الرئيسية / خبر رئيسي / التَّنْوِيرُ فِي مُوَاجَهَةِ الاحتِفَاءِ بِالتَّكْفِيرِ

التَّنْوِيرُ فِي مُوَاجَهَةِ الاحتِفَاءِ بِالتَّكْفِيرِ

خاص- ثقافات

*دكتور بليغ حمدي إسماعيل

من الصعب في ظل الفضاءات الثقافية الأكثر انفتاحا اليوم والتي تعضد وتكرس لرؤى التأويل والاجتهاد أن ننصب محاكم تفتيش داخل العقل ونوايا ، لاسيما وأن التوجهات المعرفية المعاصرة والدراسات الثقافية المتسارعة تؤكد ضرورة الاستخدام الأقصى للخيال من أجل الإبداع والابتكار ، والكارثة التي تشق على أنفسنا اليوم أنه في ضوء تقنيات نظرية الأوتار الفائقة وتكنولوجيا قراءة الأفكار في الغرب والثورة الجميلة المعروفة بريادة الأعمال أن هناك مؤسسات رسمية يمكن توصيفها بالمسكينة لاتزال تقف واجمة عند حدود الإبداع الذي ربما مر عليه ألف عام وتريد إعادة محاكمة هذا الطرح الثقافي من أجل شيوع الفوضى في المجتمعات العربية .
وربما لازلت عند رأيي أن بعض شيوخ الأزهر الشريف وليس منهم بالقطع المستنير فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب ، وبعض أئمة وزارة الأوقاف في مصر لم يدركوا بعد أن دورهم الحقيقي هو تجديد الخطاب الديني ، لكنهم للأسف صعبت عليهم المهمة وبات الأمر مستحيلا عليهم في ظل عدم امتلاك أدوات حقيقية للتجديد ولتثوير الخطاب الديني المرتبط بالفكر الباهت والمتماهي ، لذلك قرر هؤلاء وغيرهم ضرورة البحث والتفتيش والتنقيب عن موضوعات ونوازل وإحداثيات بعيدة تمام البعد عن كنه اختصاصاتهم الفقهية من أجل مناقشتها والحكم عليها بالتكفير ، في الوقت نفسه الذي نرى فيه الوثائق والبيانات والتعميمات الصادرة عنهم والتي تشير غالبا إلى نبذ التعصب في الرأي وتجنب الغلو في تكفير الآخرين .
وكم كنت أتمنى أن أجد على سبيل المثال وزير الأوقاف المصري الدكتور محمد مختار جمعة ـ إن لم أكن مخطئا في اسمه كدليل لضعف تأثيره في المجتمع المصري المسلم ـ  أن يكترث قليلا في كتبه التي وجدت مطابع الوزارة لها ملاذا رائجا صباح مساء في النشر والطباعة والتوزيع من أجل تخصيص مساحة بسيطة وفقيرة في الحديث عن بناء القدرات العقلية المرتبطة بالإبداع وتنمية وإثارة الخيال ، أو أن يوجه أئمة ومشايخ الزوايا والمساجد إلى ضرورة تكريس ثقافة الاجتهاد والإبداع .
حسنا ، لماذا هذه التقدمة التي تبدو طويلة بعض الشئ ؟ السبب هو أن الوعي الجمعي مهموم ومشغول بفكرة محاكمة الإبداع سواء كان هذا الإبداع شعرا أو نثرا ، أو كان في حقيقته طرحا فكريا ثقافيا ، هذا وجدنا ولمسناه منذ عقود بعيد حينما حوكمت أعمال الدكتور طه حسين لاسيما كتابه الأشهر ” في الشعر الجاهلي ” ، وأخذنا نتتبع خيوطه في المحاكمات الفقهية والدينية سواء الرسمية أو غير الرسمية لروايات عميد الرواية العربية نجيب محفوظ في رائجته النثرية ” أولاد حاراتنا ” ، كذلك بعض القصائد للعبقري نزار قباني أو أدونيس ، مرورا بالكتابات التأويلية لفرج فودة وعابد الجابري وصولا إلى المرحلة الأبرز وهي محاكمة فكر الدكتور نصر حامد أبو زيد .
هذا الهوس الجمعي الذي وصفه الفرنسيون في موسوعتهم العالمية ” وصف مصر ” بولع الفرجة هو في حقيقة الأمر لا يتجاوز الالتفات أو الانتباه للرأي المناوئ للعمل الإبداعي بالقدر الذي يعطي طاقات الضوء الكاملة للعمل الأدبي ، وهذا ما حدث بالفعل حينما قرر بعض الأشخاص تناول الحكاية الشهيرة في تاريخ الإنسانية المعروفة بـ ” ألف ليلة وليلة ” لا من حيث قراءتها أو نقدها في ضوء نظريات نقدية حديثة مثل نظرية التلقي لهانز روبرت ياوس وفولفانج آيزر ، بل التناول اقتصر على المحاكمة الفقيرة ثم تكفير العمل ككل دون النظر عن كونه طرحا يحكمه الخيال فحسب ، وهذه هي كارثة هذا الوعي الجمعي .
وبالقطع ، لم يكن يعلم الملك شهريار أنه حينما استمع لحكايات وروايات زوجته الجميلة شهرزاد أن هذه القصص ستكتب وستجر وراءها العديد من المشكلات والأزمات المتعلقة بالأخلاق والشرف والالتزام الثقافي تجاه القارئ ودعاوي الحسبة والتجريم الخلقي وغيرها من الألفاظ والكلمات التي تذكرني بالمنشورات الشيوعية القديمة التي وجدوها منثورة في الطرقات عقب انهيار الاتحاد السوفيتي.

والقضية باختصار أنه تم طبع ونشر وتوزيع نسخة جديدة من الكتاب الأكثر صيتاً وذيوعاً ألف ليلة وليلة لصاحبته الجميلة شهرزاد التي خلبت قلب وعقل وأذني زوجها الملك شهريار. وبعد نزول جزأين من الكتاب والذي أصدرته الهيئة العامة لقصور الثقافة ضمن سلسلتها المعنونة بالذخائر منذ سنوات قامت الدنيا ولم تقعد ، وهاج الهائجون على الكتاب ومن أصدره وأقاموا عدة دعاوى قضائية  ودعاوي حسبة وشكاوى وندوات تحت بئر السلم بحجة أن الكتاب في صورته العامة يشكل مفسدة ، وفي تفاصيله الدقيقة يعد خروجاً على العرف الاجتماعي والناموس الأخلاقي.

والمثير للدهشة أن مثل هذه التحذيرات و التنبيهات على خطورة الكتاب الذي يعتقد مؤيدوه أنه قد يعصف بالتطور الحضاري المصري و يجعلنا نعاني من حالات الانحسار الحضاري ناسين أموراً أخرى كقانون الطوارئ والضرائب التي ستفرض لاحقاً إن شاء الله ، لم تصدر من علماء الدين ، أو من أحد أفراد المؤسسة الدينية الرسمية، بل من خلال بعض المحامين والنشطاء وممن ألزموا أنفسهم حماية المجتمع المصري من الوقوع في الرزيلة.

وربما لم تهتم المؤسسة الدينية بظاهرة الكتاب في بداية الأمر لأنهم مشغولون بأمور أخرى لعل أهمها تطوير وتعديل ونسف مناهج التربية الدينية الإسلامية بالمدارس العجيبة والتجريبية والذكية والمتطورة والمتجددة وكل الأسماء التي ألصقت بمدارسنا ومع ذلك لم نسمع عن أحد خريجها يقدم لنا اختراعاً أو مؤلفاً أو مقطوعة موسيقية أو معرضاً في الرسم.

وربما لأنهم مشغولون أيضاً بتطوير الخطاب الديني الذي بات قنبلة موقوتة ومرتعاً لغير المتخصصين والمؤهلين لذلك ، أو لأن الموضوع برمته لا يستحق المناقشة والتعليق ومن ثم إصدار رأي يتعلق بالليالي الألف.

وكلما قرأت شيئاً عن مصادرة كتاب ألف ليلة وليلة ، أو خبراً بإحدى الصحف المحلية مجهولة الحسب والنسب أتعجب ثم أضحك ثم أسخر ثم أبتسم ثم أتساءل مجدداً : وهل نحن أمة قارئة؟ وإن كنا شعباً يحترف القراءة كألمانيا ويعمل ألف حساب لخطورة الكلمة المطبوعة ودورها في إحياء العقل أو إخماده ، فلماذا إذن لم نر أية مظاهر احتفالية أو كرنفالية احتفاء بيوم الكتاب العالمي الذي سيواكب الثالث والعشرين من شهر أبريل الجاري والذي بدأت هيئة الأمم المتحدة ومنظمةاليونسكو ودول الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا وأسبانيا وإيطاليا و بلجيكا وكندا والهند وكولومبيا وبالقطع والتأكيد واليقين الكيان الصهيوني المسمى بدولة إسرائيل في الإعلان عن فعاليات الاحتفال به ، أما نحن فلا.

ولن أتحدى أولئك الذين راحوا لأروقة المحاكم من أجل رفع قضايا تفريق وحسبة بين القارئ المصري وكتاب الليالي الألف أنهم يعلمون لماذا اختير يوم الثالث والعشرين من شهر أبريل من كل عام للاحتفال بيوم عالمي للكتاب ، ولهم ولغيرهم أذكرهم بأن هذا اليوم اختير تخليداً لذكرى شعراء وأدباء عظام ماتوا في هذا اليوم وتركوا آثاراً أدبية وميراثاً ثقافياً ضخماً مثل الرائع وليام شكسبير ، وأنكا جارسيلاسكو ، وميجل دي تيرباتست ، ودي لافيا.

لكنهم رأوا أن كتاب ألف ليلة وليلة سيصيب المثقف المصري والمواطن المهموم بالثقافة وبحضور المؤتمرات الثقافية والندوات وورش العمل والمنتديات التي تناقش قضايا الأدب والفكر بالبذاءة والانحطاط الأخلاقي والتدهور الخلقي ، ناسين أنهم يعيشون في وطن يستيقظ كل صباح على تظاهرة من أجل اختفاء اسطوانات البوتاجاز التي هي في الأصل غير مطابقة للمواصفات العالمية ، ويذهبون كل صباح لعملهم وسط مئات المفترشين أرضاً من العاطلين والمتسولين والمتظاهرين أمام بعض المؤسسات والهيئات الحكومية .

نسوا هؤلاء كل هذا وراحوا يكملون مسلسلهم المكرور في دغدغة مشاعرنا وأعصابنا بقصة ألف ليلة وليلة ، مرتكزين في دعواهم على بعض الكلمات الواردة بالليالي الألف والتي نسمعها كل يوم بشكل مقصود وغير مقصود في الشارع والعمل وأخيراً المدارس المصرية التي خرجت يوماً ما العالمي نجيب ومحفوظ والعبقري جمال حمدان ، والدكتور أحمد زويل ، والمفكر مصطفى محمود وغيرهم كثير.

لم يفكر شهريار يوما ما وهو يستمع لقصص وحكايا زوجته شهرزاد أنه سيجئ يوم نجلس نتربص بالحكايات التي استمع لها دون أن نقدم جديداً للمعرفة وللحضارة الإنسانية، ولم يظن يوماً أن كتاب قصص زوجته سيضاف إلى قوائم الكتب المحظورة والمصادرة كبعض كتب العميد طه حسين ، والشيخ محمد الغزالي ، والمفكر نصر حامد أبو زيد ، وحيدر حيدر وبعض قصائد أدونيس وأحمد مطر ومظفر النواب.

ولعله كان يتعجب إذا كان بيننا الآن أن الحضارة التي أنجبت وتمخض عنها كتاب مثل ألف ليلة وليلة لا يقرأ أبناؤها كتاباً كل ليلة ، بل وفشل رموزها للثقافة والمؤسسات الثقافية  أن يقف أمام هذه الدعاوي المشبوهة الدافع ، كما فشل في مواجهة التطرف والعنف فلجأنا إلى قوانين الطوارئ بديلاً عن فشله، وكما فشل أيضاً في الفوز بمنصب مدير عام منظمة اليونسكو ، لأنها باختصار منظمة تعني بالثقافة والأدب والفنون والتربية والعلوم. ولك أن تكمل الباقي.
إن من ثارت ثورتهم نقض الكتاب نومهم لم ينتبهوا إلى الأغاني المبتذلة الرخيصة التي يسمعها الجميع قهراً وغصباً وهم بداخل عربات النقل ( الميكروباص ) ، أو وهم يجلسون في محلات قص الشعر ، ولم يفيقوا من غفلتهم بعد اكتساح غشاء البكارة الصيني الأسواق المصرية ، وإلى أن يستفيقوا من غفلتهم التاريخية تلك أشير لهم بأن ألف ليلة وليلة منذ ولادتها الطبيعية ألهمت عشرات الموسيقيين فوضعوا موسيقات تحمل اسمها ، وألهبت آلاف الشعراء والأدباء فكتبوا أشعاراً وقصصاً تحمل نفس العنوان ، أما نحن فلازلنا رهائن عقولنا نفكر : أهي حرام أم مكروهة أم مندوبة أم مستحبة؟ وهل هي من نتاج إبداعنا العربي أم هي مخاض هندي قديم ؟ ولا عزاء للثقافة والمثقفين في مصر.
ـ مدرس المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية والتربية الإسلامية
كلية التربية ـ جامعة المنيا

شاهد أيضاً

طريق الحكمة، طريق السلام: كيف يفكّر “الدالاي لاما”؟ (8)

*ترجمة وتقديم : لطفية الدليمي       يُعدّ الدالاي لاما إحدى أكثر الشخصيات أهمية في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *