الرئيسية / نصوص / ورقة مالية

ورقة مالية

خاص- ثقافات

*سيومي خليل

في إحدى المداشر المنسية في المغرب والتي تقع بين تجاويف الجبال والثلوج كانت العملة النقدية الدرهم قليلة جدا ، وأغلب سكان المدشر لم يتلمسوا معدنها بعد ،كان بعض السادة هم من يعرفون كيف يتعاملون بها ، أما الآخرون فقد تركوا هؤلاء السادة أوصياء على حاجاتهم اليومية التي يقضونها بفلاحتهم ورعيهم ؛ السادة يبادلون عمل الفلاحين في أراضيهم بالضروري من المقتنيات.
كان المدشر يسبح في الزمن متهاديا وديعا كل شيء ثابت فيه إلى أن مرت حافلة سياح كان من بها هائجين فرحين بروعة قمم الجبال المكسوة بالثلج ، على إثر هذا الصخب الفرح قام سائح برمي أوراق نقدية زرقاء وخضراء ومن فئة 20درهم من النافذة ليدل على سخائه في وجه الطبيعة الأخاذ. رمى أكثر من رزمة من الأوراق المالية والحافلة تتهاوى بسرعة بين الفجاج الوعرة .بدأت تغيب الحافلة عن النظر ، وبدت في نفس اللحظة الأوراق كأنها أرياش طائر مقصوص الجناحين نزلت من السماء . تفرقت الأوراق في اتجاهات مختلفة ، منها من سقطت بعد مدة قصيرة من التحليق ، ومنها من ظلت سابحة في الفراغ الذي يفصل الطريق عن المداشر .ورقة من فئة 200درهم ظلت تقاوم السقوط إلى أن وصلت إلى المدشر الذي تغيب الدراهم عنه . سقطت هناك قرب راعيين صغيرين يتلفعان البرد . لمحا معا الورقة التي من الطبيعي سيفشلان في معرفة فائدتها ، ولم هي مزوقة ، ودلالة الصور والرموز عليها. منطقيا راع صغير كان يبيع رعيه ببعض البيض والخبر والخضر واللحم طول حياته لن يعرف كنه الورقة الزرقاء التي سقطت. تحركا معا جهة الورق وتركا نعاجهم ومعزاتهم دون أي حراسة .كان يركضان لينال أحدهما سبق معرفة هذا الذي وقع. وصلا معا في نفس اللحظة ووضع كل واحد منهما يده على الورقة ..صاحا معا : أنا أول من عثر عليها. سيكون من البلادة ادعاء الراعيين لأولويتهما على شيء لا يعرفان فائدته ؛ ما فائدة أن تقول أنا من وضعت يدي علي الورقة أولا وأنت لا تعرف لما تصلح؟ اعتبر قولهما قول على سبيل العادة ، فغالبا ما كانا يتنافسان على من يضع يده أولا على الصخرة الواقعة خلف خرافهما ، أو يتنافسان على من يضع يده أولا على جدع الشجرة العاشرة جنوب الحقل الذي يرعيان فيه. بعد أن قالا قولهما مسكا بتلابي بعض دون أن يتخليا عن الورقة ، التي بديا أنهما يمسكانها وهما خائفين من أن تتمزق.أبدت حركتهما هذه أنهما يعرفان وظيفة الورقة المالية حتى وإن لم يرياها يوما في حياتهما.
س خ

شاهد أيضاً

فـضاء

خاص- ثقافات *محمود شقير تذهب ومعها الطفل إلى السوق. بعد ساعة من الوقوف أمام المرآة، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *