الرئيسية / إضاءات / جمال ناجي يراوغ الأمكنة والفصول والقارئ في “موسم الحوريات”

جمال ناجي يراوغ الأمكنة والفصول والقارئ في “موسم الحوريات”

*حوار: جمال القيسي

(- احذري من الفقراء، لأن الأغنياء أصحاب مصالحٍ وطمَّاعون، يمكن إرضاؤهم وإسكاتهم بدعم مصالحهم أو تهديدها، أما الفقراء فالحذر منهم مطلوب؛ لأنهم لا يملكون شيئًا يخافون عليه، ولأن في أعماقهم رغبةً متوارثةً في الانتقام من شيء ما.)

(قالت له :أكاد أسمع سنابك العاديات في سهوب أيامك المقبلة. عليك بالحذر يا سيدي من هذا العام . إنه عام حُزنك.

ثم اتخذ وجهها ملامح من ترى مَشاهد توقعاتها بعينيها:

ليس في هذه الدنيا مَن هو مِن صُلبك سوى ابنٍ واحدٍ . ومع أنه ضائعٌ في بلاد الله وقفارها، إلا أنه سيَظهر لك مَوجوعًا بناره الساكنة منذ زمنٍ بعيدٍ، النار المحشورة في أحشائه . أكاد أسمع بأذنيَّ صياحاته التي تجلجل في السماء، سيظهر لأن مَنِيَّتك ستكون على يده).

هذا المقطع الروائي ورد على غلاف الرواية الجديدة “موسم الحوريات” لـلأديب الأردني جـمال ناجي، والتي أدرجها مؤخرا موقع أمازون ضمن قائمة مبيعاته للنسخة العربية الصادرة عن دار بلومزبري، فيما ستصدر لاحقا وعن الدار ذاتها، النسخة الانجليزية التي تتولى ترجمتها “باولا حيدر”.

وذكر الموقع أن الرواية التي جاءت على 288 صفحة، تتعامل مع تداعيات الربيع العربي وتصاعد وتائر التعصب في صفوف الشباب المسلم ضمن نطاق جغرافي شاسع يمتد من بلدان الشرق الأوسط وحتى الشرق الأقصى، وهو ما مكن الكاتب من رسم صورة موسعة ودقيقة حول الحقائق التي أدت إلى الحروب الطائفية والدينية الطاحنة.

كما ذكر الموقع أن “موسم الحوريات” تقوم على تقنية سردية آسرة تحبس الأنفاس، وتستند إلى عمق الشخصيات والأبعاد النفسية التي تنطوي عليها. أما عن المترجمة المعروفة باولا حيدر؛ فذكر الموقع أنها ترجمت للعديد من الروائيين وحصلت على “جائزة أركنساس” عن ترجمتها رواية “مملكة الغرباء” للروائي اللبناني إلياس خوري.

إرم نيوز كان لها مع الأديب جمال ناجي هذا الحوار:

* ثمة تساؤلات مثيرة للجدل حول مزجك تقنية فنية جديدة في روايتك الجديدة “موسم الحوريات” تقوم على الخيال الموغل في السحرية، ولكن رغم ذلك فإن ما يجري في منطقتنا يكاد يهيمن على أحداث الرواية، ولاسيما موضوعة التطرف والعنف.

هل تقصدت ذلك؟

المسألة ليست قصدية بقدر ما هي نتاج تفاعلات الشخوص والأحداث التي توالدت أثناء كتابتي للرواية . التخطيط والهندسات المسبقة عادة ما تجر الرواية إلى حالة من الكسوف.

ما حصل هو أن ضغوط الأحداث والظواهر المعاصرة في منطقتنا فرضت إيقاعاتها على الرواية، لكنها خضعت لعمليات تكرير وإعادة بناء أحالتها إلى واقع فني مختلف عن مجرد التطرف أو العنف حسب تقديري.

* الحقول الفكرية والإنسانية التي تتحرك الرواية في مساحاتها تبدو جديدة، وربما محظورة، كما أن بعضها يعد بكرا وغير مستغل على مستوى الرواية العربية، ما الذي دفعك إلى اختيار الخوض في هذه الحقول اليوم؟

كل ما هو على الأرض وفي الفضاء متاح للروائي، وفي تقديري فإن ثمة حقولا كثيرة لم تطؤها الرواية العربية وتحتاج إلى استكشاف لأسباب متعددة من بينها المحظورات والإهمال وربما الرغبة في الابتعاد عن المشاكل، بصراحة لقد مللت الاحتيال على الرقيب، وصار لزاما علي – وعلى سواي- أن نكون شفافين أكثر، ونقول ما نريد دون النظر الى سلطات الرقيب السياسي أو الديني أو الاجتماعي أو غير ذلك.

*يدفعني هذا إلى سؤالك عما ورد في الرواية على لسان الحكيم الهندي: 

(يا بُني، حيث يكون نشاط السماء كثيفًا فإن التدخل في القدر يصير أكثر صعوبةً، بل يصير مستحيلًا، وأنت جئتني من بلاد لا تكل السماء تجوبها وترفرف الأقدار فوقها.)

*ماذا عنيت بـ “نشاط السماء الكثيف “؟ وهل يمكن تغيير مسار القدر؟

المبالغة – مهما كان نوعها – تفضي إلى التطرف، وكلما بالغت في الاقتراب من السماء ابتعدت عن الأرض، لنقل ابتعدت عن الواقع الأرضي واقتربت من حالة انعدام الوزن. السماء هنا قد تكون حالة ذهنية أو روحية ميتافيزيقية، لكنها تفعل فعلها على شكل سلوك إنساني غريب يكاد لا ينتمي إلى ما تعارفت عليه البشرية أو ما يمكن تسميته بـ (المألوف الأرضي). وفي ما يتصل بنشاط السماء الكثيف؛ فإن الأديان كلها ظهرت في منطقتنا ولم تظهر في أمريكا أو أستراليا أو إفريقيا أو أوروبا، والأنبياء تلقوا رسالاتهم وعاشوا وماتوا في منطقتنا أيضا. هل أجبت على سؤالك؟

أجبت على نحو موارب يدعوني إلى الإلحاح على انتزاع جواب غير مفتوح، فأسألك مباشرة:

* ماذا عن سؤال القدر؟

هذا السؤال تجيب الرواية عليه، يمكن للقارىء أن يعثر على الإجابة في صفحات الرواية. لا أعتقد من الحكمة أن أقدم تفسيرا أو إجابة لسؤال القدر في هذا اللقاء.

*تقودني هذه الإجابة إلى ما ورد في “موسم الحوريات” على لسان إحدى شخصياتها من أن: ( في قلب كلِّ إنسانٍ كائنٌ فطريٌّ كامنٌ. الذي حدث أن هذا الكائن فك قيده وخرج من الإنسان ليقتل ويدمر كل ما هو في طريقه).

هل يمكن لهذه الفقرة تفسير السلوك الإنساني الغريب في منطقتنا كما ذكرت في إجابتك السابقة؟

هذا المقطع يشخّص السلوك لكنه لا يفسره، والكائن الفطري موجود في مكان ما. في الواقع ثمة كائنات فطرية متعددة الأنواع في أعماق كل إنسان، وكل منها ينتظر المناخات الملائمة كي ينمو ويتضخم ويفك قيده لينطلق. في كل الأحوال، أفضّل أن أترك للقارىء تحديد التفسير الذي يتوصل اليه بعد قراءته الرواية، وأكتفي بالقول: إن منطقتنا تعج بالأرواح الخطرة.

*في بعض صفحات “موسم الحوريات” توجد لغة استفادت من فنون التنجيم وقراءة الطالع، بل إنها تجولت في بقاع التنجيم في مدن كثيرة ( أثينا / بودابست / مراكش / عمان / بيروت / جبال ماهاراشترا الهندية … ) هل أضافت هذه اللغة جديدا للرواية؟

الجديد في الأمر هو توظيف هذه اللغة وإيحاءاتها وسطوتها في ظروف الإنهاك الفكري الذي يعانيه عالمنا منذ ابتداء العقد الأخير من القرن العشرين، وهو توظيف أملته علي أحداث الرواية وتفرعاتها وعموم بنيتها الفنية، فضلا عن أن هذا الجانب من الحياة السُّفلية لم يحظ بما يكفي من اهتمام الروائيين، فلماذا يظل بعيدا عن رواياتنا إذا ما استدعته أو تطلبته الأحداث؟

* شعرت في بعض الفصول أن بعض الشخصيات والأحداث انصاعت إلى نبوءة العرافة وصارت تتصرف على أساسها، هل تؤمن، على الصعيد الشخصي أقصد بهذا الانصياع، أما أنك تتطرق إلى التحايل النفسي على الظروف لدى كثير من الناس؟

هذا صحيح، فلو قال لك أحدهم بأنك ستصيب ثراء، وصادف أن حدث معك شيء من هذا وتكرر. ألا تتعقب ذلك القول بشكل ما؟ المسألة لا تتعلق بصدق النبوءة أم كذبها، إنما تتعلق بانعكاساتها السلوكية على من تلقاها، وعلى ما سيفعله إذا ما تكرر الأمر مجددا. ثمة أناس يصدقون العرافات ولا أبالغ إن قلت: إن بعضهم يخططون حياتهم ويتصرفون بناء عليها. في كل الأحوال، هذا ليس ما أتبناه، إنما هو موجود في الرواية بشكل ما.

*في نهاية الرواية يوجد ما يشبه الانقلاب على المسلمات والقناعات التي تغلغلت في نفوس بعض شخصيات الرواية، هل توافقني هذا الرأي؟

أوافقك جزئيا، وهو تغير أو انقلاب يخص بعض الشخصيات وما يتكشف لها من أسرار ومفارقات تكاد تُفقدها يقينها بحقائق الحياة المتداولة. ماذا يفعل الإنسان حين يصحو فيجد نفسه وجها لوجه، أمام ظواهر العُصاب الروحي والاعتلال الثقافي والتشرد المشين للفضيلة؟

*تصدر هذه الرواية بعد شوط طويل مع الكتابة الروائية يمتد على مدى أربعين عاما، هل أي حد أنت راض عنها؟

حتى الآن نعم . لكن لا يوجد لدي ما هو إطلاقي، فالحياة لا تفصح إلا عن حقيقة آناتها ولحظات حاضرها، الأفكار ليست بعيدة عن هذا . لكن ثمة أمر مهم في هذه الرواية؛ أنها مثلت منعطفا مهما في تجربتي الروائية، سواء من حيث اللغة المستخدمة، والأفكار التي تضمنتها، والعوالم التي تحركت الأحداث فيها .

* روايتك ” موسم الحوريات ” تكاد لا تعترف باستحقاقات الثالوث المحرم : الجنس والدين والسياسة ، وهذا ينطبق الى حد ما على روايتك “عندما تشيخ الذئاب “، لكن هذا لم يظهر بوضوح في روايتك السابقة “غريب النهر” . لماذا؟

ثالوث الجنس والدين والسياسة ليس موضوعا في حد ذاته، بمعنى أن اجتيازه ليس غاية ولا هدفا، لكن إذا اعترض أحداث الرواية أو حال دون الأداء الحر لشخوصها فلا بد من إبعاده، لأن الانصياع لمتطلباته سيفضي إلى الإخلال بمنطق الأحداث أو بناء الشخصيات، وأنا لست مستعدا لليّ أعناق الأحداث أو الشخصيات مراعاة لأي من الأقانيم الثلاثة.

في “غريب النهر” لم يكن ثمة ما يبرر الاشتباك مع هذا الثالوث؛ لأن أحداث الرواية اتخذت منحى مختلفا، ولأن تشكيلات شخوصها كانت بمنأى عن ذلك الاشتباك، ليس لأنها تجنبته؛ إنما لأن مساراتها الفنية الموضوعية اتخذت منحى آخر .

*في “موسم الحوريات” لفتني ودعاني إلى الابتسام والشعور بالوقوع على حكمة جديدة، ما يقوله الأب الثري لابنته:

(- احذري من الفقراء، لأن الأغنياء أصحاب مصالحٍ وطمَّاعون، يمكن إرضاؤهم وإسكاتهم بدعم مصالحهم أو تهديدها، أما الفقراء فالحذر منهم مطلوب؛ لأنهم لا يملكون شيئًا يخافون عليه، ولأن في أعماقهم رغبةً متوارثةً في الانتقام من شيء ما.)

هل تتبنى هذا الرأي؟

ورد هذا على لسان إحدى شخصيات الرواية، وهو ينسجم مع بنية هذه الشخصية ونمط تفكيرها ورؤيتها للحياة. هو رأي جدير بالاهتمام، لكنه لا يمثلني، إذ كما تعلم فالرواية كُتبت بتقنية وجهة النظر التي تتيح لكل شخصية حرية التعبير عن نفسها وعن آرائها وزوايا النظر التي ترى الأشياء من خلالها.

يذكر أن جمال ناجي أصدر العديد من الروايات والمجموعات القصصية، وقد أدرجت روايته “عندما تشيخ الذئاب” ضمن القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (بوكر) كما أدرجت روايته “غريب النهر” ضمن القائمة القصيرة لـ (جـائزة الشيخ زايد للكتاب)، وحاز على العديد من الجوائز في الأردن والوطن العربي، كان آخرها في الأردن (جائزة الدولة التقديرية للرواية) 2014 .

شغل منصب رئيس رابطة الكتاب الأردنيين خلال السنوات 2001-2003، وكان عضواً فاعلاً في الهيئة الإدراية للرابطة لدورات عدة، وفي الأمانة العامة لاتحاد الكتاب للأدباء والكتاب العرب، كما شغل منصب رئيس المركز الثقافي العربي في الأردن.
توفي الأديب جمال ناجي، الأحد 6 مايو 2018.
________
*المصدر: إرم نيوز / نشر الحوار عام 2016.

شاهد أيضاً

فيليب روث “المخادع الخبير”.. أعماله تعكس نضاله الملحمي من أجل الهويّة الفردية

خاص- ثقافات *آمال نوّار تعطّل قلب فيليب روث منذ أيام واعتزل الحياة عن خمسة وثمانين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *