الرئيسية / خبر رئيسي / رحلة في كتاب ضياع جائزة نوبل للدكتور برايان كيتينغ

رحلة في كتاب ضياع جائزة نوبل للدكتور برايان كيتينغ

خاص- ثقافات

*عرض: ميكايل روسن/ ترجمة: إبراهيم عبدالله العلو

يقول عالم الفيزياء الحائز على جائزة نوبل ريتشارد فينمان ” إذا لم تتمكن من شرح شيء لطفل في السادسة من العمر فإنك لا تفهمه قط.” وتتوافق هذه المقولة (ربما المنسوبة إليه) مع محاضرات فينمان الرائعة الشهيرة  التي إتسمت بالسلاسة وطلاقة التعبير.

ولكنها وجدت لها  مكاناً في الخيال الشعبي بسبب إحساسنا الضمني ان الفيزياء رغم تعقيدها البيزنطي توفر لنا أجوبة بسيطة أساسية للأسئلة البشرية العميقة التي تعود لآف السنين : ما هو أصل الكون ؟ وما هو موقعنا فيه؟ وكيف نعلم إن كنا الوحيدين فيه؟

لست عالم فيزياء ولا فيلسوفاً ولكن والدي الفيزيائي وجه “فينمانه” الداخلي وشرح لي هذه المفاهيم وأنا في السادسة من العمر(ولإبنائي ذوي السنوات الست) بإسلوب واضح ومشوق.

واليوم يراهن عالم الفيزياء من جامعة كاليفورنيا في سان دييجو (وصديقي الشخصي) الدكتور برايان كيتينغ في هذا الكتاب الألمعي الجذاب السهل القراءة الشامل لمصورات  إيضاحية عديدة لدراسة علم الكون وسياسات جائزة نوبل على ادعاءه ان يصبح فينمان لجمهور القرن الواحد والعشرين- ويسعى لبلوغ أعلى تفوق وتميز في ذلك التخصص.

يقدم كتاب” ضياع جائزة نوبل” معالجة شاملة لفيزياء نوبل على علاتها ويخلط بين الذكريات والتاريخ العلمي والإسلوب التعليمي والسفر إلى القارة القطبية الجنوبية والمجادلة الإنفعالية.

وكما يفترض كيتينغ في المستهل:

تشبه جائزة نوبل عملة معدنية ولها أوجه ثلاث. تراقب ، أو الوجه الإيجابي، وتضاهي الإحترام والإجلال الذي تسبغه على العلم والعلماء.

تناقض وتعارض ،الوجه السلبي، وتعكس آلية معاقبة التعاون وتتسبب بتنافس شرس على موارد محدودة.

وأخيراً تستحضر حواف الميدالية المذهبة مستقبل الجائزة الذاهلة في الحقبة العلمية الحديثة. ويتسائل العديد من العلماء الشباب اليوم: هل أصبحت جائزة نوبل عملة عادلة؟

يتجاوز مبحث كيتينغ الشخصي تصورنا للزمن والفضاء. ويشرح قائلاً”لطالما أثارني سؤال آخر: هل تستطيع أدوات علم الكون الحديثة والحواسيب والتليسكوبات والعقول البشرية والمجسات الفائقة الحساسية-الملاحظات والمعلومات الحقيقية- إخبارنا عن إبتداء الزمن أم لا؟”

يستعرض كيتينغ تاريخه الأسري الغريب ورحلته الروحية والتي تشمل إفتراق والديه والنقاشات الدينية ويقدم لنا تاريخاً غنائياً لعلم الفلك الحديث.

يبدأ مع مخترع التيلسكوب جاليليو(وبشكل أكثر دقة مع عالم هولندي مجهول استنسخ جاليليو إختراعه) ويتابع وصولاً إلى “المناظرات الكبرى” حول نظرية مركزية الشمس وموضع الأرض الدقيق ضمن مجرة درب التبانة وأي نظرية سواء الإنفجار العظيم أو الحالة المستقرة(التي افترضت أن الكون سرمدي ليس له بداية أو نهاية ويتمدد للأبد) تجسد بشكل أفضل أصول الكون وهل نقطن في كون أو أكوان متعددة.

يسرف كيتينغ في إيلاء إهتمام أكبر بهذه النقاشات الحامية والحاسمة  لبدايات حكاية تطوره الشخصي .

افترض مناصري الإنفجار العظيم “فردانية” مكثفة بلا نهاية تحتوي كافة عناصر الكون التي تمددت في البداية بسرعة ومن ثم ببطء بينما جادل أنصار الحالة المستقرة عن كون سرمدي يتمدد ويتطور على نحو متزايد.

يقتفي كيتينغ التطورات التقنية خلال العقود الماضية التي سمحت لعلماء الكون بشكل متزايد بقياس خلفية الأمواج  الميكروية الكونية التي توفر توكيلاً لتحديدعمر أصل الكون والتطورات الأولى التي رجحت كفة النقاش بشكل تدريجي لصالح الإنفجار العظيم.

وتتقاطع حكاية كيتينغ الكونية الشخصية هنا مع القصة الأعظم وهو يصف محاولاته في أواسط عام 2000 لتطوير وتمويل وبناء و نشر أداة مقرابية جديدة-أول تليسكوب انكساري رئيسي على مدى قرن من الزمن- يدعى التصوير الخلفي للاستقطاب الكوني خارج المجرة.

ويوازي رحلته للقطب الجنوبي لتركيب التليسكوب مع السباق القاتل عام 1904 بين روالد امندسن وروبرت فالكون سكوت:

”  يضفي الفوز سواء في العلم أو الإستكشاف أبهة عالمية وشهرة أبدية.

وتقع تلك المساعي على الحدود القصوى للذكاء البشري والمقدرة الجسدية.”

استأثر المقراب بنجاح مبكر في كشف تلميحات من  خلفية الأمواج الميكروية الكونية وسرعان ما إندفع زملائه لتطوير المقراب الثاني الذي يضاعف قوة سابقه التقريبية.

مع تزايد الطهاة في المطبخ الكوني وجد كيتينغ وفريقه من جامعة كاليفورنيا في سان دييجو أنفسهم مهمشين إلى مساعدي طهاة رغم إنجاز التليسكوب لاكتشافات باهرة.

تترافق هذه التجربة مع صدمة الإنتقادات الموجهة لملاحظات المقراب الثاني والتي ألهمت مهمة كيتينغ لاصلاح آلية منح جائزة نوبل.

يؤكد كيتينغ أن مشكلة نوبل الأولى تكمن في تقرير اللجنة عام 1974 ” إشتراط ما بعد الموت”-التي ترفض منح الجائزة إلا لمن هم على قيد الحياة أو بحسب تعبير كورنيل ويست المنمق الخالد في الذاكرة” يجب أن تكون على قيد الحياة قبل أن تفوز بالجائزة.”

ويصنف كيتينغ هذا التعديل “بالفظيع والقاسي ” والمشتت لإنه يدفع العلماء بقوة للتسرع- وأحياناً بعشوائية وقبل الأوان – لنشر نتائجهم.

ويقترح أن منح الجائزة لعالمة الفيزياء اللامعة المتوفاة حديثاً من أمثال فيرا روبن ” سوف يستهل سابقة رائعة ويؤكد للعلماء أن الإكتشاف هو المهم بغض النظر عن الزمن الذي يستغرقه.”

تكمن المشكلة الأساسية الثانية في آلية منح الجائزة:

“تتطلب عائداً أكبر على الإستثمار وقد يكون التحول السريع معرقلاً للإكتشافات الثورية في المستقبل.” ويدعو كيتينغ عوضاً عن ذلك إلى شراكة بين القطاع العام والخاص ل”تفعيل الموارد الكبرى للوكالات الوطنية مع رشاقة المؤسسات الخاصة” كي تحصل الإكتشافات العرضية الحقة على استحسان أكبر.

ينتقص كيتنغ أخيراً من التنافسية القاسية التي ابتليت بها  مطاردة نوبل المحمومة مخاصماً بأن “المنافسة الزائدة تؤدي لإهدار الموارد وأن الدافع …للنشر قبل الأوان و حتمية المعركة من أجل الوصول أولاً للرابح الذي يفوز بكل شيء.”

وتقلل اللجنة بشكل إعتباطي معمق، من خلال قصر الجائزة في أي حقل على ثلاثة رابحين،من فضائل التعاون وخاصة أن الإكتشافات المعاصرة تتطلب جهوداً داعمة هائلة لفريق متزايد العدد.

تتبدى قوة الكتاب الكبرى في تفصيل تاريخ نظرية الإنفجار العظيم والتجريب. يعرض كيتينغ بسلاسة ورقة مفاهيم بالغة التعقيد ولكنه لا ينحو نحو المبالغة في التبسيط.

وطرافاته الشعبية العديدة – كان التفسير “غير ملائم كنباتي يحضر حفلة شواء في تكساس”. ويماثل حل المعضلات الكونية “قتل صراصير…تستطيع قتل واحد ولكن هناك آخر عند الزاوية” .وبدا” أن خلفية الأمواج الميكروية الكونية تماثل آلة قمار في ستوكهولم تدفع بجوائز نوبل”.

يميل الكتاب أحياناً نحو التشوش ويختلط القص ويبتعد بشكل غير مناسب للعصر. ويدفع منظور كيتينغ الطموح أحياناً إلى التيه.

ويتجاهل تذرعه بأن العلم الناجح يتولد من التعاون وليس المنافسة الكثير من الأدلة المعاكسة. وعلى أية حال لا تتطهر المساعي التجريبية قط من رجس السياسة.

وربما يتساءل القراء عن هدف الكتاب الكامل وهل يسعى للإستقاء من المبادئ الأساسية أم من خيبة أمل كيتينغ الشخصية- و ما إذا كان  مشروعه لتغيير نوبل ناتج من عجزه عن الفوز بها.

ويناقش هذه القضية بحدة معترفاً بأن”مما لا شك فيه أن الكثر سيقولون إن إنتقادي لنوبل ناجم عن العنب الحامض” و”ما كان يتوجب علي قضاء هذا الوقت في الكتابة عن نوبل والقيام عوضاً عن ذلك بالأعمال العلمية التي قد تكسب تلك الجائزة.” ويجيب بصراحة منعشة” ربما كانوا على حق. ولكن هذا الإنعتاق ، والفضل يعود للإدراك البسيط، سمح لغزواتي المستقبلية ضمن علم الكون التجريبي بالحدوث مع التشكيك بنوبل والتحرر من متلازمة ستوكهولم……العلم هو الجائزة وهو تعويض إلهي بالفعل.”

وبالفعل تولى كيتينغ الآن مهمة تعاونية هائلة امتدت لعقد من الزمن لبناء التيليسكوب الأكبر في صحراء تشيلي المرتفعة والمأمول أن تسجل خلفية الأمواج الميكروية الكونية دون عيوب  التصوير الخلفي للإستقطاب الكوني خارج المجرة – ودون أي فرصة جدية للفوز بجائزة نوبل.

يصبح البحث عن الحقيقة والإكتشاف لغايتهما فحسب المنقبة المثلى لحكاية كيتينغ الشخصية التحذيرية- درس بسيط كان سيفخر به حتى فينمان بالذات.

__________

*المصدر:

مجلة: مراجعات كليرمونت للكتب

الصادرة عن معهد كليرمونت . كاليفورنيا. الولايات المتحدة الأمريكية

تاريخ 17 نيسان(ابريل) 2018

 CLAREMONT REVIEW OF BOOKS

CLAREMONT INSTITUTE. CALIFORNIA. U.S.A

April 17. 2018

 

شاهد أيضاً

هَوَامِشٌ عَلى دَفْتَرِ الشُّجُونِ التَّعْلِيمِيَّةِ

خاص- ثقافات *الدُّكْتُورُ بَلِيغ حَمْدِي إسْمَاعِيل ثمة إشارات عن النظام كمحنى إنساني جديرة بالاهتمام والتبصير …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *