الرئيسية / إضاءات / الفيزياء والفلسفة؛تطوّر الأفكار الفلسفية منذ ديكارت حتى نظرية الكمّ (2)

الفيزياء والفلسفة؛تطوّر الأفكار الفلسفية منذ ديكارت حتى نظرية الكمّ (2)

  * ترجمة وتقديم : لطفية الدليمي

   تمثّل الفيزياء – بسبب طبيعة مباحثها المعرفية – التوأم الطبيعي للفلسفة ، وقد تطوّرت هذه العلاقة التوأمية بين الفيزياء والفلسفة منذ بواكير الفلسفة الإغريقية التي يمكن عدّ أقطابها الأعلام أوائل فيزيائيي عالمنا ، ولابدّ هنا من الإشارة المحدّدة إلى الفيلسوف الإغريقي ( ديموقريطس ) الذي كان أوّل من أشار إلى المبدأ الذري Atomism  وتخلّدت ذكراه في العمل الفلسفي الفخم الذي كتبه ( لوكريشيوس ) بعنوان ( في طبيعة الأشياء De Rerum Natura ) .

   ترسّخ الإرتباط الوثيق بين الفيزياء والفلسفة في العصور اللاحقة للعصر الإغريقي حتى بزوغ عصر الميكانيك النيوتني الذي جاء بأدوات رياضياتية مستحدثة ( هي رياضيات التفاضل والتكامل ) في التعامل مع الظواهر الطبيعية ، ثمّ ترسّخ دور الرياضيات في الفيزياء بعد الفتوحات العلمية العظيمة التي تحققت ؛ لكن هذا الأمر لم يلغِ الشغف الفلسفي بقدر ماأعاد تشكيله ، وظهر مفهوم ( الفيزيائي – الفيلسوف ) كواقع حال تفرضه طبيعة الإشتغالات الفيزيائية التي تتعامل مع مفاهيم ذات مدلولات فلسفية مثل : الزمان ، المكان ، الفضاء ، طبيعة القياس ، التزامن ،،،، وليس غريباً أن تسمّى أقسام الفيزياء في كثير من الجامعات ( وبخاصة الأسكتلندية منها ) بأقسام ( الفلسفة الطبيعية Natural Philosophy ) في إشارة واضحة إلى تأصيل الفيزياء وعلاقتها التوأمية بالفلسفة ، ويلاحظ في هذا الشأن أنّ الفلسفة المعاصرة باتت أكثر إلتصاقاً بالإشتغالات الفلسفية التي شغلت الكائن البشري منذ بواكير وجوده الأولى ؛ فقد أثارت المعضلات المفاهيمية التي جاءت مع نظرية الكمّ تساؤلات فلسفية معمّقة لطالما كانت ميدان نظر العديد من الفيزيائيين – الفلاسفة مثل : ألبرت آينشتاين ، إرفين شرودنغر ، ماكس بورن ، ديفيد بوم ، فيرنر هايزنبرغ ،،، الخ .

   أقدّم في هذا القسم ( وأقسام لاحقة ) ترجمة للفصل المعنون ( تطوّر الأفكار الفلسفية منذ ديكارت حتى نظرية الكمّ ) من كتاب ( الفيزياء والفلسفة : الثورة في العلم الحديث Physics and Philosophy : The Revolution in Modern Science ) للفيزيائي – الفيلسوف فيرنر هايزنبرغ Werner Heisenberg الذي كان أحد الفيزيائيين الطلائعيين في ترسيخ مفاهيم نظرية الكمّ ، وقد نُشِر الكتاب في طبعته الأولى عام 1958 ولم يزل يُعدّ كتاباً مرجعياً حتى يومنا هذا .

                                                           المترجمة

   من جانب آخر ، كان أمراً يسيراً للغاية أن نتنبّأ منذ البدء بالصعوبات التي ستواجه عملية التمييز تلك ؛ إذ خلال التفرقة بين ( الكينونة المفكّرة ) و ( الكينونة الممتدّة ) على سبيل المثال سنجد ديكارت وقد دُفِع دفعاً لأن يصنّف الحيوانات في خانة ( الكينونة الممتدّة ) بالكامل ، وعلى هذا تكون الحيوانات والنباتات لاتختلف بشيء عن الماكِنات machines من حيث أنّ سلوكها منقادٌ تماماً بعللٍ مادية ، ويبدو أنّ من الشاقّ علينا – نحن البشر – تصوّر وجود نوعٍ من الروح في الحيوانات ، وبالإضافة لذلك فإنّ المفهوم القديم للروح – كما يظهر في فلسفة توماس الاكويني مثلاً – هو أمرٌ أكثر تساوقاً مع السمات الطبيعية واقلّ قسريّة من مفهوم ( الكينونة المفكّرة ) الديكارتي حتى في تلك الحالات التي نقتنع فيها بأنّ قوانين الفيزياء والكيمياء تشمل بدقتّها الكائنات الحيّة . كان من بعض النتائج المستخلصة المتأخرة لهذه الفكرة الديكارتية أنّنا إذا نظرنا – ببساطة – إلى الحيوانات باعتبارها ماكناتٍ فسيصعب حينها علينا ألّا نقول الشيء ذاته عن البشر ، ومن ناحية أخرى لمّا كانت ( الكينونة المفكّرة ) و ( الكينونة الممتدّة ) قد أعتُبِرتا أمرين مختلفين تمام الإختلاف في الجوهر فسيكون من الطبيعي ألّا نتوقّع أن يكون لإحدى الكينونتين تأثير على الأخرى ؛ وبموجب هذه الرؤية ولكي نقيم توازياً كاملاً بين خبرة العقل وخبرة الجسد فلامناص حينئذ من أن يكون النشاط العقليّ هو الآخر منقاداً بالكامل لسطوة قوانين تُناظِر قوانين الفيزياء والكيمياء ، وهنا تنشأ موضوعة إمكانية ( الإرادة الحرّة ) . إنّ من الواضح تماماً كون كلّ هذا الوصف ليس سوى وصف إصطناعيّ بشكلٍ من الأشكال ، وإلى جانب ذلك فهو يكشف عن المثالب الخطيرة في عملية التمييز الديكارتي .

   من ناحية أخرى سنجد أنّ التمييز بين عناصر الثالوث الديكارتي في حقل العلوم الطبيعية كان ناجحاً كلّ النجاح ولبضعة قرون لاحقة ؛ فقد شرع الميكانيك النيوتنيّ ( نسبة إلى نيوتن ، المترجمة ) وكلّ الفروع الأخرى من الفيزياء الكلاسيكية المشابهة له من إفتراض أوّلي يصرّح بإمكانية وصف العالم من دون الحديث عن الإله أو عن أنفسنا ، وبدت هذه الإمكانية حينها وكأنها تكاد تبلغ مبلغ الشرط اللازم والضروري لكلّ العلوم الطبيعية بعامّة .

   لكنّ الوضع تغيّر بعض الشيء بسبب نظرية الكمّ Quantum Theory  ، وهنا فقد يكون أمراً لازماً وقد بلغنا هذا الموضع أن نقارن بين النسق الفلسفي لديكارت مع الوضع الحالي في الفيزياء الحديثة . قلتُ في مواضع كثيرة من قبلُ أنّنا نستطيع المُضيّ في تفسير كوبنهاغن لنظرية الكمّ * من غير التطرّق إلى ذكر أنفسنا كأفراد مستقلّين ؛ لكننّا لانستطيع تجاهل حقيقة أنّ الإنسان هو مَن خلق هيكل العلوم الطبيعية ، والعلوم الطبيعية ذاتها ليست محض وصفٍ وتفسير للطبيعة فحسب بل هي جزءٌ من التفاعل بين الطبيعة وأنفسنا ، وهي تصف الطبيعة بعد أن نخضعها لطريقتنا المنهجية في المحاكمة والإستيضاح ، وتلك إمكانية لم يكن ديكارت ليطيل التفكّر فيها لكنّها تجعل عملية الفصل الحاسم بين العالم والأنا مستحيلة .

   لو إقتفينا آثار الصعوبة البالغة التي جابهت حتّى أعاظم علماء الفيزياء ( من أمثال آينشتاين ) في تفهّم وقبول تفسير كوبنهاغن لنظرية الكمّ فسنجد أنّ جذور تلك الصعوبة المعسِرة تعود لعملية التمييز الديكارتي بين أقانيم مثلّثه العتيد ؛ إذ حصل أن تغلغلت آثار هذا التمييز عميقاً في العقل البشري خلال القرون الثلاثة التي إنقضت عقب ديكارت ، وسيتطلّب الحال زمناً طويلاً حتى تُتاح لنا إمكانية  إستبدال التمييز الديكارتي بموقف آخر يختلف إختلافاً جذرياً في رؤيته لمعضلة الواقع .

   أمّا مايخصّ الوضع الذي قادت إليه عملية التمييز الديكارتي بالنسبة لِـ ( الكينونة الممتدّة ) فقد كان شيئاً يمكن أن نخلع عليه مسمّى الواقعية الميتافيزيقية ؛ فالعالم – ونعني بذلك الكينونات الممتدّة – ” موجود ” ، ويتوجّب أن نميّز بين الواقعية الميتافيزيقية والواقعية العملية . من الممكن أن نصف الأشكال المتمايزة من الواقعية على الشاكلة التالية : نحن ” نُضفي قدراً من الموضوعية objectivate ” على كلّ عبارة إذا إدّعينا أنّ محتوى تلك العبارة لايعتمد على الظروف اللازمة لإثباته . تفترض الواقعية العملية وجود عبارات يمكن إضفاء قدر من الموضوعية عليها ؛ بل أنّ الجزء الأعظم من خبرتنا في الحياة اليومية يتألّف في واقع الأمر من مثل هذه العبارات ، وتدّعي الواقعية الدوغمائية من جانب آخر ألّا لعبارات تتعلّق بالعالم المادي لايمكن إضفاء الموضوعية عليها . كانت الواقعية العملية دوماً ( وستظلّ دوماً كذلك ) جزءً جوهرياً من العلوم الطبيعية ؛ في حين أنّ الواقعية الدوغمائية – على الشاكلة التي نراها بها اليوم – ليست شرطاً ضرورياً مسبقاً للعلوم الطبيعية ؛ وبرغم ذلك فقد ساهمت مساهمة مهمّة في تطوّر العلوم ، بل ويمكن القول أنّ الوضع المتسيّد في الفيزياء الكلاسيكية هو وضع واقعيّة دوغمائية ، ووحدُها نظرية الكمّ هي التي عرفنا من خلالها أنّ العلم الدقيق يمكن بلوغه من غير أية معونة من واقعية دوغمائية . تأسّس نقد آينشتاين لنظرية الكمّ على الواقعية الدوغمائية ، وهذا موقف طبيعي للغاية لأنّ كلّ عالِمٍ يُجري التجارب إنّما يشعر بأنّه يبحث عن شيء له حقيقة موضوعية ، وفي الوقت ذاته  لايرغب أن تعتمد عباراته على الظروف اللازمة لإثباتها ، وثمّة حقيقة لاتنفك تخبرنا أنّنا نستطيع تفسير الطبيعة – وبخاصة في الفيزياء – بقوانين رياضياتية بسيطة ، وهنا يستشعر المرء بأنّه يقابل جانباً حقيقياً من جوانب الواقع لاشيئاً من إبتكاراتنا البشرية بكلّ مافي عبارة ( إبتكاراتنا البشرية ) من معانٍ ذات دلالة طاغية . هذه الحقيقة هي التي كانت ماثلة في عقل آينشتاين عندما جعل الواقعية الدوغمائية أساساً للعلوم الطبيعية ؛ غير أنّ نظرية الكمّ ذاتها تمثل مفارقة صارخة من حيث أنّها مثالٌ لإمكانية تفسير الطبيعة بقوانين رياضياتية غاية في البساطة من دون الحاجة إلى تمثّل هذا الأساس ( من الواقعية الدوغمائية ، المترجمة ) ، وقد لاتبدو قوانين ميكانيك الكمّ بسيطة عند مقارنتها بميكانيك نيوتن ؛ غير أنّنا إذا مادقّقنا في التعقيد العظيم للظواهر المطلوب تفسيرها ( على سبيل المثال  فحسب : الطيف الخطي للذرّات المعقّدة ) فسنجد أنّ الصياغة الرياضياتية لنظرية الكمّ بسيطة نسبياً . الحقّ أنّ العلم الطبيعيّ كلّه يمكن تشييد هياكله من دون معونة من أساسٍ يستمدّ قوّته من الواقعية الدوغمائية .

 *  تفسير كوبنهاغن لنظريّة الكم Copenhagen Interpretation of Quantum Theory  : هو أحد أهمّ التفسيرات شيوعاً في علم ميكانيك الكم ، ويفترض التفسير أن ميكانيك الكم لاتسفر عن وصف الظواهر الطبيعية بشكل موضوعي ولكن تتعامل فقط مع احتمالات الرصد والقياس ، ولعلّ أغرب فروض هذا التفسير هو أن عملية القياس ذاتها تؤثر على سلوك النظام الكمي بمعنى أن عملية القياس تسبّب ما يعرف بـ ( انهيار الدالة الموجية Wave Function ) ، وقد وضعت المفاهيم الأساسية لهذا التفسير من قبل(  نيلز بور )  و ( فيرنر هايزنبرغ ) و ( ماكس بورن )  وغيرهم في السنوات 1924- 1928 . ( المترجمة )

_________
*المدى

 

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *