الرئيسية / نصوص / الضياع

الضياع

خاص-ثقافات

*سفيان سعيداني

” الإهداء : إلى الصديق م.ع الذي ألهمني هذه القصة فتآلفنا على أنقاضها و توحدنا بعنوانها . “

 و لكنه لما دخل القاعة العتيقة ، أخفى نزيفه خلف معطفه الأسود ، ربما كان الموت أقرب من أن يرى ، و ربما من أنفة النفس أنها تخفي و لا يخفى عليها شيء ، شريط الماضي يدير نفسه ، هذه الكراسي الشاغرة ، و هذه الطاولات الخشبية ، غمائم الدخان المنبعثة من أفواه الجالسين ، و لكن لا حراك و لا حديث الآن في هذه الساعة المتأخرة .

جلس يستدرك ، ربما تكون هذه الليلة رائقة بما فيه الكفاية ، و لكن لازالت روحها تحوم بهذه الأركان ، ابتسامتها ، حياؤها ، رقتها ، لكم خادعت نفسك ، و منيتها طويلا ، و لكنك لم تنسى ، هي ليلة أخرى تراكمت فيها الذكريات ، هي ليلة أخرى و لكن لا ككل الليالي السالفة ، و لربما يحن المرء إلى الماضي قليلا ، و لربما يلتمس منه ضماد الجرح الغائر ، و ما همي العزاء و لكن ربما أراك بقلبي المثخن فتجف الدماء قليلا ريثما تنقضي ساعات النكد الخرساء .

اسطوانة الأغاني أخذت مجراها ، لحن الدمار و صوت جارح كالحسام ، انبعثت تهز الأرجاء . أخرج سيجارة ليحتفل وحده و ينعى سابحا في فلك الأحقاب الخاوية ، و لما ضغط زناد قداحته لينذر بافتتاحية المأساة ، كل الوجوه تفرست فيه قليلا بنظرات ثاقبة ، ثم عادت إلى شأنها ، هو يشفق عليهم قليلا ، أرهف عيناه العسليتان ثم ابتسم رغما عنه ، لكم انخدعوا كثيرا بهذا الصمت الطويل ، و لكم غرهم هذا الهدوء ، و قد يحصل أن يخدعك الظاهر و يعبث بظنونك و خواطرك ، و لكن في الأعماق نزاع و صراع ، معركة دامية ، و أمور عديدة  ليس يحيط بها علما سوى الله .

طه و طعن الهوى ، هذه هي القصة في كلمتين ، سيطول الحديث كثيرا أيتها النفس الجامحة ، هل كانت الأيام كافية ؟ ، خمس من السنوات مرت كلمح البصر ، من كان يدري أن سنين الخير و الحب ستطغى بعدها سنين عجاف من الدمع و القحط ، هي قصة ربما مضطربة قليلا و لكن للحديث مشوار جميل .

تفحص النافذة بانكسار معتاد ، في هذا السكون الليلي الذي نفحته قطرات المطر الذي استرسل عما قليل لينبأ بعاصفة هوجاء ، ستبدو الحكاية حزينة جدا و لكن قد تعشق النفس أحيانا جائحة تروم من وقعها شفاء ، و السم الهاري قد يكون شفاء في ذات الأوقات القاهرة ، أطلق من فيه دخان الأعماق المحرق ، ثم تنهد و وضع كفه على الطاولة ثم أطبق قبضته بقوة و أرخاها طويلا .

المعهد القديم ، ميلاد الحب كان فيه ، كنا محض أصدقاء تجمعنا الأحاديث صباحا و يهزنا الطرب المزاح ، و تفرقنا عشيا تلك النظرات الغامضة ، من هناك ابتدأت الحكاية العظيمة ، كنت لا أعلم ، و لكنها كانت تحفظني في قلبها و تقيني برموشها ، لم أكن من المتسرعين ، الحب شجاعة و لكنه ليس تهورا ، كنت رائق الذهن ، صافي النفس إلى أن أتى النبأ الذي قلب مجرى الأحداث و مهد لأيام مختلفة ، و ما الحياة إلا كمثل كتاب ، و كل صفحة منه تخبأ لنا الكثيى من سيرورة الأحداث بجميلها و مرها ، و لكن في صفحة ما ، في سطر ما ، قد ينبثق أمام ناظريك موقف يقلب الحكاية و يجعل للرواية منهلا آخر ، و قد كان كما سأروي و لست أدري ، ألا ليته لم يكن و لكن قد كان و رضيت ، أتاني الصديق بالخبر الذي طربت له روحي ، ما عهدته من أهل الكذب ، قال : هي تحبك يا صاح . و رغم أنني تعمدت فسفهت كلامه و رميته بالدعابة و الإبتذال ، إلا أنه أصر و هكذا زاد يقيني يقينا .

نصرة ، و لا نصرة لي في حبك ، ما جنيت سوى الألم … في ذات صباح تأهبت طويلا ، نسجت من الكلام ما يروق لها سماعه ، و لكنني استدركت ، سرت مرتجف الخطى ، كان الكون يتقلب حسنا و بهاء ، سرت بين أصداء الزهور اليانعة ، قطعت الطريق المفضية إلى المعهد كالعادة ، و لما رأيتها ترددت كثيرا ، و لكنني صارحتها بكل ما أوتيت من جرأة ، قد تحتم عليك الأيام أن تنهي الأمر دون مقدمات أو اطناب ، و لكنها جافتني ، و أنكرت ما روي و قيل ، كسر القلب لوهلة ، تصنعت مسرحية اللامبالاة و حبكتها بفضول المعرفة ليس إلا ، و لكن بالقلب نبش الجرح المتوغل ، ارعويت بعد ذلك ، لم أستطع مداراة الألم المتقد ، و ربما الدموع التي جاهدتها لم تطاوعني و انهالت على الثرى .

لم تنتهي الحكاية و لم نفترق ، ظللنا أصدقاء كما كنا و لكن من وراء عيونها المتراقصة يمكث لغز ما ، أنا أعرف أن الإجابة لم تكن صحيحة و لو لبرهة ، قد يعذبك من يحبك لا لشيء ، بل لتزيد غرقا في هيامه ، و كما يقول المثل ” العاشق يركض وراء معذبه ” ، و لكن من استقى من حكمة الأوائل ، ليس حريا عليه أن يقع في هوة كانوا قد حذروا منها ، تجافيت أنا ، و حملت الجرح في قلبي طويلا ، و لكن مع الأيام ، عندما خانتها الأعذار و خانها الصبر ، و عندما أعياها حالي الواجم دون حراك أو لمحة تأول نصا ما ، قالت دون تورع و أطلقت عنان الروح و العشق ، قالت : أحبك . و في تلك اللحظة العجيبة اهتزت نفسي ، و طربت روحي ، كلمة واحدة قلبت الدنيا ، كلمة واحدة جعلتني في تلك اللحظة أسعد خلق الله ، و صارحتها بدوري و مذ تلك اللحظة و نحن أحباء .

آه يا سنين الوصال ، هل من سبيل يعيدني إليك ، تحادثنا طويلا ، حملنا أسرار بعضنا و بهمومها و مصائبها ، أيام مرت كلمح البصر ، ما أجملها من أيام ، العين تذرف الدمع شوقا و القلب يكتم نزيفه المتدفق ، أتذكر يوم عيد ميلادي ، لقد تناساني البشر و لكن هي لم تنسني ، ناولتني هدية ، و احتفلنا طويلا ، لكم كانت تلك اللحظة غالية ، لكم أتمنى أن تعاد و لو ليوم واحد .

طه و نصرة ، حكاية جميلة و لكن من المذنب ، لست أنا و ليست هي ، و لكنه القلب ، العين قد تخطئ و القلب يصدقها ، ظننت أن الخيانة عصفت بقلبها فمالت متقلبة ، يوم أبصرتها مع غيري ، اندلع الشك يلتهم بألسنته يقيني و ثباتي و حكمتي ، جرحتها و ماذا كانت تنتظر من قلب مزقته الظنون ، أبكيتها و بكيت ، و تفارقنا في يوم مظلم مرعد قاس ، كهذه الليلة أو أعنف ، و رحلت مكسورة الخاطر و كان عهدي بها ، و لكن الندم ليس يجدي بعد اليقين ، فما الحل الذي يرتجى يا ترى ، لست أدري و لكن هذه الأيام تخبأ بين طياتها أمورا لا يتسنى للمرء إدراكها ، و لست أدري ما إذا كانت الأيام سترق لحالنا ، إن الجرح الذي حملناه لن يريحنا ، و لكن قد يحصل أن تفاجئك الأقدار من حيث لا تدري ، و قد يحصل أن يعوض الله من صبر خيرا كثيرا ، و يا ليلة الحزن ما أنت إلا نافذة ألتمس منها حنينا فارطا ، سلام على أهل الهوى ، قد ذقت مما ذقتم و اكتفيت .

و لم يشعر إلا بعقب السيجارة قد أحرق أصابعه فرماها بعيدا ، و نهض و تأمل قليلا في تلك الإسطوانة الدائرة حول نفسها ، ثم استدار و ممر خطاه المتوازنة خارجا و لكن العاصفة اعترضته بعربدتها ، فتنهد و أخفى دمعة مهراقة و خاض غمارها ضائعا بين الأزقة المعتمة .

___________

كاتب تونسي

شاهد أيضاً

أغنية محشوة بالريش

خاص- ثقافات *عبد الرحيم التوراني في غرفة الانتظار ظلوا مدثرين بالصمت، وبقوا على حالهم هذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *