الرئيسية / خبر رئيسي / تجربة اليمني حكيم العاقل؛ رؤى تجريدية وتعبيرية معاصرة تتمرد على عنف الواقع بمواقف جمالية التوجهات

تجربة اليمني حكيم العاقل؛ رؤى تجريدية وتعبيرية معاصرة تتمرد على عنف الواقع بمواقف جمالية التوجهات

خاص- ثقافات

*بشرى بن فاطمة

ثنائية الحرب والسلام واحتمالات الحياة المؤجلة في خضم التوترات والصدامات والأمل الباقي ألوانا منفلتة في تفاعلاتها التعبيرية والتجريدية هي رسائل فلسفية المشاعر المختلطة والأفكار المتداخلة في تجربة التشكيلي اليمني حكيم العاقل فهو صاحب أسلوب مختمر وناضج بفلسفة تجيد محاورة الواقع وإعادة تشكيله بدمج الذاكرة والطبيعة والعادات والتراث والهوية والوجود والانسان.

 يعتبر التشكيلي حكيم العاقل من أهم الفنانين في اليمن والوطن العربي والعالم له رؤيته المعاصرة وبصماته التشكيلية المتجددة والتي تمكنت من الارتقاء بالفن التشكيلي اليمني إلى مصاف العالمية في التعبير الذي يوثق صورة اليمن بتلاوينه الدقيقة حضارة وحضورا وطبيعة استقرارا وعنفا وتناقضات خلقتها على مدى المراحل الزمنية جدلية الحرب والسلام حيث لم يكتف العاقل بجغرافيا انتماءه بل حمل الهم الإنساني وعبّر من خلاله عن مواقفه بجمالية نشرت خصوصيته في العالم.

 فقد رتب سلسلة أعمال تفاوتت في تعبيرها شارك بها في أبرز التجمعات التشكيلية التي سردت الواقع الإنساني قدمها في أعمال جدارية، لعل أبرزها مشاركته بـ 4 لوحات (مقتنيات متحف فرحات) في سيمبوزيوم الخيام سنة 2002 حاول من خلالها التعبير عن وحشية الاعتقال والاحتلال وانتهاك الانسانية.

 فقد حمّلها الرمزية التعبيرية التي لامست التجريد في صورة الأبواب المغلقة وفي الألوان الداكنة والحارة والخطوط المتشابك وفي تلك الحبال التي تشد على الانسان كتكبيل وتقييد فقد جمع بين ضيق وشحوب المكان والفضاء المغلق وبين الشخوص كفكرة لا تنفصل عن مطلب الحرية والتوق للأمل والانعتاق.

*لوحات معتقل الخيام 2002

حملت أعمال العاقل على مدى السنوات الأخيرة رؤى استطلاعية حداثية نهلت من المدارس الغربية للفن ومن الفلسفة الوجودية ولم تنفصل عن المرجعية الذاتية والانتماء.

فهو يعتبر أن اللحظة الفلسفية تتيح الانفتاح على الأبعاد الجمالية والعمق الذاتي حضارة وفضولا وغرابة تلقي بالباحث في فضاءات ملونة وساحرة وعملاقة، فلوحاته البديعة تحمل التماس الشرقي والتكامل الغربي لتشرق بتراكيبها على الفكرة التي تهزم بتأملاتها مرار الواقع.

 فالفن خبرة تتحول إلى ذكرى وفق هذه المرجعية يعمل حكيم العاقل مرتكزا على ذلك الصدق في الإحساس بالذكرى والذكريات المختزلة رغم أن التذكر يحمل التعقيد الذي يمنح الفنان عينا تراقب من فوق وتحاول اقتناص اللحظة بكل دلالاتها.

يرى العاقل الجمال من خلال هويته فرغم أسفاره وتنقلاته تتفجر منه لتفتح منافذ الأمل في كل التفاصيل المرئية التي لها ارتباطها بالمشهد لخلق ماورائيات الصورة ورصد آثارها واحتمالاتها المتخيلة التي تخترق الكوابيس فهو ليس بناقل للواقع ولا بمصور فوتوغرافي له ولا بمحلل هو فقط يختطف الروح الباقية بجمال متخيل لحياة وواقع مشتهى وبالتالي فالطاقة المحدثة في انبعاثات الفكرة والأسلوب تطرح الحضور الإنساني في أعماله.

حيث لا يستثني في أسلوبه التشكيلي الفكرة في الجمع بين الهوية والأرض والمرأة بكل زخرف حضورها المنمق بالجمال بالضوء بالظل بالثنائيات المتفارقة التي تشبه الواقع.

 الأزرق الطاغي والأخضر المنفلت والأحمر والترابي هي نوافذ هادئة يفتحها على خياله ويحركها باتجاهات تنتشل الفكرة من الواقع إلى الفضاءات التي تكتسحها الألوان والشمس كوجود حقيقي يعكس صورة المرأة اليمنية في ذاكرته  تلك التي تشبه أرضها بعلاماتها ورموزها وزخارفها.

فالتشخيص عنده له اندفاع مضمخ بالتساؤلات بالبحث عن الوعي بالوجود وهنا يتنقل إلى التجريد كفلسفة غوص في عمق الصورة ومنها يولد مشاهده التعبيرية ورؤاه التي تتربص بالحلم لتزينه بألوان الذكريات من خلال تكثيف الألوان ودمجها بحركات متداخلة تتسع وتضيق حسب الرؤية التي يحمّلها أكثر من علامة ومفردة تتوزع بهندستها الكتل داخل المساحات لتحاول ملأ الفراغات باللون الذي يتقمص دور السرد في قصة الأمان والعنف والخصب والشحوب وهنا يخلق توافقات لونية شكلية هندسية تحاور أسلوبه وتجزأ السرد البصري لتثير تأملات المتلقي التي يجيد حكيم العاقل ترويضها بصريا لتنتقل من التقبل الكلاسيكي إلى التحاور البصري المعاصر، فأسلوبه تحفيزي ينبش التأملات المعمقة التي تخلق لكل عنصر من عناصر اللوحة دورا يتقمص به المشهد الجمالي فهو يجيد حسابات المكان والفضاء وترتيب حضور شخوصه وألوان ذلك الحضور التي تحمل دلالات متعددة تحيل على التنوع الثقافي والفكري .

في التقنية الفنية يخضع العاقل كل العناصر للغة متوافقة بين المعنى والمجاز لتفرض دورها الأساسي إذ ينتشل كل الهوامش ويمنحها دورا في الرؤية التشكيلية بدلالاتها فهو يتحكم في الفراغات ويشحنها بشواغل الفكرة.

حيث يستغل كل المشاهد ليستثير طاقة وتفاصيلا للجسد للملامح للوجوه والطبيعة التي تكمل المشهد كإشارة للأرض للمستقر الآمن وللسلام.

في الطرح الوجودي تتكاثف الإشارات التعبيرية في غنائية لونية تحاكي السرد هندسيا حيث الكتل والألوان تبتكر إيقاعها بعفوية تكاد تكون ساذجة لولا رمزياتها المتقنة بتجريدية تحوّل العلامات إلى دلالات تشكيلية شاعرية رومنسية استرجاعية نوستالجيا تلتقي في المكان على صورة المرأة والرجل في التماس الجسدي المفعم بالحياة والخصب والألوان.

الأعمال المرفقة:

*متحف فرحات الفن من أجل الإنسانية مجموعة معتقل الخيام

Farhat Art Museum Collections

*الاعمال الخاصة بالفنان حكيم العاقل المعروضة بمركز فرحات الثقافي

FaRHAT CULTURAL CENTER

 

شاهد أيضاً

أورلندو لفيرجينيا وولف.. اكتمال الكائن؛ تمازج الأنوثة والذكورة

*لطفية الدليمي     1        واصلت الروائية فيرجينيا وولف طوال سنيّ عمرها المضطربة بحثها المتواصل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *