الرئيسية / خبر رئيسي / على الشاطئ ليلا

على الشاطئ ليلا

خاص- ثقافات

*إبراهيم مشارة

جلست إلى الشاطئ ليلا وحيدا كأنني في جماعة مجتمعا كأنني في وحدة لأن طقوس الجماعة – مراسيمها وآدابها وأخلاقها- تدس أنفها  في  وحدتي رفعت رأسي إلى السماء – حارسة الصمت – مقبرة لا نهائية الأبعاد  وقد طمرت في أحشائها النجوم وكفنت بأضوائها أرعبني الصمت واستبدت بي الدهشة حد الإرباك. لم تغرق السماء في الصمت؟ هل وجدت أن اللغة خيانة للمعنى وأن المعاني الكبرى لا تصفدها الكلمات هل وجدت اللغة ابتذالا وموتا في الكلام؟
أنعمت  النظر هاهي كوكبة الدب الأكبر وبنات نعش الكبرى، في وسط الذيل نجم السها ذلك النجم الذي كانت تمتحن به قوة البصر، من يراه بالعين المجردة بصره حديد  ، في السابق  لم أكن أحتاج إلى الذهاب إلى طبيب عيون كنت أمتحن بصري بنجم السها ذلك النجم الذي تواتر المثل القديم بشأنه “أريها السها وتريني القمر” تريد أن تلفت نظر إنسان إلى أمر خفي فيضرب عنه صفحا ويشير إلى الجلي وأكثر من يثرثرون اليوم ويكتبون يشيرون إلى  الجلي الواضح إلى القمر الذي ابتذل بالكلام  لا إلى السها يخونون المعنى ويكرسون زيف اللغة ووهمها  ويأخذون على ثرثرتهم التلفزية أو المنبرية أو الورقية مالا وسمعة وشهرة يكسفون بها لا نجم السها وحده  بل القمر والشمس معا؟
مادمت أراه فبصري حديد لكن المشكلة في بصيرتي أعمتها الأقوال والمراسيم وآداب الرياء وحسن السمعة  تكلست عليها فحجبت عنها الرؤية غير بعيد عن  بنات نعش الكبرى الفرقدان حارسا القطب: نجمان نيران يشيران إلى سُرﱠة السماء النجم القطبي ولايذكر الفرقدان بلا أبي العلاء- المبصر بين العميان:

فاسْألِ الفَرْقَدَينِ عَمّنْ أحَسّا
مِنْ قَبيلٍ وآنسا من بــــــلادِ
كَمْ أقامَا على زَوالِ نَهـــــارٍ
وَأنارا لِمُدْلِـــــــجٍ في سَوَادِ
قريبا من  سرة السماء  أو قطبها السماوي كوكبة ذات الكرسي  حيث مجرة أندروميدا أقرب أسير كوني إلى الأسير الأول درب التبانة  في السابق كنت أميز في حلكة الظلام بقعة خافتة من الضوء هي المجرة عينها ، اليوم لم أعد أرى السها ولا أندروميدا ضعف بصري وقويت بصيرتي هل هي مفارقة أكثر الناس عمقا  في الحياة  هم العميان؟  ربما لكي ترى الجانب الخفي من الحياة تحتاج إلى فقد البصر فلا ترى أوهام الحياة تلك التي تكفي العين لرصدها لكن لشحذ بصيرتي احتجت إلى حرق سنوات عمري في كانون القلق والتأمل وعدم المبالاة بالآخرين وخاصة الأموات فهم أكثر تحكما في مصائرنا في عقولنا في أرواحنا سرحت بصري إلى كبد السماء حيث يتناثر الغبار الكوني الأبيض الخافت  من طرف السماء إلى طرفها الآخر  كوكبة الطائر النجم فيغا ألمع نجوم السماء كوكبة هرقل  حيث يقبع نجم الجاثي  هذا العنكبوت  الصابر في مصيدته الذي سوف يصطاد الشمس وتوابعها يوما وتنتهي العبودية الكونية بفناء الحياة وتحرر هشيم  المعنى.
حاولت نقض ترتيب  حبات المسبحة وتركيبها من جديد لم أفلح لم أر المجموعات النجمية إلا كما رآها القدماء الدب ،الدجاجة ، بنات نعش ….. آه كم يسيطر الماضي علينا لكي لا نعيد الاكتشاف ونضيع الوقت ونتيه في متاهات البحث نسلم بهذا التراكم المعرفي البشري  ونريح رؤوسنا من وجع الدماغ ونضيع متعة المغامرة ،من طبيعة الإنسان أنه لا يحب المرور بالأدغال – يخاف – بل الطرق المعبدة المرصوفة.
ظل صمت السماء يربكني يرعبني هل اكتشفت السماء أن الكلام ابتذال وسطحية وخيانة للمعنى صك بلا رصيد؟ لهذا آثرت الصمت البارد وتركت لنا نحن البشر الراسفين في أغلال رذيلة الحياة ممارسة رذيلة أخرى هي رذيلة الكلام.
تأملت البحر حتى هو لا يتكلم يتنفس يزفر موجة إلى الشاطئ ويشهق أخرى باستعادتها إلى صدره
لاشيء يخيفني مثل البحر وأخوف ما أخافه الموت غرقا في دياجير أحشائه ،الخوف تلك العبودية والضريبة التي ندفعها ونحن نواصل ممارسة رذيلة العيش .
البحر هذا السفاك الذي يلتذ بدماء ضحاياه من البشر ، هذا العاشق للحقيقة والتي لم يصل إليها فظل يبكي عليها ملايين السنين وهذه الأمواه دموعه ، هذا العالم المرائي الذي يخدعنا بغزارة جوفه وتنوع كائناته وعن حقيقة الحقائق المطمورة في عمقه حتى إذا روادنا عن أنفسنا ومسح على خوقنا الجبلي  وأغرانا بالحقيقة جئنا لجته فلم نجد شيئا  غير السراب لكن واأسفاه يقتلنا ويلفظنا هياكل عظمية على سطح لجته فلا حقيقة ولا هم يحزنون !
***
هل الحب وهم آخر نتعاطاه لنستعين به  على تباريح دفعنا للصخرة على هذا الجبل الأرضي في انتظار أن ترتد عينا كرة أخرى وأقوى فتدفعنا إلى قعر الظلام المطبق  فنكف عن ممارسة رذيلة الكلام والحياة معا؟
في البدء كانت الكلمة  نعم وكان معها كلمتان الندم والخوف،  نسران  مجنحان عيناهما بشعتان باردتان كعيني ميدوزا  ومخالبهما قاسية كالفولاذ يحطان على أفنان أعمارنا يطير بك الأول ويصعد بك في سماء أحلامك آمالك رغباتك أوهامك  ثم يرميك من شاهق نازف الجرح مرعوب الفؤاد ثم يتداولك الثاني لتلقى نفس المصير  وما حياتك إلا مداراة هذين الطائرين وفي كل أنت تبع لهما .
***
–       لماذا ندمت حين فعلت؟ خفت من عاقبة فعلك؟
–       يابني لا تلم الدمعة بل لم الجفن ولا تلم الكلمة بل لم الشفة إنما أنا تربة أنبت ما زرع في  في الأزل وقد أسلمتكم تلك التركة-الخوف والندم- بكل أمانة.
***
أحس بوجودي كلما حاولت التحرر من الخوف ومن الندم وأفقد هذه الخصيصة  كلما سيطرا  علي !
أنا سراب وأنتم كذلك فلم أرائيكم وأحسب لكم حسابا وأجتهد في  أن أنال رضاكم عني وأقيم وزنا لكلامكم وأحكامكم فهل لكلامكم عني معنى مادام لن يغير من هويتي – إنيتي – السرابية؟
***
لماذا يثيرنا منظر مقبرة أمام البحر؟ هل  لتجاور بحر الحقيقة  مع بحر المجاز  وتماسهما حين نقف كنقطة بين عالمين حائرة في هويتها أم انطماس الحقيقة في بحر العيان  كانطماسها في بحر  الغياب  يهيج أحاسيسنا وتبدأ لذة الحيرة وعذابها في آن واحد؟
قبل أن أغادر موقعي في منتصف الليل أخرجت إلى البحر بحري الجواني  انكمش البحر البراني   حتى غدا نقطة  أحس بخجله  فبحر الإنسان الداخلي أعمق وأوسع  من البحر الخارجي لا تسبح فيه إلا   قروش  الشك ،الخوف ،الحيرة ،القلق ،الأسى والندم.

الرياح تهب فلنحاول أن نحيا!

والهواء الرحب يفتح كتابي ويغلقه

والموجة المنسحقة تصبو أن تتفجر من الصخور

اقلعي يا صفحات شديدة الإبهار

هشمي أيتها الأمواج ، حطمي بمياه بهيجة

هذا السقف الهادئ الذي عليه تسعى لرزقها الأشرعة.

بول فاليري المقبرة البحرية

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *