الرئيسية / إضاءات / طريق الحكمة، طريق السلام: كيف يفكّر “الدالاي لاما”؟ (7)

طريق الحكمة، طريق السلام: كيف يفكّر “الدالاي لاما”؟ (7)

 

*ترجمة وتقديم : لطفية الدليمي

 

    يُعدّ الدالاي لاما إحدى أكثر الشخصيات أهمية في عالما المعاصر ، وتأتي أهميته من كونه يطرح مفهوماً للدين هو أقرب إلى النسق  المجتمعي – السايكولوجي – الثقافي المغاير للمنظومة اللاهوتية الفقهية المتداولة ؛ وعليه سيكون أمراً مثمراً الإستماع إلى آرائه التي يطرحها في شتى الموضوعات المهمة على الصعيدين الفردي والعالمي .

   أقدّم في هذا القسم ( وأقسام أخرى لاحقة ) ترجمة لأجزاء منتخبة من بعض فصول الكتاب المسمّى ( طريق الحكمة ، طريق السلام ) الذي أوشك على إتمام ترجمته .

   إعتمدتُ في ترجمة هذا الكتاب على النسخة الإنكليزية التي نشرتها دار نشر ( Crossroads Publishing Company ) عام 2004 .

                                                   المترجمة

                                               

                          عن البوذية التبتية

 

   حتى لو ارتدى الرهبان زياً مختلفاً ؛ فإنّ ” الحقائق النبيلة الأربع

                            لاتزال صالحة للتطبيق

 

*  يلعب اللامات في البوذية التبتية دوراً جوهرياً ، وكنتيجة لهذا الدور هل يصحّ اعتبار البوذية التبتية ممثلة لنزعة لامانية Lamaism وتركيب سلالي منفصل عن سلالة البوذية الهندية الاصلية ؟

–  كلّ من يعرف البوذية التبتية معرفة حقّة يعلم أن ليس من مسوّغ للحديث عن مدرسة مختلفة عن البوذية الهندية ؛ لذا حتى لو بدا الرهبان والراهبات في هيئة مختلفة عن الهنود من حيث المظهر الخارجي – أقصد في طريقة ارتدائهم أرديتهم المميزة – فنحن نتبع تماماً النصوص الهندية القديمة في كلّ الحيثيات ذات الأهمية الخاصة . يكمن جوهر الممارسة البوذية في الكفّ عن إيذاء كائن من كان ومدّ يد العون والمساعدة للآخرين بأقصى ماتستطيعه قدراتنا ، ونحن – البوذيين – نعيش طبقاً لتعاليم بوذية الماهايانا Mahayana أو ” العربة الأعظم ” كما تُدعى ، وتعدّ التضحية بالنفس والنزعة الإيثارية بالنسبة لنا موضوعات جوهرية وحاسمة كما تقتضي تعاليم الماهايانا ، ويتوجّب على أفكارنا وأفعالنا أن تكون دوماً متمركزة على سعادة الآخرين ورفاهيتهم وطيب حياتهم . ثمة مقارنة في هذا المجال يمكن بها مقارنة الماهايانا مع بوذية الهينايانا Hinayana التي تعني ” العربة الأصغر ” والتي تركّز على عدم إيذاء الآخرين وحسب .

                 طريقة مختلفة في التفكير من غير قتال

 

*  ثمة مدارس وتيارات مختلفة تطوّرت في بوذية الماهايانا . أتساءل هنا ، وبالضد ممّا يحصل غالباً في الغرب : لمَ لم تؤدِّ تلك المدارس والتيارات المختلفة إلى نشوء انقسامات ؟ ؛ إذ لايزال ممكناً للرهبان المنتمين إلى مدارس فلسفية مختلفة أن يعيشوا معاً في المعبد البوذي ذاته ؟

–  شاعت البوذية في التبت على نحو تدريجي من خلال معلّمين مختلفي المشارب ؛ لذا ترتّب على هذه الحقيقة أن تطوّرت تقاليد متباينة ، وبرغم وجود اختلافات فلسفية كبرى بين المدارس البوذية لكننا لازلنا جميعنا متفقين على المشتركات الجوهرية الأساسية . وبالإضافة إلى ماتقدّم فإنّ الناس هنا يعبّرون عن أفكارهم بطرق مختلفة كما يحصل في أيّ مكان آخر في العالم .

              حتى الناس البسطاء يأنسون للجدالات الحادّة

 

*  يشتمل التدريب البوذي على المجادلة Debating . ربما يكون أكثر يسراً على المدارس المختلفة أن تتعايش سوياً بسلام عندما يُتاحُ للجدالات الفلسفية أن تحصل طبقاً لقواعد محدّدة هي أقرب لأن تكون شعائر طقوسية راسخة ؟

– قد يكون الأمر كذلك . تُمتَحَنُ القدرات الفكرية للراهب تبعاً للكيفية التي يستطيع من خلالها إثبات وجهة نظره في سياق فنّ المجادلة ، ويحصل هذا الأمر بالطريقة التالية : يطرح إثنان من الرهبان أسئلة الواحد على الآخر ، وفي الوقت الذي يفعلان فيه هذا يجب عليهما أداء حركات جسدية محدّدة تحديداً صارماً ؛ فالراهب الذي يطرح سؤالاً على نظيره يجب عليه أن يصفق بيديه ويضرب الأرض برجليه بطريقة نسقية تراتبية كما لو أنه يريد للمعركة ( الفكرية ) أن تبدأ ، وهنا يمكن أن تسخن الأجواء كثيراً في قاعة المجادلة. من الطبيعي أن يحاول كلّ من الراهبين وبطريقة لاهوادة فيها تفنيد الدلائل الحجاجية للطرف المقابل ، والمبارزة الفكرية برمّتها هي مسألة سرعة بديهة ، وقدرة على إبتكار الأجوبة المميزة ، وبراعة لافتة للنظر . بالنسبة لنا ليست النقاشات الفلسفية أو الدينية سبباً مسوّغاً للنزاعات الشخصية ؛ إذ عندما يغادر الراهبان منطقة المحاججة الجدالية بعد ” معركة ” حامية الوطيس مادّتها الكلمات والأفكار لانلمح آثار غضب أو كراهة تجاه بعضهما . ليس هذا التقليد بجديد لدى التبتيين ؛ فقد كانت المجادلات شائعة شيوعاً عظيماً بين عامّة التبتيين وبسطائهم في الأزمنة القديمة المبكّرة من بدء التأريخ التبتي ، وكان هؤلاء في العادة يمضون ساعات وهم جالسون في القاعات الداخلية للمعابد البوذية يستمعون إلى النقاشات الجدالية الحادة ويستمتعون بها على الرغم من أنّهم لم يكونوا يفهمون بالتأكيد الكثير من التعقيدات الفكرية التي إنطوت عليها تلك النقاشات .

                               دين من غير إله

 

*  بالنسبة لنا – المسيحيين – يصبح دين مثل البوذية لايعترف بالإله الخالق ديناً إلحادياً ينطوي على تناقض في ذاته ؛ ولكن برغم ذلك ، وإذا مافهمتُ الأمر بطريقة صحيحة فإنّ البوذية التبتية تتجنّب كلاً من الإيمان بإله واحد وبعدم الإيمان معاً ؟

–  ثمة نوعان من الأديان : النوع الأول مثل البوذية أو اليانية * هي أديان لاتتمحور على إله شخصي ؛ لذا يمكن وصفها بأنها تعاليم غير إلهية . ثمة نوع ثانٍ هو الديانات التوحيدية مثل اليهودية والمسيحية والإسلام التي تؤمن بإله خالق العالم . إنّ خلق العالم ، ومسبّبات وتأثيرات كلّ من السعادة والشقاء هي أمور يمكن تفسيرها بطرق مختلفة تبعاً لكلّ دين من تلك الأديان .

   يمكن اعتبار البوذية ديناً إلحادياً لأننا لانؤمن بإله خالق الكون ؛ لكنما نحن ندرك وجود كينونات علوية إختبرت العديد من عمليات التنقية وطرح الشوائب عنها ، وكلّ كائن يمتلك حساسية معقولة يحمل في دواخله القدرة على بلوغ التجسيد الروحاني أو المرتبة الروحية العلوية لهذه الكينونات الروحية ، وبالإضافة لذلك نحن نفترض وجود مستوياتٍ مختلفة من الوجود ؛ وهنا بالضبط  يكمن الإختلاف الجوهري بين الأديان الرئيسية في العالم .

   تقوم البوذية على أساس ” الحقائق النبيلة الأربع ” : نحن – البوذيين – نعيش في عالم من غير إله ، وفي الوقت الذي يمثّل الإله الخالق بالنسبة للآخرين من أتباع الديانات الأخرى جوهر تعاليمهم الدينية فإنهم يتفقون جميعاً على أنّ المحبة والتعاطف هما مايجعل الناس في وضع أفضل . بالنسبة لنا ، الماهاكارونا Mahakaruna – التي تعني الرقة الشافية العظيمة التي نبديها تجاه كلّ الكائنات الحسّاسة – هي الأمر الأكثر جوهرية بين كلّ التعاليم الدينية .

                            تعاليم بوذا منطقية

 

*  إذا لم يكن ثمة إله شخصي ( في البوذية ) ؛ فإلى من تتوجه بصلاتك إذن ؟

–  في الديانات التوحيدية يتطلّع المؤمنون إلى مساعدة الإله وعونه من أجل ضبط مشقات وجودهم البشري والسيطرة عليها . إنّ مفهوم الإله كلي القدرة لايمنح جواباً مناسباً للسؤال بشأن السبب الكامن وراء خلق المشقات والمعاناة واللاعدالة من جانب الإله الطيّب والمحب وكلي القدرة ؛ بل وقد نمضي إلى التصوّر بأنّ الإله ينطوي على شيء من القسوة لأنّه يسمح بمجيء الناس إلى عالم يختبرون فيه شتى صنوف المعاناة والألم ؛ غير أنّ بوذا ، في المقابل ، كان شديد الإهتمام بتوفير أسباب منطقية لكلّ شيء صار جزءً أصيلاً من تعاليمه . إنّ الخلق ، وبداية كلّ الأشياء ، وسواها من الموضوعات المشابهة هي أشياء لاتمتّ إلى المنطق بصلة ما ، والأديان التوحيدية التي تتمحور على مبدأ الإله الخالق الكلي القدرة إنّما تمنع أتباعها من مساءلة ” كلمة الإله ” ** أو حتى رفضها في حال ثبت لهم أنها تتناقض مع حسّهم النقدي الجمعي ، وهنا سينشأ بالضرورة خطرٌ جسيم بسبب أنّ المؤمنين بتلك الأديان التوحيدية  سيُخضِعون انفسهم لوصايا الإله وتعاليمه المسطورة في ثنايا الكتب المقدّسة كنتيجة للطاعة العمياء لتلك الأديان ؛ في حين نحن نرى أنّ الإيمان الأعمى لايقودنا خطوة أبعد في المسار المؤدّي إلى الإستنارة .

   التركيز بالنسبة لنا – البوذيين – ليس على الإله بل على الإستنارة ، والكائن البشري مسؤول عن حياته الشخصية ؛ فهو وحده خالق قدره ومصيره . بوذا لم يخلق العالم ، وهو ليس مسؤولاً عن النواقص والمثالب في العالم ؛ لكنه يرينا الطرق – فحسب – التي نستطيع من خلالها المضيّ من الحالة الحاضرة المكتنفة بالمعاناة نحو حالة الإكتمال ، وهذا هو السبب – بالإضافة لأسباب أخرى – الذي جعل بوذا لايدبّج أية تعاليم بشأن وجود الإله .

*  اليانية: Jainism  هي إحدى الديانات الهندية ذات الطابع الفلسفي ، نشأت في الهند القديمة تبعا لتعاليم ماهافيرا (حوالي القرن السادس قبل الميلاد) ، ويشكّل أتباع هذه الديانة حالياً أقلية في الهند إضافة لتجمعات مهاجرة متزايدة في كل من الولايات المتحدة وبلدان غربي أوروبا ، وأفريقيا ، والشرق الأقصى ومناطق أخرى حول العالم . تحافظ اليانية على التقاليد القديمة الخاصة بالزهد . إمتلكت اليانية دوماً تأثيرات عديدة على كامل الثقافة الهندية الدينية والأخلاقية والسياسية على امتداد أكثر من ألفيتين ، وتركّز اليانية على الاستقلالية الروحانية ومذهب المساواة لجميع أنواع الحياة مع التأكيد على اللاعنف والضبط الذاتي . ( المترجمة )

**  واضح أن الإشارة هنا هي إلى الكتب الموصوفة بالمقدّسة لدى الأديان التوحيدية . ( المترجمة )

 

 

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *