الرئيسية / خبر رئيسي / إنعاش الإسلام

إنعاش الإسلام

*هاشم صالح

أصبحت مشكلة الأصولية المتطرفة الشغل الشاغل للمثقفين الفرنسيين منذ نحو الخمس سنوات فقط، بعد أن كانت الشغل الشاغل للمثقفين العرب منذ عقود أو قرون. وهذا تطور لافت حقاً. ففي الماضي كانت المشكلة تبدو نائية جداً عنهم ولا تخصهم إلا من بعيد البعيد. وكانت الأصولية الإخوانية تعتبر مشكلة العرب والمسلمين فقط. ولكنها الآن أصبحت في الصميم من اهتمامات المثقف الفرنسي والإنجليزي والألماني والإيطالي، بل وحتى الأميركي والكندي، بل والروسي والصيني والهندي الخ.. باختصار شديد: لقد أصبحت مشكلة العالم كله. وهذا خبر مهم بالنسبة للمثقفين العرب والمسلمين ككل.. لماذا؟ لأنهم عاجزون وحدهم عن مواجهة مشكلة ضخمة كهذه، أو حتى تشخيصها كما يجب، ناهيك عن إيجاد العلاجات والحلول. الآن أصبح هناك أناس آخرون مهتمون بقضيتهم كل الاهتمام. وهؤلاء الأشخاص ليسوا نكرات. إنهم كبار مثقفي العالم المتقدم الأوروبي – الأميركي.

ضمن هذا السياق نلاحظ أن مجلة «عالم الأديان» الصادرة عن جريدة (اللوموند) الفرنسية تقدم إسهامها في هذا المجال من وقت لآخر، بل وفي كل وقت تقريبا. فعددها الأخير الذي دشن العام الجديد 2018 كان مكرساً كله تقريباً لموضوع إنعاش الإسلام. والمقصود بذلك تجديد الفكر الإسلامي بغية مواجهة تيارات التطرف والظلام المهيمنة حاليا. ومن حسن الحظ أن المجلة أوكلت مهمة التجديد في معظمها للمثقفين العرب الناطقين بالفرنسية أو العارفين بالأجواء الثقافية والجامعية الباريسية. وكان من بينهم، أو في طليعتهم المفكر التونسي العياض بن عاشور الذي أدلى للمجلة بمقابلة مطولة. ومعلوم أنه أحد الشخصيات التنويرية الكبرى في تونس. كما أنه عضو في لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. والأهم من ذلك أنه أحد آباء الدستور التونسي الجديد الذي اعترف بحرية الضمير والمعتقد لأول مرة في العالم العربي. وله كتب قيمة تتركز على تجديد الفكر الإسلامي من النواحي الثقافية والقانونية والسياسية.

ويرى هذا الباحث أن الفكر النقدي الحر في الإسلام كان موجودا على مدار العصور، ولكن المشكلة هي أن التيار الظلامي غطى عليه وطمسه إلى درجة أن الناس في الغرب ما عادوا يرون غيره. بل وأصبحوا يعتقدون أن الإسلام هو داعش وداعش هو الإسلام! وهذه كارثة حقيقية لأن التراث الإسلامي العظيم ضخم جدا. إنه بحر متلاطم الأمواج من التيارات والشخصيات ولا يمكن اختزاله إلى تيار واحد. ولذا ينبغي علينا تعريف الآخرين بالوجه المضيء من تراثنا العربي الإسلامي. وعلى هذا الوجه المضيء يذكر العياض بن عاشور عدة أمثلة مشهورة كالمعتزلة، وابن رشد، وابن الطفيل، وابن باجة، والمفكرين الإصلاحيين في القرن التاسع عشر كجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده بالإضافة إلى التيارات الكمالية والبورقيبية. ولكن كان هناك تيار آخر يتصدى لهذا التيار العقلاني المنفتح هو التيار الظلامي المتمثل بالجماعات السلفية والاخوان المسلمين. وعنهم تولدت حركات التطرف التي تشغل العالم حالياً كداعش والقاعدة، الخ.. وهذه الحركات المتطرفة العمياء تريد التطبيق الراديكالي للقانون الديني القديم بكل حرفيته دون أي تأويل أو تطوير. كما وتريد منع الاختلاط في المدارس والجامعات بين الذكور والإناث. وتتميز هذه الحركات أيضاً بالكره الشديد للمرأة، والفن، والشعر، والموسيقى، والغناء، والحياة ككل.

ثم يطرح المفكر التونسي هذا السؤال الأساسي: لماذا لم تنتصر فكرة الحرية التنويرية في العالم العربي والإسلامي كله على الرغم من تعميم التعليم الحديث على المواطنين وانتشار الأفكار الجديدة ونهوض الجامعات وكل تيارات الإصلاح الديني؟ ويقول بكل أسف بأنه لا يملك جوابا على هذا السؤال. ولكنه يضم صوته إلى صوت المفكر التونسي والمحلل النفساني المعروف فتحي بن سلامة الذي يقول: ما ينبغي أن نفكر فيه ونحصل عليه هو الحرية الكاملة أو الخلاص الكامل من دون تقديم أي تنازلات للمتطرفين الظلاميين. وهذه الكلمات القلائل تمثل مشروع كل التنويريين العرب من المحيط إلى الخليج.

معضلة الإسلام السياسي

أما المفكر التونسي الآخر محمد الحداد أستاذ علم الإسلاميات والأديان المقارنة في جامعة قرطاج فقد صرح للمجلة قائلاً، ما معناه: يخطئ الغربيون الذين يظنون أن الإسلام غير قابل للإصلاح. والدليل على ذلك أن محمد عبده وضع أسس هذا الإصلاح منذ القرن التاسع عشر. ولكن المشكلة هي أن التيار المهيمن على الإسلام حاليا هو تيار الإسلام السياسي. ثم يوجه محمد الحداد كلامه للفرنسيين قائلاً ما معناه مع بعض التصرف في التعريب والشرح من قبلنا: تقع على كاهل الأوروبيين والغربيين عموماً مسؤولية كبيرة في هذا المجال. ينبغي أن يلعبوا دورهم في تجديد الإسلام وإصلاحه لأنه توجد على أراضيهم جاليات إسلامية ضخمة. وبالتالي فمن مصلحتهم أن تكون متنورة عقلانية لا اخوانية ظلامية. فالمشكلة أصبحت مشكلتهم أيضا ولم تعد مشكلتنا نحن فقط. ولكنهم لا يفعلون شيئا يذكر حتى الآن. والدليل على ذلك أن المفكر الجزائري الكبير محمد أركون كان قد اقترح في نهاية الثمانينيات تأسيس كلية لتعليم اللاهوت الإسلامي على الطريقة التاريخية والفلسفية الحديثة تماما ككليات اللاهوت البروتستانتي والكاثوليكي. ولكن لم يستمع إليه أحد. ولهذا السبب فلا يزال التعليم التقليدي للدين الإسلامي مهيمناً حتى في فرنسا العلمانية الحداثية ذاتها! فما بالكم بالعالم العربي أو الإسلامي؟ لو قبلوا بتأسيس هذه الكلية التجديدية التنويرية لتخرجت أجيال من كبار الباحثين في علم الإسلاميات. بل ولكان ممكنا الاستفادة منها لتخريج العشرات من أئمة الجوامع المتنورين المنفتحين على الحداثة والعصر. ولكانوا قد حلوا محل مشائخ الإخوان المسلمين والسلفيين الذين تشتكي منهم فرنسا حاليا لأنهم يبثون الأفكار الداعشية المتطرفة في أوساط الجالية. فمتى يدرك الفرنسيون أن مصير الإسلام ومصير أوروبا أصبح واحداً؟ انهما مرتبطان بشكل لا ينفصم. فإما أن نغرق معاً وإما أن ننجو معا. ولذا فبانتظار أن ينتصر التعليم التنويري الحديث للدين الإسلامي على التعليم القروسطي القديم فان الجماعات الظلامية السفلية أو التحتية سوف تستغل الوضع وتسيطر على الفضاء الإسلامي كله.

سمات الحداثة المأمولة

ننتقل الآن إلى باحث آخر هو الفيلسوف الجزائري محمد طالب. ويبدو أنه يتموضع ضمن المنظور الفكري لشخصيات من نوع كارل ماركس وألفريد وايتهيد وجيلبير ديوران وادوارد سعيد. وهو يرى أن تجديد الفكر الإسلامي ينبغي أن يؤدي إلى بلورة حداثة إسلامية، سواء أكانت عربية أم افريقية أم تركية الخ.. وهذه الحداثة الإسلامية ينبغي أن تكون قادرة على تجاوز عقبتين أساسيتين الأولى خارجية والثانية داخلية: عقبة التغريب، وعقبة الأصولية المتزمتة. بمعنى ينبغي علينا أن نتجاوز العقبة الخارجية والعقبة الداخلية. وهذا موقف متوازن في الواقع ويستحق الاحترام. ذلك أن الحداثة العربية الإسلامية المقبلة لن تكون نسخة طبق الأصل عن الحداثة الغربية. فلكي تكون ابنة شرعية لا لقيطة ينبغي أن تكون وليدة الأرض العربية ذاتها وسليلة التراث الروحاني العظيم للإسلام ذاته. وإلا فسوف تلفظها الشعوب الإسلامية ولن تنغرس في الأرض العربية ولن تترسخ أبدا. بل وستظل تبدو وكأنها أجنبية، مستوردة، مشبوهة. يضاف إلى ذلك أن الحداثة الرأسمالية التي تشبه «قفصا من الفولاذ» أو الحديد الصلب كما يقول ماكس فيبر انكشفت نواقصها وعيوبها وبخاصة انعدام الحرارة الإنسانية فيها. والعالم العربي والإسلامي كله سيرفضها لأنه مشبع بالقيم الروحانية والإنسانية. وفي ذات الوقت يرى هذا الفيلسوف الجزائري أن العالم الإسلامي ينبغي أن يرفض الخيار المعاكس: أي القراءة الرجعية للإسلام والمتمثلة بالإخوان المسلمين والسلفيين. لماذا؟ لأنها منغلقة على ذاتها داخل قراءة حرفية وسطحية وشكلانية فارغة تتعارض مع قيم التقدم والتطور. ينتج عن ذلك أن الحداثة الإسلامية المقبلة في رأيه ستكون خطاً ثالثاً: لا مستورداً أجنبياً ولا محلياً رجعياً. المستقبل ليس للنزعات التغريبية الاستلابية ولا للتيارات الاخوانية الظلامية. وإنما سيكون لصالح الحداثة العربية الإسلامية المنبعثة من أعماق الذات التاريخية والخصوصية التراثية مع الاستفادة من أفضل ما أعطته الحداثة الأوروبية وبالأخص الفكر النقدي العقلاني الحر. وسيكون هدف هذه الحداثة الوسيطة أو الوسطية تحقيق نهضة ثقافية واجتماعية وروحانية للعالم العربي والإسلامي ككل. وستكون مشحونة بلاهوت التحرير والحرية. وإذن فهذه الحداثة ستكون استعادة لأفضل ما أعطاه تراثنا العربي الإسلامي من جهة، ولأفضل ما أعطته الحداثة الفلسفية والعلمية الكونية من جهة أخرى. لقد تميزت الحضارة الإسلامية إبان العصر الذهبي بمهارة اجتماعية ثقافية رائعة وبنشاط فكري وعلمي كثيف جدا وغير مسبوق. وهذا يبرهن تماما على أن الإسلام (إذا ما فهمناه جيدا) يتوافق تماما مع التقدم الاجتماعي والفكر العقلاني والإبداع الخلاق. وبالتالي، فالمشكلة ليست في الإسلام ذاته وانما في الفهم الانغلاقي والظلامي الخاطئ له.

جوفروا والإسلام الصوفي

والآن دعونا نتوقف قليلا عند مقالة البروفيسور إريك جوفروا أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة ستراسبورغ ورئيس مؤسسة الوعي الصوفي وصاحب كتاب: الإسلام سيكون روحانيا مثاليا عاليا، أو أنه لن يكون. وكنا قد ترجمناه إلى العربية سابقا ونشره المركز القومي للترجمة في مصر الحضارية العظيمة. ومعلوم أن هذا الباحث كان قد اعتنق الإسلام من شدة حبه لتراثه الصوفي الكبير وأصبح اسمه إريك (يونس) جوفروا. نلاحظ أنه يستشهد منذ البداية بكبير أدباء الألمان غوته الذي يقول: «اذا كان الإسلام يعني تسليم النفس لله والخضوع لمشيئته فإننا نحيا جميعا ونموت في الإسلام». ثم يضيف: «إذا كان الإسلام يمثل قمة الروحانية الصافية والمثالية الأخلاقية العالية فنحن جميعا مسلمون».

والسؤال المطروح الآن هو التالي: ما الذي حصل لكي تنقلب صورة الإسلام عاليها سافلها؟ لماذا لم يعد أي مثقف في الغرب يفتخر بالإسلام كما كان يفعل غوته وفيكتور هيغو ولامارتين وتوماس كارلايل وتولستوي وعشرات غيرهم؟ لماذا كان الإسلام مبجلاً من قبل فلاسفة أوروبا سابقا، وأصبح مرفوضا الآن بشكل قطعي؟ على كل هذه الأسئلة المتلاحقة يجيب اريك يونس جوفروا قائلا: الحق على الموجة الأصولية التي اكتسحت العالم الإسلامي طيلة الثلاثين سنة الأخيرة. المسؤولية تقع على كاهل جماعات التطرف والإرهاب التي شوهت صورة الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها. ثم يضيف بكل قوة: الحق يقع على السرطان الاخواني.. وهو سرطان ينخر في جسد المجتمعات الإسلامية من أولها إلى آخرها. ثم يضيف البروفيسور جوفروا قائلا: لا ريب في أن الفكر الإسلامي تكلس وتحنّط وتحجّر بعد أفول العصر الذهبي والدخول في عصر الانحطاط. ولكن المسؤول الأكبر عن هذا التكلّس والتحنّط في عصرنا الراهن هو الشيخ رشيد رضا أستاذ حسن البنا وجماعات الاخوان المسلمين. فرشيد رضا هو الذي تخلى عن الفكر الإصلاحي التنويري لأستاذه الكبير الإمام محمد عبده. كما وتخلى عن الفكر الإصلاحي الرائع لجمال الدين الأفغاني أستاذ عبده ذاته. لقد انحرف عن فكرهما الإسلامي المستنير لكي يتبنى الفكر الرجعي المحافظ في الإسلام. وعن هذا الانحراف والانغلاق نتج السرطان الداعشي الحالي.

أخيراً كنت أتمنى لو أستطيع التوقف عند المقابلة المطولة التي أدلى بها الفيلسوف التونسي يوسف الصديق للمجلة. وكذلك عند جهود الباحث الفرنسي إريك فانسون الذي أشرف على العدد كليا. وهو يستشهد بكبير فلاسفة الألمان في القرن السابع عشر «لايبنتز» الذي يمجد «العرب عندما كانوا أساتذة أوروبا».

حل معضلة التطرف عند أركون

اقترح المفكر الجزائري محمد أركون في نهاية الثمانينيات تأسيس كلية لتعليم اللاهوت الإسلامي على الطريقة التاريخية والفلسفية الحديثة تماماً، ككليات اللاهوت البروتستانتي والكاثوليكي. ولكن لم يستمع إليه أحد. ولهذا السبب، فلا يزال التعليم التقليدي للدين الاسلامي مهيمناً حتى في فرنسا العلمانية الحداثية ذاتها! فما بالكم بالعالم العربي أو الاسلامي؟ لو قبلوا بتأسيس هذه الكلية التجديدية التنويرية لتخرجت أجيال من كبار الباحثين في علم الإسلاميات، بل ولكان ممكناً الاستفادة منها لتخريج العشرات من أئمة الجوامع المتنورين المنفتحين على الحداثة والعصر.
________
*الاتحاد الثقافي

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *