الرئيسية / إضاءات / بدو سيناء ..إشكالية المصطلح في المصادر التاريخية

بدو سيناء ..إشكالية المصطلح في المصادر التاريخية

خاص-ثقافات

*دكتور/ مصطفى وجيه مصطفى

 على الرغم من كثرة المادة المصدرية الواردة عن البدو الذين يعيشون في سيناء , إلا أنه يلاحظ عدم اتفاق المصادر جميعاً على مسمى جامع مانع للبدو سواء في كتابات الرحالة وكتاب الأخبار المسلمين أو غيرهم من الرحالة  الأوربيين.  فالمصطلح في الرحلة الإسلامية التي ارتحل اصحابها عبر سيناء لأداء فريضة الحج فلم يستخدموا في خبرهم عن القبائل العربية التي تعيش في سيناء مصر  غير لفظ العرب والأعراب والعربان مع نسبة المكان[1] , وهو نفس الأمر في مصنفات كتاب الأخبار وإن كان ظهر لفظ شيخ العرب وشيخ الجبال في كتب الحوليات – مقترناً بخبر عن عرب سيناء-  فكان استخدامهم على استحياء[2]

              وفي الواقع, إن مسألة الوصول لماهية مصطلح ( بدو – عربان أعراب – عرب) في المصنفات الإسلامية  أمر يكتنفه صعوبات , وتتبين تلك الصعوبات عند مطالعة كتاب البيان والإعراب لشيخ مؤرخي مصر الإسلامية المقريزي[3] فعلى الرغم من  وجود مادة مهمة في المصنف المذكور عن الإلمام ببطون القبائل العربية الموجودة في مصر[4] في العصر المملوكي وأماكن وجودها، مع شيء عن تاريخها ودورها في الحياة إلا أن المقريزي –وهو شيخ المؤرخين-  لم يتحر في رسالته منهجًا مرسومًا وربما سبب ذلك اندماج القبائل العربية في عصره وتداخلها. حيث حافظ العرب على أنسابهم في الجزيرة العربية في الجاهلية والإسلام [5].ومن أجل ذلك ألفت فيه المؤلفات في الأنساب, خاصة مع دخول غير العرب في الإسلام، وخوفا من ضياع الأنساب، وبفتوح البلدان، وتدافع الحضارات، إذ  تدافعت الحضارة الفارسية مع العربية في فكرة النسبة، وكان الفرس  ينسبون إلى المكان أو الحرفة وغير ذلك، وباتساع الدولة وتداخل القبائل مع بعضها البعض، ظهرت عند المسلمين النسبة إلى المكان والمذهب والحرفة، وغير ذلك بالإضافة إلى ما تم البقاء عليه من النسبة للقبيلة. وكان من نتيجة ذلك أن تأثرت حركة التأليف بهذا فبدأت المؤلفات بتقسيم المؤلف طبقًا للأصول قحطانية وعدنانية، ثم لما جاء العصر المملوكي وأصبحت المؤلفات على استحياء تريد أن تستغني عن هذا النوع من التقسيم لصعوبته، وتبدأ في فكرة التقسيم على الأساس الجغرافي، وهذا كان من الطبيعي؛ لكون القبيلة الواحدة تفرعت بطونها في عدة أماكن. وقد ظهر ذلك واضحًا في مؤلف المقريزي البيان والإعراب عما نزل مصر من الأعراب، حيث يغير المقريزي أسلوب التقسيم من الأساس طبقًا للأصول إلى التقسيم طبقًا للأساس الجغرافي. ولعل هذا ما يوضح صعوبة تحديد ماهية المصطلح في المصنفات الإسلامية بشكل دقيق أو جامع مانع يمكنا من خلاله أن نقول مثلاً أن ماهية الأعراب في العصر المملوكي تعن كذا …    

     ولكن المدقق في , المادة الواردة عن القبائل العربية  في المصنفات الإسلامية  في العصر المملوكي يلاحظ أن هذه المصنفات كانت أحيانًا تشير إلى القبائل العربية جميعاً باسم ” العربان” –مع التميز الجغرافي للمراد ذكر خبره-  وصار هذا المسمى يتسع ليشملهم جميعًا في نواحي مصر ؛ويرجع ذلك إلى  تأثير العناصر التركية في مصر حتى أصبحت كلمة عربان تشمل: العرب، والأعراب، والبدو وكانت تعني وقتئذٍ الرحل ذوي الأصل العربي وهم الموجودون على تخوم صحاري مصر بمحاذاة النيل، وكان هؤلاء العربان يمثلون كتلة ضخمة من السكان بحيث يصعب التمييز بينهم بمعيار الأنساب، وانتمائهم سواء لليمن القحطانية أو القيسية العدنانية أو البربر وكان هذا هو السبب الذي دعا معظم مؤلفي العصر المملوكي إلى تسميتهم برمتهم العربان ولم يميزوا بينهم إلا عن طريق انتمائهم إلى مكان ومحل إقامتهم[6] . وربما أن سبب اطلاق اسم العربان في المصنفات الإسلامية على القبائل عامة -والذي كان “البدو” أحد معانيه-  هو أن كثير من القبائل العربية آنذاك كانوا يعيشون في طور الانتقال من حياة التنقل إلى حياة الاستقرار، وربما لأن اسم العربان جاء دائماً عند كتاب الأخبار عنوانًا للفساد [7]والإخلال بالأمن والاعتداء على الآمنين من أهالي القرى والمدن، ومن ثم عرفوا بذلك، لأن استخدام هذا المسمى من قبل المؤرخين وهم طليعة الفكر والثقافة كما أن كثير منهم جاء من نخبة الصفوة المدنية بل والعسكرية أيضا لم يأتي هباءً , وربما عنوا باستخدامه نظرة انتقصت من شأن القبائل  فنعتتهم المصادر باسم “العربان” بدلا من “العرب”

       ومن ناحية أخرى , نجد كتابات الرحالة الأوربيين استخدمت في أحيان مصطلح Nomads[8] قاصدة بهم سكان سيناء وهو في العربية معناه البدو , وهو أيضاً مصطلح يعني عند الرحالة الغربيين نمطًا اجتماعيًا , يغلب عليه الافتقار للإقامة والتوطن والاستقرار[9] ,وعند استخدامهم هذا المصطلح Nomads اشاروا إلى أن المصطلح وثيق الصلة بالمهنة الأساسية التي مارسوها وهي الرعي ,جاروها مهنة أخرى ثانوية كلما لزم الأمر , ولكن لم تكن لتحجب تلك المهنة الأساسية أو الأم[10] . وعلى ذلك ربط الرحالة الغربيين بين مفهوم البدو Nomads وعملهم , وتمثلت الآثار التي تركها المفهوم في الرحلة الأوربية في الثقافة البدوية , والتي من معالمها : التنظيم القبلي[11] والسلطة الأبوية لشيخ القبيلة[12] والعناية بالأنساب[13]  والزواج الداخلي والأسرة الممتدة ,والعزلة عن المجتمع وضعف الانتماء له[14] والحرص على الثأر[15] والملكية العامة للأراضي والمراعي[16] واشارت إلى أن ذلك كله من شأنه أن يحول دون التكامل مع سائر فئات المجتمع ويضعف من فكرة المواطنة وسلطة الدولة[17]. وجدير بالذكر أن الرحلة الأوربية لم تستخدم مصطلح Nomads فقط للتعبير عن البدو الذين قابلوهم في طريقهم من صحراء المطرية حتى غزة , بل استخدموا مسميات أخرى قصدوا بها الفئة نفسها أيضاً مثل: العربانOrbano[18] وكذلك العرب Arabs[19] والأعرابEl-Arabes[20]وأيضاً الرُّحّلAscopards[21]. وفي الواقع فإن الرحلة الأوربية منها ما حملت أكثر من اسم أو كل المسميات السابقة (Orbano, Nomads  , Arabs  , El-Arabes)للتعبير عن عرب سيناء لكن مصطلح Nomads كان المصطلح الأكثر شيوعًا في العقلية الأوربية[22] خاصة أن الرحالة كانوا يطالعون مذكرات من سبقهم في المجيء للشرق ويأخذون بوصياهم في الأمور التي سوف يقابلونها ؛ لذلك يقابلنا جملة “…وقد أوصانا به من سلك هذا الدرب …”[23] وفي ضوء ذلك استقر مسمى Nomads  أكثر من غيره , مع عدم إهمال غيره من المسميات والتي ربما أخذوها من ألسنة العرب في هذه البلدان لأن العرب والأعراب والعربان هي مسميات المصادر الإسلامية أي المسميات التي كانت شائع سماعها في شوارع البلاد وعلى ألسنة العوام ممن قابلهم الرحالة واحتكوا بهم في الأسواق أو غيرها. وعلى الرغم من أن العرب , والعربان , والأعراب وهي الاسماء التي جاء ذكرها أيضًا في المصادر الإسلامية قد استخدمها المسلمون للتعبير عن أعراب مصر جميعا مع إضافة النسبة للمكان[24] – أي عربان الشرقية –أو عرب الصحراء- أو أعراب بلبيس- إلا أنه يمكننا الجزم أن المسميات نفسها في الرحلة الأوربية لم يقصد بها غير بدو سيناء لأن الرحالة الأوربيون منذ خروجهم من أوربا لم يصادفوا في مصر غير بدو سيناء سواء في قدومهم من غزة أو في مسيرهم من القاهرة ومحرم عليهم نزول القرى وملتزمون بخط سير معين وبذلك كان الريف أمرًا مجهولًا للأوربيين ومعروف أن باقي عناصر القبائل العربية كانت تحيز أماكن في الريف حق انتفاع ولم تكن تحيز في المدن شيء ولم يكن بمقدور أحد من العناصر العربية القدوم من الريف للقاهرة إلا بمرسوم أو لأمر مهم. وعلى ذلك لم يقابل الرحالة الأوربيون طوال رحلتهم في مصر أيٍ من القبائل العربية سوى عرب سيناء. كما أن الرحالة لا يذكرون اسم من اسماء البدو سالفة البيان إلا مقترن بفعل ما من البدو تجاههم خلال رحلة السير في طريق سيناء. وطالما أن المصادر العربية نفسها -وأهل مكة أعلم بشعابها- لم تستطع الوصول لماهية محددة لكل مسمى فكان من الطبيعي أن يكون الأمر نفسه عند الرحالة الأجانب عن الديار وأهلها . 

      ويمكن القول في النهاية أن البدو هم أولئك السكان الذين يقطنون في الصحراء وهوامشها , يقطنون في بيوت الشعر , ويعتمدون على تربية الإبل أكثر من غيرها . وتتميز حياتهم بالتنقل والترحال. أما الأعراب فهم السكان الذين انتقلوا من البادية “البدو” إلى أطراف المدن . وقد تركوا حياة البادية ,وبدأوا بالاستقرار , ويعتمدون على تربية الأغنام وأنشطة زراعية وتجارية , وبما أن كتابات الرحالة والمصنفات الإسلامية بهما ما يفيد بوجود كلا الوجهين عند أهل سيناء , فذلك يدفعنا إلى القول أن استعمال مسمى  عرب وأعراب وبدو وعربان أو غيرها من المسميات كانت واسعة في محتواها لدى مؤرخي ورحالة العصر بحيث تشمل كل القبائل العربية ويمكن تمييزها فقط بالمكان الذي تعيش فيه فيقال عربان أو بدو أو عرب أو أعراب سيناء, أو الشرقية , أو البحيرة ..وهكذا

[1] ) العبدري : رحلة العبدري، تحقيق، علي إبراهيم كردي، ط2، دار سعد الدين، (دمشق)، 2005م, ص330 ؛ابن بطوطة , رحلته نشر محمد السعيد الزيني، المكتبة التوفيقية، (القاهرة)، د.ت,ص49, 50

[2] ) المقريزي :  السلوك , دار الكتب والوثائق، (القاهرة)، 2009م.ج4ص84

[3] ) المقريزي، البيان والإعراب عما بأرض مصر من الأعراب، تحقيق عبد المجيد عابدين، ط1، عالم الكتب (القاهرة)، 1961م.

[4] ) يشير بعض الباحثين إلى أن العروبة في مصر قديمة قدم أول إنسان نشأ على هذه الأرض وسكن الوادي بعد انتهاء العصر المطير زاحفًا إلى أماكن المياه والصيد، وتؤكد ذلك الدراسات الأنثربولوجية وعلماؤها أمثال سجلمان وأليوث سميث وكولين ماكيفيدي وغيرهم؛ حيث إنها تقرر أن العروبة في مصر القديمة منذ ثمانية آلاف سنة قبل الميلاد.  ولم يكن الفتح الإسلامي لمصر إلا جمعًا للشمل بعد تباعد السيطرة الرومانية على الديار المصرية من عرب مصر وإخوانهم في الجزيرة العربية، وتلك حقائق لا تقبل التشكيك ولا يقلل منها إلا جاهل لدراسة إنثربولوجية الأجناس، انظر بالتفصيل:جواد علي: تاريخ العرب قبل الإسلام، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، 2010م، جـ2، صـ342؛  عبد الفتاح مقلد: عروبة مصر قبل الإسلام، دراسة تاريخية أنثريولوجية أركيولوجية، دار الإشعاع للطباعة، القاهرة، 1412هـ – 1993م, صـ58

[5] )  حض الإسلام على الحفاظ على الأنساب وعلى تعلمها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرحم محبة في الأهل، مثراة في المال، منسأة في الأجل”، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: تعلموا أنسابكم تصلوا أرحامكم، ولا تكونوا كنبط السواد إذا سئل أحدهم ممن أنت؟ قال: من قرية كذا .

[6] ) انظر: عبدالحميد صالح حمدان: تاريخ القبائل العربية في مصر، عالم الكتب ، القاهرة، 1430هـ- 2009م، ص1, 6, 29

[7] )انظر : المقريزي , السلوك، ج2، ص 658؛ ص668-673-833 , 850 ؛ ج4، ص1133؛ ابن حجر: إنباء الغمر  ، ج2، ص45، ج3، ص69.

([7]) المقريزي, السلوك ، ج2، ص668-673-833 , 850 ؛ ج4، ص1133

[8] ) Piloti, L’Egypte au commencement du qunzieme siècle d’apres le trait d’ Emmenuel Piloti de cret incipt 1420, (ed.) Dopp., (Le Caire), 1950,p.18; John Mandeville, the travels, London, 1900,p.44  .

[9]Fabri, F. Voyage en Egypte de Felix Fabri , (ed)masson .j , (paris)1975,tom 3 p. 810; Mandeville, travels,p.44-45 

[10] ) Mandeville, travels,p.44

[11] ) Loc .cit

[12] ) Fabri, Voyage, tom 3 p.812

[13] ) Piloti, L’Egypte,p.11 ;Obadiah  Jara  Da  Bertinoro ,Itinerary of Obadiah 1487-1490AD , in J.T . (ed)Adler  (London)1930,p.239.

  Piloti, L’Egypte,pp.18-19 ([14] ; Fabri, Voyage, tom 3 p.810

[15] ) Meshullam Ben manahem,Itinerary of Rabbi meshullam ben menahem of 1481 (ed) Adler,in J T, (London) 1930,p.176; Fabri, Voyage, tom 3 p.889; Mandeville, travels,p.44

[16] ) Fabri, Voyage, tom 3 p.810

[17] ) Itinerary,pp.177, 180 Meshullam, Piloti, L’Egypte,pp.19-20;  

([18]   Itinerary,pp.176, 180 Meshullam,

[19] ) Piloti, L’Egypte,p.18

[20] ) Obadiah, Itinerary,p.239 

[21]) Mandeville, travels,p.44.

[22] ) اضاف فابري إلى هذه المسميات لبدو سيناء اسما أخرى هي ” إسماعيليون , وأبناء هاجر, ومديانيون ” Fabri, Voyage,tom 3p. 810

[23] ) Frescobaldi , Avisit to the holy places, (ed) the ophilus (Jerusalem) 1948,p.52

[24] ) لم يغب نسبة قبائل العربان إلى المكان الذي يعيشون فيه عن بال بعض الرحالة الغربيين على سبيل المثال قال فابري بعد أن ذكر المسميات السابقة للبدو “… والبعض  يسمونهم باسم الإقليم الذي يقطنونه , فيطلقون عليهم اسم المديانين…” Fabri, Voyage,tom 3,p. 810
____________
*دكتور/ مصطفى وجيه مصطفى

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *