الرئيسية / خبر رئيسي / شكاوى اللغةُ إلى ساكنيها

شكاوى اللغةُ إلى ساكنيها

خاص- ثقافات

*مرزوق الحلبي

 

1.

لا أطيق الذين يحرسون بابيَ في النهارِ،

فلا ينخذلُ فاعلٌ ولا تقومُ قائمةُ مفعولٍ،

ولا يلتَقِي ساكنانِ،

ولا يُصرفُ ممنوعٌ، ولا ينكسرُ النحوُ

ثُمّ ينسرِبُونَ فِي اللَّيلِ إلَى الحاناتِ

يتلبسونَ النِّساءَ الوَحيداتِ كالعَفارِيتِ

وينْصرَفُونَ مِن البابِ الخلفيِّ

يتحسّسونَ الخدوشَ

2.

لا أطيقُ منهم ذاكَ الذِي ينفجرُ غَضَبًا

عندَ كُلِّ خطأ قَواعديٍّ

لكنهُ يصطفُّ أبدًا معِ الطاغيةِ ينكّل بجثّة العدلِ،

ومثلَه الذي يحوّل كلَّ خطأ إملائيًّ إلَى فَضِيحةٍ

لكِّنه يشتغلُ سيَّافًا فِي السَّرايا

ومثلَه الَّذي يفتَحُ زنزانةً كلّما انكسر شطرٌ من العروضِ

لكّنه يحبسُ زوجته في المزهرِيَّةِ طِيلةَ النَّهارِ

ويَمْنَع ابنَتَهُ منَ الدُّخولِ فِي بابِ الحُلمِ

3.

لو أمكنني لصرفتُ حرّاسًا على بابي،

إذا مرّ طير فوق رأسي

أطلقوا النارَ

وإذا سرَت رعشةٌ فِي جَسَدِي

أطلَقُوا عليَّ

وإذَا طلِعتْ وردةٌ بينَ الحروفِ،

مِن تلقائِهَا

حرقوا الحروفَ

وإذا أزهرَ الوشمُ عَلَى ذِرَاعِيَ قطَعوهُ

وإذَا اقْتربَتْ لُغةٌ مِنِّي بِقصدِ التّعارفِ

نسَفُوا الجُسورَ!

4.

لو أنِّي واظبتُ على دُروسِ الفِيزياء

لاهتديتُ الآن إلى لفظة فُراغية،

أطلقها في فضاءاتكم

وحواسيبكم

فتُفرغُ كلَّ نصوصِكُم مِنَ مَضامِينِها المُزوّرَةِ

وتدَاعياتِهَا المَأْجورةِ،

وَلَظَلَّتِ الكَلماتُ هياكلَ مُهشّمة

لا حُبّ فِيها ولَا حَبِيبات

ولَا وردَ ولا أمسيات،

وانكشفتْ قلوبُكُم المُستعارَة!

5.

لو أني ذهبتُ في مسارٍ علميٍّ كصديقِي سليم

وتوغّلت في علوم الفيزياء الذرّية مثلًا،

لكنتُ اهتديتُ إلى حيلةٍ علمية

تُساعدني على تجريدكم منِّي

وكلِّ قواميس مفرداتكم الملطّخة بدماء ضحاياكم!

فتظهرون على حقيقتكم بدون لغة تزنونَ بها،

تغسلونَ بالمحسّناتِ أيديكم

وتزيّنونَ مجازرَ الطَّاغيةِ،

وتزفّون إلينا السقوطَ!

أغَاظنِي مِنْ بيْنكُم

شَاعرُ غيرُ شَهمٍ،

يتحدّث عن حرّيتهِ هوَ

ويزجّ بالقصائدِ

بينَ صَدْرٍ وعَجز!

7

أعترفُ أنَّ سيْريَ بطيءٌ

وأنَّنِي، مَهْمَا تَحايلتُ، لَنْ أجَارِي الزَمَانَ

فأحمْالي الَّتِي مِنكُم ثَقيلةٌ

فِي واحتِي كلُّ جِثَثُ مُفْردَاتِكُم المَيِّتةِ

ووجوهُ البناتِ الَّلاتِي وُئِدْنَ

والنِّساءُ الَّلاتِي سُبينَ

وفِي جَنَباتِ بيْتي عجيجُ حُروبُكم مُنذُ داحِس

وأفعالُ ماضيكُم وفائضُ الكلامِ

والخُطبِ

دروبيَ مسدودةٌ

فلن أجارِي الزمانَ

وفي رئتيّ كلُّ أسبابِ التصحّر

 

(شباط 2018)

_______
*شاعر فلسطيني

 

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *