الرئيسية / خبر رئيسي / تحية واسيني لمي زيادة في ليالي إيزيس كوبيا

تحية واسيني لمي زيادة في ليالي إيزيس كوبيا

خاص-ثقافات

*حورية الخمليشي

سعدتُ برؤية اسم مي على صفحة غلاف رواية واسيني الأعرج الأخيرة “ليالي إيزيس كوبيا.. ثلاثمئة ليلة وليلة في جحيم العصفورية” الصادرة عن دار الآداب. فمي زيادة أديبة استثنائية. عشنا لعقود في كنف كتاباتها. أحببنا رسائلها ولغتها الشفافة الجميلة ونبوغها الفكري. إنها امرأة بسحر الطفولة، دائمة الشباب لا تشيخ. وجمالية لغة واسيني وما تمتاز به من مسحة شعرية وتشويق، وخبرته الثقافية والروائية على الصعيد العالمي مكّنته من اقتحام أسوار العصفورية التي لم يجرؤ أحد على سبر أغوارها، ليكشف السّتار عن أسوأ أيام مي زيادة التي دامت عشرة أشهر في جحيم العصفورية -والعصفورية مصحّة للأمراض النّفسية والعقلية في بيروت- وهي الفترة التي بقيت غامضة في أذهاننا لعقود من الزمن. والجانب الذي لم يتحدّث عنه أحد بهذا التفصيل. ولم يمنحها أحد من الوقت والجهد ما منحه واسيني.

وقد نتساءل لماذا لم يهتمّ أحد بمي زيادة بهذا العمق المعرفي الروائي قبل واسيني الأعرج؟ ولماذا كلّف نفسه عناء البحث لمدّة ثلاث سنوات عن مخطوطات مفقودة؟ ولماذا اختار من بين ألقاب مي اسم إيزيس كوبيا دون سائر الألقاب؟ وما دوافع اهتمام واسيني بسيرة هذه الأديبة اللامعة في هذه المرحلة التاريخية؟

جاءت رواية إيزيس كوبيا من إيمان واسيني العميق بالظّلم الذي لحق هذه الأديبة النابغة. فقد قضى ثلاثة أعوام من الأسفار إلى العديد من مدن وعواصم العالم رفقة الباحثة الكندية اللبنانية روز خليل للتّنقيب عن المخطوطات المفقودة لمي زيادة التي ضاعت منذ أكثر من سبعين سنة. وهي عبارة عن يوميات كتبتها مي طيلة حجزها بالعصفورية. وضياع المخطوطة دليلٌ على طمس الحقيقة، بعد أن تخلّى عنها أهلها وتخلّى عنها أصدقاؤها من المثقّفين. لقد أحسّ واسيني وأحسسنا معه بعمق مأساة مي. يقول واسيني “لم يحدث لي أن أحسستُ بآلام امرأة مثلما أحسست بآلام مي، لهذا أشعر كأنّي معني بقوّة بهذه الآلام. لا أدري إذا أرجعتُ إليها ما سُرق منها أو بعضه، لكني أعتقد أنّها سعيدة هذه اللّحظة بعد حياة قاسية، وجنازة حضرتها القطط برفقة ثلاثة أشخاص رافقوها حتى مثواها الأخير”. (ص. 38- 39).

 ولعل انتصار واسيني للقب إيزيس كوبيا دليل على سموّ فكر مي ونبوغها وسعيها لثقافة إنسانية كونية. تقول مي: “أريد أن أكتب، كانت هذه رغبتي القصوى. أن أكون حرة ولا أخاف من أحد. كان عليَّ أن أخرج من دائرة البشر وأكتب باسم إلهة. استعرت من ماري البداية والنهاية. مي تصغير ماري عند الإنجليز. إيزيس كوبيا يكاد يكون الترجمة الحرفيّة لماري زيادة. إيزيس أخت الإله وعروسه. ماري أم الإبن وعروس البحر. كوبيا اللاتينية مرادفة لزيادة، أي الشيء الفائض. هذا التخفّي زاد من هياجهم.” (ص. 206). وقد كان واسيني على حق حينما لقّبها بغيمة الناصرة.. فمي بمثابة غيمة تحمل مطراً يزهو به الكون، ورمزاً من رموز العطاء الفكري والأدبي. والناصرة أقرب المدن إلى قلبها.

جاءت الرواية تحية وفاء وإنصاف لمي زيادة. وفي إنصافها إنصاف للأدب العربي والأمة العربية. جاء في تصدير الرواية: “أتمنى أن يأتيَ بعدي من يُنصفني” (ص. 5) ويكتب واسيني في نهاية الرواية “آخر ورقة ضممتها إلى المخطوطة بشكل موجع: إني أموت، لكني أتمنَّى أن يأتي بعدي من يُنصفني” (ص .344). فتنقيب واسيني في المسكوت عنه من سيرة مي زيادة استعادة لكرامتها المفقودة واستعادة لمكانتها المعرفية كأديبة ومثقّفة تجاوزت عصرها في الزمان والمكان. ومي زيادة شريكة واسيني في هموم الثقافة وشواغل الأدب والفكر والإبداع. وتستحقّ الامتداد المستقبلي إلى صنف الأدباء والمبدعين الكبار، والحضور بدل التّناسي الذي فرضه عليها عصرٌ بأكمله.

فكان واسيني في ليالي إيزيس كوبيا صديقاً وفياً لمي، وأخاً حنوناً، ومحامياً عادلاً، وطبيباً خبيراً، ومثقفاً تنويرياً. يقول واسيني: “إنّ الحَجْر على هذه النّابغة هو حَجْر على الأدب العربي وعلى الأمَّة العربية، وعلى العبقريَّة العربيَّة، فلا تُعدموها بسطرين من قلمكم.. وهي عاقلة فلا تجعلوها بحكمكم مجنونةً. إنَّ في عنقها الهواء الطَّلق، فوراءها الملايينُ من الخَلْق ينتظرونها.” (ص. 289) وهكذا تأتي الرواية كنوع من ثقافة الاعتراف ونبل الوفاء للمثقّفين الذين نالهم الظّلم. وهو ما يقتضيه تاريخ الحضارة الإنسانية.

تستدعي الرواية إعادة النظر في أسئلة النهضة العربية ودور المثقف ومسألة حرّية المرأة وحقوقها. فهل المثقّف النّهضوي كان يرغب فعلاً في الارتقاء بوضعية المرأة العربية  والدفاع عن حقوقها أم أنه دفاعٌ لم يتخلّص فيه من ذكوريته الخفية وهو ما يتمثّل بوضوح في موقف بعض أدباء ومفكّري عصر النّهضة من زميلتهم مي زيادة. تقول مي “ماذا أُساوي كامرأة أمام ذكورة متخلِّفة، حتّى ولو كان مستواي عالياً (…) يكفي أن يكون المرء امرأة، ليُجرَّد كلّياً من عقله وذكائه” (ص.90).

ولعلّ هذا أهمّ أسباب تخلّف المجتمع العربي بالمقارنة مع أوضاع المرأة الغربية. تقول “في النّهاية لستُ إلاّ امرأةً صغيرة، سَقْطَ متاع أمام ذكورة متجبِّرة وقوانينها. فيمَ نفعتني ثقافتي في عمق عفن الطّمع والكراهية؟ لا شيء. ماذا يعني أن تكون مثقّفاً في مجتمع يشرب التخلّف في كلّ ثانية، ويأكل نفسه بلا توقّف؟ (ص. 81). تحمل الرواية أسئلة عميقة لمكانة المرأة المثقّفة في الحياة الثقافية للمجتمع العربي. تقول: “أن تكون رجلاً يكتب، فهذا تحصيل حاصل، أن تكتب امرأة لا بدّ من أن يكون لها ظلّ.” (ص. 204)

ونجد في الرواية إحساساً عميقاً بالحالة الشديدة المأساوية التي عاشتها مي بين جدران العصفورية. على خلاف ما نقرأه في سيرة مي التي تأخذ فيها رسائل جبران الحيّز الأكبر. فحضور جبران كان روحياً، لأنه الوحيد الذي يمنحها الأمان والثّقة بعد أن أدرك عمق جراحها وآلامها التي لم يدركها المقرّبون منها. تقول مي “يوم غادرت القاهرة لم آخذ معي الشيء الكثير ما عدا رسائل جبران التي سرقوها منِّي، أهمّ ميراث في حياتي. جبران مات وبقي صوته الحيّ فيّ، بينما صرخة كامي كلوديل لم تبرح قلبي ولا ذاكرتي. وكأنّ الأقدار كانت تقرأ لي ما سيحدث لي بعد زمن وتهيّئ لي في صمت، أقسى المفاجآت. فكَّرت في الكتابة عن أكبر سجينة مظلومة في الدنيا، وكيف أنّ كلّ معارفها تنكّروا لها. حبيبها رودان، أمّها، أخوها بول، أصدقاؤها الكثيرون.” (ص. 189).

ولأول مرة أقرأ مي بجهاز قراءة مختلف يكشف عن حقيقة معظم صداقات مي ومحبيها ومعجبيها، ويُظهر أعطاب عصر بأكمله لا يرى في المرأة المثقفة إلا أنوثتها، ولا يرى في حريتها إلا خروجاً عن الأعراف والتقاليد. في الرواية تسمع أنين مي ونشيجها وصراخها الذي لم تكن تسمعه إلا أشجار العصفورية الكثيفة، فتبكي لبكائها من قهر الغربة وظلم الأهل والأصدقاء. وقد ينبض قلبك بشدّة حينما يُطْرَق باب غرفتها، فتستاء من عربة أدوية مدام شولي وقسوتها، وتُحسّ مع مي بوَجَع حُقنة المورفين. وتنتظر حضور بلوهارت وابتسامة وجهها الطفولي، لتُحسّ معها بلحظات الفرح الصغيرة التي تمنحها نوعاً من الأمان. وتشمّ عطرها الإيطالي فتفرح لسعادتها ونشوتها بحضور بعض الصديقات والأصدقاء على قلّتهم. وتسعَدُ بزيارة أمين الريحاني الذي يمنحها نوعاً من الثقة والطمأنينة. وتجلس مع الحضور مبتهجاً في الويست هول بالجامعة الأمريكية ببيروت تنتظر قدوم مي لإلقاء محاضرتها. وعلى غير ما كان يتوقّع الحضور لم تتحدّث مي عن الظلم والأذى الذي تعرّضت له. فهناك شيء أعمق وأنبل من مكائد وضغائن الأهل والأصدقاء. إنها رسالة الأديب في الحياة من أجل حياة متناسقة متماسكة. فتقف وتصفّق بحرارة وإعجاب لمحاضرة مي، وتتساءل هل كان أصدقاء مي من الأدباء في مستوى رسالة الأديب في الحياة العربية التي دعت إليها مي؟

إن رسالة الأديب كما تراها مي “تعلِّمنا كيف نخلق حضارة أدبيةً، إذ بها لا بغيرها، تُقاس مواهبنا، ويُسبَر غور طبيعتنا، وهي التي تُثبت وجودنا وتنطق بلساننا مترجمة عن مبلغ الإنسانيَّة فينا.”(ص. 285). فهل استطاع مجتمعنا العربي تحقيق رغبة مي عن رسالة الأديب في الحياة والتي لم تكن تبحث فيها إلا عن حضارة أدبية نابعة من إنسانية الإنسان لا غير.

أما آن لمجتمعنا العربي أن يغيّر عقليته المريضة؟ فمشكلة مي هي مشكلة العقلية العربية تجاه المرأة. كانت الكتابة بالنسبة لمي زيادة ملاذها الذي أكسبها حياة جديدة، في عصر كانت الكتابة فيه فضيحة. تقول مي: “فيم أختلف عن غيري. امرأة تكتب؟ يا فضيحة آل زيادة الوقورين؟ أنا أيضاً خفتُ من شيء مُبهَم.” (ص. 205) فالكتابة منحت مي قوة خفية لمواجهة ليالي العصفورية. فكانت لها شفاء للروح واستمرارية للحياة، وفتحت لها أفق التواصل مع من أحبّوها أديبة وإنسانة، فساندوها في كل محنها، لأنها إنسانة تستحقّ كل الحب والتقدير، وتستحق الحياة الكريمة التي تليق بمقامها. فتقاسموا معها كل لحظات غربة ليالي العصفورية المليئة باليأس والألم.

وقد كان الجانب الإنساني حاضراً في حياة مي بالرغم من كل ذلك. فعُشّاق ومحبّوا كتاباتها وأدبها تعاطفوا معها وقدموا لزيارتها، ودافعوا عنها. تقول: “لقد زارني ناس لا أعرفهم إلا من كتاباتي وتحسّروا كثيراً عليّ وقاسموني، ولو من بعيد، آلامي ولحظات حسرتي، ودافعوا عنّي بمالهم.” (ص.192). وتقول “لم تكن لديّ أية قدرة على شكر كل الناس الذين تضامنوا معي ومنحوني لحظة استراحة جميلة، ولا على البيت الذي أجّروه لي، فامتلأ بهم، ولا على توقيف الدّموع التي انفجرت كسيل بركاني. كانت تحرقني لا على وجهي فقط، لكن أيضاً في قلبي. مع ذلك، كنت أسعد مخلوقة في الدنيا.” (ص. 256)

وقد نتساءل هل استطاعت النّهضة العربية أن تخلّص المجتمع العربي من الثقافة الذّكورية الموروثة؟ وكيف يؤسّس المثقّفون العرب الحداثة في مجتمع لا يعير اهتماماً للأدب والثقافة؟ وكيف يمكن أن نتصوّر مجتمعاً حديثاً بدون ثقافة؟ أسئلة عميقة تطرحها رواية إيزيس كوبيا بحيث يعيد واسيني إلى الواجهة أسئلة الحداثة وصداقة المثقّفين، وموضوع المرأة المثقفة، ومجتمع الحداثة. فأيّ مشروع نهضوي عربي يتحدّث عنه دعاة الحداثة بدون أساس أخلاقي؟ ومي زيادة ضحية هذا المجتمع. بالإضافة إلى مسألة الهوية الثقافية وإشكالاتها المختلفة. في مجتمع عرف هويات متقاتِلة من خلال مي الفلسطينية اللبنانية المصرية المُنفَتحة على العديد من اللغات والثقافات. ونحن نعيش في زمن تحتل فيه قضية الهوية أهم قضايا الفكر والثقافة.

فهل أدّى المثقّفون العرب في عصر النهضة دورهم الثقافي الإنساني تجاه مي وما لحِقَها من أذى؟ تقول مي وهي تتحدّث عن أصدقائها: “لا أدري الآن ماذا يريدون؟ لا أريدهم أن يتعاملوا معي كأديبة، لكن على الأقل كإنسان”.(ص. 272). فلم تكن مي تطلب من أصدقائها الشيء الكثير إلا ما تستوجبه المواقف الإنسانية وحقوق الصداقة. ولكلّ من الصداقة والثقافة حقوق وواجبات تجاه الفرد والمجتمع. أوليست الصداقة مشتقّة من الصِّدق في المودّة والوفاء والمحبّة. أن تكون مثقفاً يعني أن تكون مسؤولاً. فعلى من تقع المسؤولية في مأساة مي؟ إنها مسؤولية المثقفين ومسؤولية عصر بأكمله. تقول مي: “كان قلبي مقهوراً من جيش الأصدقاء هناك، إذ لا أحد حرَّك إصبعه الصغيرة، لكن يجب قبول منطق الدّنيا أيضاً كما هو، لا كما نريده. ما قرأته من تصريحات العقَّاد، طه حسين، سلامة موسى وغيرهم، جرح قلبي وقسَّمه إلى نصفين. وجعلني أفكِّر في كلِّ ما مضى، وأتساءل أيَّة حداثة، وأيُّ مثقّف ملتزم، عندما ترى صديقك الذي يشترك معك في هموم الدنيا، ينساك، بل يُوغل فيك سكِّينة صدئة؟ (ص. 297).

إن فساد الأخلاق من أبرز سمات التخلّف العربي. فقد عاش المثقّف العربي في ظلّ الاستعمار وعانى كل وسائل الاستبداد وأخفق في تحقيق حلمه في أن يكون في مصاف الدول الغربية. فكاد أن يفقد هويته وعروبته، وأن يفقد شرقيته ولم يستطع أن يكون غربياً. تقول “لقد تربّى المثقَّف في شرقنا الجريح، على كلّ وسائل النّفاق التي تضمن استمراره. استطاع أن يُوائم بين تقاليد الرُّعب الآتية من جوف الزَّمن الأسود، وقشور الدِّين الثّقيلة بشكليّات مرهقة، وحداثة وُلدت معطوبة من الأساس.” (ص. 286) . ما حصل لمي جريمة ضدّ المرأة وضد الفكر والأدب والإنسانية. ولعلّ مرافعة المحامي حبيب أبو شهلا أمام المحاكم اللبنانية دفاعاً عن مي لاسترداد حقوقها المغتصَبة والتأكيد على سلامة عقلها تبيّن بوضوح عمق المأساة. جاء في المرافعة: “ما حدث لمي، هو أكبر جريمة ضدّ المرأة وضدّ العقل. كيف لا تهتمُّون بهذه النابغة اللبنانيَّة؟ كيف تُسْجَن مي بين جدران مستشفى المجانين، ولا يثور الرأي العامّ اللبناني ويظلّ هذا الخبر سرّاً مكتوماً. لقد كان حديثها لي حلواً لا إيهام فيه ولا تعقيد. لقد وجدت فيها مي الكاتبةّ، الشاعرةَ التي عرفناها في الماضي، فكيف دُبِّرت هذه المؤامرة الدنيئة؟ على نابغة النابغات؟ أنقذوا مي، وابذلوا جهدكم. حرام أن تُعاملَ الأنوثة التامَّة والنبوغ والعبقريَّة هذه المعاملةَ التي عوملت بها مي؟ (ص. 228 )

إن إعدام مي ثقافياً إعدامٌ للثقافة والإبداع في مجتمع متخلّف. والثقافة والتخلّف أمران لا يلتقيان. فما معنى أن تكون مثقّفاً في مجتمع متخلّف يسوده فكر ذكوري تقليدي في ظلّ حداثة معطوبة ظلّت حبراً على ورق؟ إن محنة مي هي محنة المثقّف العربي الذي يعيش ازدواجية مرضية لم يستطع أن يتخلّص منها، كما يعيش محنة أوهام الحداثة وترسّباتها. وهو ما يفتح المجال واسعاً لوضعية المرأة المثقّفة في مجتمع ذكوري. ووضعية المرأة العربية عنصرٌ جوهري في قضية الحداثة في المجتمع العربي. فقد كانت مي بصالونها الأدبي الباذخ تشكّل استثناء وسط الموجة الثقافية الجديدة. فكانت امرأة الحداثة العربية بامتياز، ونموذجاً للمرأة المتحرّرة، ومجنونة الحب والحرية في مجتمع رافض لاستقلالية المرأة وحريتها.

      ولعل النص الذي وضعه واسيني في نهاية الرواية والذي وُجِد مكتوباً على ظهر مخطوطة ليالي العصفورية يلخّص الكثير من وَجَع نابغة النابغات، والذي تقول فيه: “(…) أخيراً، دوّنتُكَ يا وجعي وهمّ قلبي. أين أهرب بهذا الخوف الذي سيضيف لي رعباً جديداً؟ لأوّل مرة أجد الجرأة وأتحدّث عن علاقاتي السويّة، وحتى غير السويّة بمقاييس الآخرين، عن محيطي الخادع، عن الناس الذين عرفتهم وعرفوني. (…) يحق لي اليوم أن أتلاشى كما الغيمةُ، داخل حبّي الذي شكّلَني، وفي عمق وهمي الذي صنعتُه، وصنعني أيضاً. دعوني الآن أحلم فقط ولو في عمق الغياب. يحق لي ذلك، ولو لثانية واحدة، قبل أن أسير بخُطى هادئة نحو أبديّة الخلاص.” (ص. 329)

ويحضرني قول بنت الشاطئ التي قالت عن مي زيادة: “غيري يسكب الدّمع لموت مي، وأنا أسكب الدّمع على حياة مي، وما حياتها إلا قصّة استشهاد طويل.” والقارئ لرواية ليالي إيزيس كوبيا يسكب الدّمع على حياة مي وعلى موت مي شهيدة الفكر والأدب والحرية.

 

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *