن الجميل هو الملائم. ومن هذه الآراء نجد مفكرين كثيرين، منهم:

أبو حامد الغزالي، في قوله: “المدركات في انقسامها تنقسم إلى ما يوافق طبع المدرك ويلائمه ويلذه، وإلى ما ينافيه وينافره ويؤلمه، وإلى ما لا يؤثر فيه بإيلام وإلذاذ. فكل ما في إدراكه لذة وراحة فهو محبوب عند المدرك”.(ص195) “فلكل حاسة إدراك لنوع من المدركات، ولكل واحد منها لذة في بعض المدركات، وللطبع بسبب تلك اللذة ميل إليها، فكانت محبوبات عند الطبع السليم… ولذة الذوق في الطعوم”.(ص196) “فالإنسان يحب هذه الأشياء لا لأعيانها، بل لارتباط حظه في دوام الوجود وكماله بها”.(ص198)

أما ابن طباطبا، فهو يقرن الذوق الحسي بالمعنوي الأدبي: “وعلة كل حسَن مقبولٍ الاعتدالُ، كما أن علة كل قبيح منفي الاضطرابُ. والنفس تسكن إلى كل ما وافق هواها وتقلق مما يخالفه”.(ص284) “وللأشعار الحسنة على اختلافها مواقع لطيفة عند الفهم لا تُحد كيفيتها، كمواقع الطعوم المركبة الخفية التركيب اللذيذة المذاق”.(ص285)

وقريب منه ما يقرره إخوان الصفا من أهمية استذكار الخبرة الجمالية التي تتعدى لحظات اللذة الآنية: “اعلم أن جميع اللذات التي تجدها النفس الإنسانية نوعان: منها ما تجدها النفس بمجردها، ومنها ما تجدها بتوسط الجسد… والمدركات بطريق الذوق من الطعوم الموافقة لشهواتها… فهذه لذات تجدها النفس بتوسط الجسد مرتين: إحداهما عند مباشرة الحواس لها، والأخرى عند ذكرها لها”.(ص410)

ويدرس ابن سينا الذوق محللاً إياه بين الصحة والمرض: “اللذة تتبع الإدراكَ لا حصولَ الكمال، بل اللذة هي إدراك الملائم، فاللذة الحسية هي إدراك الملائم الحسي”.(ص414) “إن الحاسة الذوقية إذا عرض لها آفة لم تستطب الحلو، ولم تلتذ به”.(ص415)

إن العبارات السابقة تـُظهر رؤية العرب القدماء لجانب من جوانب الإدراك الإنساني، حيث يتفاعل الإنسان مع البيئة الخارجية، لتكون الحصيلة هي إحساساته الداخلية التي تتطور إلى انفعالات وتفضيلات جمالية مع الزمن، فاللذة هي إدراك الملائم، ولكن ما سببُ أن شيئاً ما هو الملائم وليس غيره؟ وما أسباب تكون الذوق في الأساس؟

لقد حفل القرن العشرون بالاكتشافات والعلم والمعرفة المقارنة حول العالم، وعلى يد علماء كثر في مختلف التخصصات، ومن ذلك ما نجده في كتاب “علم النفس التطوري العلم الجديد للعقل” لدافيد بوس، من شرح وتفسير لهذه الظاهرة، ونقتبس منه فقرات يفصـّلها حول أهمية التوابل وأسباب انتشارها على وجه الخصوص، وتفضيل الإنسان لها:

إنه يقرر أولاً التفضيلَ الجمالي لدى الأطفال والأسبابَ الفيزيائية له:

“لا يحب العديدُ من الأطفال بعض الخضار من مثل البروكولي وملفوف بروكسل. إذ تحتوي هذه الخضراوات على المادة الكيميائية… التي يمكن أن تكون سامة للأطفال على وجه الخصوص”.(ص179)

كما يحدد انفعال الاشمئزاز، وهو الذي يقف على طرف النقيض مع انفعال اللذة:

“انفعال الاشمئزاز هو تكيف مفترض يقوم بوظيفة الدفاع ضد الهجمات الجرثومية، مما يحمي الناس من أخطار المرض”.(ص180)

ثم يحلل مثالاً واحداً، وهو التوابل، تلك الإضافات التي قلما تخلو منها وجبات طعام الإنسان القديم أو المعاصر، بناء عليها يندرج ضمن الأكثر قبولاً واتصافاً بالجودة والجمال:

“لماذا يحب البشر التوابل؟… يتعين على البشر أن يأكلوا، إلا أن ما يدعو إلى السخرية، هو أن الأكل يطرح أخطاراً على البقاء… كدخول كائنات جرثومية خطرة، وكذلك دخول سموم قد تسبب المرض أو الموت… بالإمكان الحد كثيراً من العديد من الأخطار في بيئتنا الراهنة. ولكن لنتخيل ماضي أسلافنا… تأتي التوابل من النباتات- الأزهار، الجذور، البذور، الشجيرات، والثمار. وتنبعث من التوابل روائح فريدة، كما أن لها مذاقاً خاصاً بسبب مادة كيميائية تدعى المكونات الثانوية، تقوم… بوظيفة آليات الدفاع لمنع الكائنات الحية… من مهاجمتها.

إن استخدام نباتات التوابل من قبل البشر له تاريخ مكتوب طويل، يعود إلى آلاف السنين… فهي تقتل الكائنات الجرثومية، أو تحد من نموها، كما تمنع إنتاج السموم من الأطعمة التي نتناولها، وبالتالي تساعد البشر على حل مشكلة بقاء حرجة: تجنب الإصابة بالمرض أو التسمم من الطعام… ويزداد استعمال المزيد من التوابل، وخصوصاً القوية منها، في المناخات الأكثر حرارة، حيث يفسد الطعام غير المبرد بسرعة أكبر… ففي جو الهند الحار… تتضمن وصفة طبق اللحم النموذجية تسعة توابل، بينما تتضمن في طقس النرويج البارد أقل من نوعين من التوابل… وموجز القول، يشكل استخدام التوابل في الأطعمة إحدى الوسائل التي استخدمها البشر لمحاربة الأخطار التي تحملها الأطعمة التي نتناولها”.(ص181-182)

إن كتاب “تراثنا والجمال” للدكتور سعد الدين كليب، يضيء زوايا كثيرة ومهمة في تاريخ الفكر الجمالي عند العرب، عبر مفكريه وفلاسفته وأدبائه، وإن من الجماليات المستمرة لهذه المختارات ما تتيحه من أجواء الحوار بين ما سبق وما سيأتي، مع استمرارية الحضارة الإنسانية وتحولاتها الدائمة.

______________________________________________________

 

مصادر البحث ومراجعه:

ـ تراثنا والجمال- مختارات من الفكر الجمالي القديم، د.سعد الدين كليب، دائرة الثقافة- الشارقة، 2018

ـ البارع في علم النجوم والطوالع، تأليف علي ابن أبي الرجال -432 هـ، كتب سنة 1245 هـ، الظاهرية (الفلك): 256

ـ الجمال والإسلام جماليات الفن والعمارة الإسلاميين، فاليري غونزالس، ترجمة: كارولين توماس، الهيئة العامة السورية للكتاب، وزارة الثقافة، دمشق، 2018

ـ علم النفس التطوري العلم الجديد للعقل، دافيد م. بوس، ترجمة: د. مصطفى حجازي، مشروع كلمة، أبوظبي، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط1، 2009

ـ المدخل الكبير في علم أحكام النجوم، مخطوط، أبو معشر البلخي، المكتبة الوطنية في فرنسا، العربي رقم 5902

ـ المدخل في أصول صناعة أحكام النجوم، أبو الحسن كوشيار، مكتبة الملك سعود، الرياض، قسم المخطوطات، رقم 546

شاهد أيضاً

نعوم تشومسكي : إنها فرصتنا لخلق عالم مختلف،أو لن يتحقق ذلك

ثقافات –  ترجمة  : سعيد بوخليط   تقديم : يتضمن هذا الحوار،وجهة نظر اللساني اللامع والفيلسوف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *