الرئيسية / إضاءات / أوسكار وايلد.. كاتب التسلية الأول

أوسكار وايلد.. كاتب التسلية الأول

القاهرة- بعد أكثر من قرن على رحيله ما يزال أوسكار وايلد (15 أكتوبر 1856 – 1900)، قوة أدبية لها أثرها، وما يزال واحداً من أشهر الكتاب الإنجليز، وهو داعية مذهب «الفن للفن» الذي يرى في الجمال الغاية الكبرى لكل إبداع، ويربأ بالعمل الفني عن أن يخضع لأية معايير خارجة عنه، سواء كانت أخلاقية أو دينية أو سياسية أو اجتماعية، وقد ازدهر هذا المذهب في فرنسا ثم إنجلترا، خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، فقد دعا إليه بودلير وفلوبير.
ومن هؤلاء تلقف أوسكار وايلد المذهب، وحاول أن يعيشه، لا أن يدعو إليه فحسب، ما تسبب في ارتطامه بالقوانين الوضعية، والمبادئ الأخلاقية للعصر الفيكتوري، ومن ثم كان الحكم عليه بالسجن لمدة عامين.
وصف وايلد نفسه في محادثة له مع أندريه جيد، بأنه وضع كل عبقريته في حياته، أما كتاباته فلم يضع فيها سوى موهبته، وكان أنيقاً وسيماً جذاباً، وعلى الرغم من الخبرات المروعة التي مر بها، فقد ظل حتى النهاية ميالاً إلى الأوضاع المسرحية اللافتة للأنظار، فقد كان طفلاً شقياً يريد أن يصدم الكبار بخروجه على المألوف.

كانت النزعة الجمالية في إنجلترا وأمريكا أواخر القرن الماضي، ردة فعل ضد استشراء الثورة الصناعية في كل مناحي الحياة، وتمرداً للروح الإنسانية على إفقار عالم الحس والعاطفة والفكر، وحنيناً إلى عصور سابقة وإلى أماكن بعيدة في الشرق وغيره، وفي هذا يقول ناقد أمريكي، إن غربة الفنان عن مجتمع الطبقة المتوسطة بقيمه المادية، تفسر جزئياً طبيعة الأدب الحديث.
اكتشف وايلد في شبابه الجمال في أكسفورد، حيث كان يجلس بين الخزف الصيني الأزرق وهو يقرأ كتاب «عصر النهضة»، وعندما تخرج في الجامعة صار يعد رسول الجمال إلى عالم من فاسدي الذوق، ولم يكن مظهره اللافت للنظر يستهدف إضفاء طابع مسرحي على أفكاره الفلسفية فحسب، وإنما كان يستهدف أيضاً جلب الشهرة لذاته، وقد نجح في ذلك
أوسكار وايلد، جراح أيرلندي شهير، وكانت أمه معروفة بكونها كاتبة وشاعرة، وكانت تكتب تحت اسم مستعار، وفي شهر مايو عام 1895 حكم عليه بالسجن عامين مع الأشغال الشاقة، لارتكابه جرائم تقع تحت طائلة لائحة تعديل القانون الجنائي، وسرعان ما حل به الإفلاس، وكانت نهاية حياته حزينة، فبعد خروجه من السجن عام 1897 عاش في باريس تحت اسم مستعار هو: سياستيان ملموث.
وقبل وفاته بعامين نشر قصيدته: «موال سجن ريدنج»، وأثناء فترة سجنه كتب دفاعاً عن حياته، وضع بين يدي منفذ وصيته، ونشر عام 1905.
كان وايلد يكتب مراجعات للكتب طوال الوقت، ويرأس تحرير إحدى المجلات طوال سنتين، في الفترة التي نشط فيها خلال السنوات من 1887 إلى 1890، وكتب خلالها مجموعة من القصص القصيرة والمقالات.
وقد اعترف وايلد بأنه يحب أن يسلي الدهماء، ويثير غضب الطبقات الوسطى، ويفتن الأرستقراطيين، وفي عام 1891 ظهرت مقالته: «روح الإنسان تحت ظل الاشتراكية»، فلم يعد الأرستقراطيون مفتونين به.
كتب وايلد رواية واحدة طويلة: «صورة دوريان جراي»، وفيها عناصر من الرعب القوطي والفانتازيا والميلودراما، وقد تصدرتها مقدمة تطرح آراء وايلد في الفن، كما نشر رواية: «شبح كانترفيل» القصيرة عام 1891، وقد تمت مسرحة هذه الرواية القصيرة أكثر من مرة، وهي ملأى بالسحر والسخرية، باعتبارها امتداداً للإبداع الرومانسي، كما أنها تنتمي إلى الأدب القوطي الهزلي، ويراد بها أن ترسل رعشة في أعماق القارئ، وأن تجعل الدم يتجمد في شرايينه، وتشتمل على عنصر مهم هو محاولة اختراق الطبيعة.. إنها تتوغل في ضحايا قصر اشتراه وزير أمريكي وتسكنه الأرواح منذ ثلاثة قرون، ويسكنه شبح يظهر كلما حضر الموت فرداً من الأسرة، إنه شبح السيد سيمون كانترفيل، الذي قتل زوجته، ثم اختفى بعد تسع سنوات بطريقة غامضة.
كتب أوسكار وايلد المسرحية والرواية والقصة والشعر والمقالة، وتنحدر عنه كل دراما التسلية، ويؤمن بأنه ما من فنان يريد إثبات نظرية ما، فالحقائق ذاتها يمكن إثباتها، كما أن الفنان يمكنه التعبير عن كل شيء في الحياة.
___________
*الخليج الثقافي

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *