الرئيسية / خبر رئيسي / اللوحات الاستشراقية: القدس عربية

اللوحات الاستشراقية: القدس عربية

*د. حورية الظل

القدس مدينة الحب والسلام، ولها تاريخ عريق ضارب في القدم وقيمة دينية وثقافية لا تضاهى. ورغم أن الكثير من المؤرخين يتهمون المستشرقين بخدمتهم للأجندة الاستعمارية لمّا يتعلق الأمر بالشرق، فإنهم، وإن كانوا قد فعلوا ذلك، توخوا الدقة في نقلهم لتفاصيل هذا الشرق الساحر ومظاهر الحياة فيه، الأمر الذي جعل أعمالهم الفنية ومذكراتهم جزءاً من تاريخه،، وتوثيقاً للكثير من تفاصيل الحياة اليومية فيه، لأنهم صوروا الأسواق والأزياء، بالإضافة إلى الطقوس الدينية والمآثر التاريخية، دون حاجة للتخيل الذي يؤدي إلى المبالغة في نقل التفاصيل، وهو أمر طبع الأعمال الفنية التي صورت الحريم، نتيجة عدم قدرة الفنانين الاستشراقيين على اقتحام عوالمهن السرية، فغلبوا الخيال على الواقع. أما القدس، فقد حظيت لقدسيتها بنصيب وافر من أعمال هؤلاء المستشرقين الفنية ومن مذكراتهم، فهل جانب هؤلاء الصواب، وحرفوا الحقيقة في تصويرهم للمدينة المقدسة، أم أكدوا في أعمالهم الفنية، ولو عن غير قصد، على عروبتها؟

شحذت مدينة القدس مخيلة الفنانين، وكانت ولا تزال مصدر إلهام للكثيرين منهم. وبما أن المستشرقين اعتبروا الشرق عالماً عجيباً وغريباً وغامضاً وساحراً ومفعماً بالمفاجآت، فقد شدوا الرحال إليه، وأكثر المناطق التي جذبتهم تلك التي تميزت بالقداسة، كمكة ومدينة القدس، وقد أصبحت هذه الأخيرة من الوجهات المفضلة لديهم في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر نتيجة مزاياها التي لا تحصى، فهي مدينة روحية بامتياز، كما أن الأحداث الكثيرة التي كانت مسرحا لها خلفت إرثاً إنسانياً كبيراً منحها مكانتها الدينية والجمالية، فهي ترتبط في الذاكرة الجمعية بكل ما هو ديني ومقدس ومبارك وغامض وساحر، وهذا سر انجذاب معظم الفنانين الاستشراقيين لزيارتها.

توثيق السِّحر

خلف لنا هؤلاء الفنانون الاستشراقيون الكثير من اللوحات المائية والزيتية التي نقلوا من خلالها معالم القدس، ومآثرها الدينية، وشوارعها، وحاراتها، وأسواقها. كما وثقوا مظاهر الحياة اليومية بها وطريقة عيش سكانها وعاداتهم وتقاليدهم وأزياءهم، واحتفوا بالطبيعة المحيطة بالقدس، وبألوانها البهيجة وأنوارها. كل ذلك منح المدينة المقدسة هالة من السِّحر التي لا تقاوم، فاعتُبر هذا المزيج المفعم بالروحية مفردات وموضوعات أثيرة في أعمال الفنانين الاستشراقيين، كما يمكن اعتباره دون تردد، تسجيلاً فنياً لتفاصيل الحياة والثقافة والعمران والطبيعة بالقدس، وهذه الأعمال أكدت أهمية الذاكرة البصرية لمدينة القدس والتي تعد إثباتا لا يقبل الشك على هويتها العربية والإسلامية، فالكثير من أعمال المستشرقين الفنية أكدت أن القدس مكان للتعايش والمحبة والتسامح وهي كلها من مبادئ الإسلام.

ومن ثم، فإن أعمال المستشرقين الفنية حول القدس تميزت بطابع تراثي وتاريخي، وأيضا بطابع توثيقي لمعالمها ولتفاصيلها ولمظاهر الحياة فيها، وحتى أسماء الأماكن لم يقم هؤلاء المستشرقون بإغفالها، وكل ذلك يعد حجة دامغة ترفع في وجه الاحتلال الإسرائيلي الذي يُخضع الكثير من المعالم بالقدس إلى المحو والتزوير في محاولته التحايل على التاريخ والجغرافيا والثقافة العربية والإسلامية بالقدس.

أرض التسامح

ومما يؤكد عروبة مدينة القدس وأيضا التسامح الديني الذي ساد فيها، أن المسيحيين العرب كانوا يتعايشون في المدينة المقدسة مع المسلمين ويمارسون طقوسهم الدينية بكل حرية ودون قيود أو رقابة. وما جاء في مذكرات المستشرق الألماني دافيد روبرتس حول رسمه لكنيسة المهد سنة 1841م زيادة في التأكيد على ذلك: «بينما كنت أرسم كنيسة المهد، وصل رجل من القدس يحمل معه النار المقدسة التي يقول الكهنة إنها من الجنة، واستقبله جميع العرب المسيحيين برايات الترحاب، وفي مقدمتهم الكهنة».

واللطيف في الأمر، أن القدس تعد من بين أكثر المدن التي حظيت باهتمام الرسامين الاستشراقيين في القرن 19، وخاصة المسجد الأقصى وقبة الصخرة اللذين يحيلان على القدس وعلى عروبتها، وقد أكد ذلك الناقد التشكيلي السوري محمود شاهين بقوله: «لا يزال المسجد الأقصى وقبة الصخرة الإشارة الأهم والأبرز التي تذهب بنا مباشرةً إلى القدس، مؤكدة عروبتها»، كما أن تناول المستشرقين لمدينة القدس بأكثر من صيغة ومن زوايا رؤية متعددة، كلها أمور تؤكد عروبة القدس ولو عن غير قصد من طرف هؤلاء الذين كان بعضهم يخدم أجندة المستعمر الغربي، وسنستدل على ذلك بنماذج من أعمالهم الفنية التي احتفوا من خلالها بمدينة القدس وبكل ما يمنحها خصوصيتها وقداستها وعروبتها.

تشارلز تيودور فرير

من الفنانين الاستشراقيين الذين زاروا القدس، وكانت مصدر إلهام لهم الفنان الفرنسي تشارلز تيودور فرير (1814 – 1888) حيث نجد له الكثير من الأعمال الفنية التي نقل من خلالها مدينة القدس ومحيطها، فركز في لوحاته على نقل المساجد والكنائس وغابات الزيتون ومضارب البدو، وقد قدم صورة تؤكد الطابع العربي والإسلامي للقدس، ومن أعماله الشهيرة حول الموضوع لوحة «بدو على جبل الزيتون» وفيها يبدو مجموعة من البدو بزيهم العربي وقد نصبوا خيامهم وبجانبها جمالهم على جبل الزيتون وفي مرمى بصرهم مشهد بانورامي لمدينة القدس تتوسطها قبة الصخرة. وقد حظي جبل الزيتون حسب الدارسين باهتمام الكثير من المستشرقين ويؤكد ذلك هشام الخطيب مؤلف كتاب «القدس.. مشاهد بانورامية» بقوله: «إن أهم المناظر التي تؤرخ للقدس تم رسمها من قمة جبل الزيتون التي تظهر فيها قبة الصخرة كمركز للصورة وللعالم وفق ما توصف المدينة بأنها تمثل سرّة الكون».

دافيد روبيرتس

أما المستشرق الإسكتلندي دافيد روبيرتس (1796 – 1864) الذي زار الأراضي المقدسة أي بلاد الشام ومن ضمنها القدس التي خصها وحدها بعشرين عملا فنيا، فتأكد اهتمامه بالقدس من خلال ترجمته للكثير من معالمها العمرانية ومن فتراتها التاريخية وبعض مظاهر العيش فيها إلى أعمال فنية، ومن هذه الأعمال لوحة متخيلة صور فيها حرق مدينة القدس زمن الرومان ولوحة قبة الصخرة، ولوحة كنيسة المهد وغيرها من الأعمال التي أصر فيها على نقل الأماكن الأثرية والكنائس والمساجد والمواقع الدينية وطعم كل ذلك بالطبيعة وبالحياة اليومية للسكان الفلسطينيين وبالأزياء العربية. وقد أكد من خلال ذلك على التعايش والتسامح بين الأديان في مدينة حظيت باهتمام كل الأديان السماوية، كما منح في لوحاته للأماكن المقدسة مرتبة خاصة، وأكد ذلك الفنان اللبناني عدنان خوجة بقوله: «ركز دافيد روبرتس اهتمامه في القدس على العناصر المعمارية فضخّم حجومها مقابل حجوم الأشخاص، وربما يكون ذلك محاولة لإعطاء المكان مهابة وقدسية خاصة ما قد تشكل رسالة، ولم يكتف دافيد روبيرتس بذلك، بل إنه سار على نهج المستشرقين جمعياً بوقوفهم على جبل الزيتون ليَرَوا القدس من ذلك الجبل، أي من زاوية محدودة».

غوستاف باورنفيند

وبالنسبة للفنان الألماني غوستاف باورنفيند (1848 – 1904) فقد استهوته الحياة بالقدس فاستقر بها في أواخر حياته وتوفي ودفن بها، وعلى عادة المستشرقين انبهر بمدينة القدس وبمعالمها المعمارية وبالتفاصيل اليومية لحياة الفلسطينيين فنتج عن شغفه بالمدينة المقدسة الكثير من اللوحات الفنية، ومنها، لوحة قبة الصخرة بالقدس ولوحة حائط البراق ولوحة الطريق إلى قبة الصخرة، ولوحة بائع ألبسة في القدس، وما ميز هذه الأعمال، ذلك النقل الصادق للمعالم العمرانية وللأشخاص، حيث الخطوط والألوان النورانية الشفافة وحركة الشخصيات في الفضاء العتيق وأزياؤهم كلها أمور تؤكد على الطابع العربي والإسلامي للقدس.

كارل فيرنر

أما المستشرق الألماني كارل فيرنر (1808- 1894) فمن أعماله «كنيسة القيامة» و«حائط البراق» رسمهما على الورق بالألوان المائية، ويعد من المستشرقين القلائل الذين سُمح لهم بالرسم داخل قبة الصخرة، وقد ركز على المآثر الدينية للقدس، فبدت أعماله ذات طابع توثيقي للأماكن المعمارية والمواقع الأثرية والدينية، مع إضافة لمسة من الروحية والقداسة لهذه الأمكنة، وقد أثث فضاء أعماله بالسكان الفلسطينيين وبأزيائهم وبملامحهم العربية وهم يمارسون حياتهم اليومية. وبالنسبة للمستشرق الإيطالي هيرمان كورودي (1844- 1905) فمن أعماله قبة الصخرة.

شاهد إثبات

ونتيجة هذه الأعمال الفنية للاستشراقيين يوجد اليوم عدد كبير من اللوحات التي تصور مدينة القدس، وهي تتوزع على أشهر المتاحف العالمية، وهذه اللوحات تشتمل على الكنائس والمساجد والشوارع والحارات والأسواق والمناطق المحيطة بالقدس كما تصور الفلسطينيين وهم يمارسون حياتهم اليومية أو طقوسهم الدينية، أو وهم في لحظات استرخاء، ولم تغفل الكثير من الأعمال الفنية حتى أسماء الأماكن العربية، فجاءت هذه الأعمال كشاهد إثبات على عروبة القدس، لكن الاحتلال الإسرائيلي يحاول محوها لتحقيق هدفه المتمثل في تغيير هويتها، وهنا، تعد أعمال المستشرقين الفنية جزءا من مقاومة محاولة المحو تلك، وتوثيقاً لجزء من تاريخ فلسطين وتاريخ القدس الشريف. ومقارنة بما وثقته الأعمال الفنية للمستشرقين حول القدس والتي تجمع على الطابع العربي والإسلامي للمدينة بما هو موجود اليوم نتأكد من تبني إسرائيل لسياسة المحو لتهويد القدس وتغيير معالمها، لكن التاريخ يشهد بعكس ذلك والأعمال الفنية للمستشرقين تعد قطعا تاريخية ووثائق رسمية تؤكد عروبة القدس.

ويرى رئيس مجلس بيت المقدس للدراسات الفلسطينية عبد الحميد أبو النصر أن أعمال المستشرفين: «تثبت وجود حياة فلسطينية متكاملة خلال القرنين الثامن والتاسع عشر، وهو ما يفند الادعاء الإسرائيلي الذي يروج بأنه لم يكن هناك دولة وكيان فلسطيني قبل اغتصابهم لأرض فلسطين عام 1948».

تسامح تاريخي

ما يؤكد عروبة مدينة القدس والتسامح الديني الذي ساد فيها، أن المسيحيين العرب كانوا يتعايشون في المدينة المقدسة مع المسلمين ويمارسون طقوسهم الدينية بكل حرية ودون قيود أو رقابة، وجاء في مذكرات المستشرق الألماني دافيد روبرتس حول رسمه لكنيسة المهد سنة 1841م: «بينما كنت أرسم كنيسة المهد، وصل رجل من القدس يحمل معه النار المقدسة التي يقول الكهنة إنها من الجنة، واستقبله جميع العرب المسيحيون برايات الترحاب وفي مقدمتهم الكهنة».

مركز الصورة

يقول هشام الخطيب مؤلف كتاب «القدس.. مشاهد بانورامية»: «إن أهم المناظر التي تؤرخ للقدس تم رسمها من قمة جبل الزيتون التي تظهر فيها قبة الصخرة كمركز للصورة وللعالم وفق ما توصف المدينة بأنها تمثل سرة الكون».
__________
*الاتحاد الثقافي

شاهد أيضاً

مهن في عباءة الإبداع

القاهرة: طارق سعيد أحمد غالباً ما تكون مهن الكتاب ذات انعكاسات سلبية على كتاباتهم، وبخاصة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *