الرئيسية / خبر رئيسي / اكتشاف علي رضا يعيد كتابة تاريخ “الكوميكس” المصري

اكتشاف علي رضا يعيد كتابة تاريخ “الكوميكس” المصري

*أحمد شوقي علي

كان الرجل الذي دخل سوق بيع الكتب القديمة، يجر خلفه حقيبتين مملوءتين بالأوراق، يخشى أن يكتفي تاجر الكتب القديمة، أي تاجر قد يمر به، بشراء الرسوم من دون باقي الحمولة. فمن سيشتري متعلقات شخص مجهول من شرائط كاسيت سجل عليها موسيقاه المفضلة، وكراسات دوّن فيها معاملاته اليومية، وأوراق تخص نزاعاته القانونية؟ غير أن التاجر الذي تفحص ما حمله ذلك الرجل، وانشغلت عيناه بما احتوت عليه الحقائب، أخذ البيعة على عيبها، بلا فِصال.

وربما لا يختلف ذلك التاجر عن البائع، في موقفه تجاه محتويات الحقيبتين، لكنه كان يعرف الزبون الذي سيشتري الحمولة كاملة بلا تردد، لِما احتوت عليه من رسوم ومجلات كاريكاتير نادرة. فمنذ أن أنشأ التشكيلي المصري محمد عبلة، متحف الكاريكاتير، في العام 2009، وهو في بحث مستمر عن المجهول من أعمال فناني الرسوم الهزلية في مصر والعالم العربي. لذلك، لم يتأخر عن تلبية دعوة تاجر الكتب القديمة، الذي اتصل به ليخبره بما وجد، شرط أن يشتري المجموعة كلها، ولم يكن أي من الثلاثة –حتى ذلك الاتصال الأخير- يعلم أن محتويات الحقيبتين، سيعيد كتابة تاريخ فن الكوميكس المصري.

علي رضا، هو اسم الفنان الذي كشف عبلة عن أعماله، خلال افتتاح الدورة الرابعة من أسبوع “الكوميكس في مصر”، وذلك في معرض يضم بعض أعماله، والتي يعود أحدها إلى العام 1925، وهي أول قصة مصورة مصرية بحسب عبلة. علماً أن متحف الكاريكاتير الذي أسسه عبلة يحتوي على تراث فني لأعمال 55 رساماً، ونحو 500 عمل إبداعي، كما يضم أعمالاً أصلية لفناني الكاريكاتير المصريين والأجانب منذ العام 1927. لكن، هل تعاد صياغة تاريخ الرسوم المصورة المصرية، بسبب اكتشاف لوحة تعود إلى العام 1925؟

لا يبدو الأمر كذلك، وهي النقطة الأبرز في ذلك المعرض الذي يستمر حتى 9 ديسمبر الحالي، حيث إن الكوميكس المصرس يُؤرّخ له في مصر منذ العام 1952، حين أصدرت دار المعارف المصرية مجلة “سندباد”، أول مجلة رائدة في فن القصص المصورة والموجهة للأطفال، وهي المجلة التي يقول عبلة أن مؤسسها هو علي رضا نفسه، الذي أصدر نحو 12 عددًا منها تحت اسم “السندباد”، قبل أن تشتريها دار المعارف وتعهَد بها إلى فنان الكاريكاتير المعروف حسين بيكار، بعد حذف “الـ” التعريف من عنوانها.

و”سندباد” مجلة للأطفال، كانت تصدر أسبوعياً منذ العام 1952 وحتى 1960، ترأس تحريرها الأديب محمد سعيد العريان، وكان حسين بيكار رسامها الوحيد تقريباً، مع بعض المشاركات غير المنتظمة لفنانين مثل زهدي وكمال الملاخ وموريللي وكامل مصطفي ومحي الدين اللباد.

وهو الأمر الذي يدعو بالضرورة إلى إعادة النظر في ما قاله بيكار(2 يناير 1913 – 16 نوفمبر 2002) عن نشأة المجلة، إذ ينسب الفضل لنفسه وللعريان في ابتكار شخصية بطلها، قائلاً في أحد حواراته إن “محمد سعيد العريان كان صاحب الفكرة بإصدار مجلة للأطفال يسميها “السندباد”، يعني أن يكون بطل المجلة رحالة يجوب العالم (…) وما دام السندباد رحالة، فمن اللازم أن يكون شكله وزيّه وأدواته عربية، وأحياناً يأخذ كلبه معه لأنه خير رفيق (…) لقد عرفت فلسفة المجلة. العريان يريد مطبوعة للطفل أي أن المناخ الطفولي لا بد أن يكون موجوداً حتى في العنوان، وهكذا اختزلت كل ما قرأته وعرفته في شخصية جذابة هي شخصية سندباد”.

لا يعرف عبلة سبباً لتهميش رضا ضمن الكلام عن تأسيس المجلة، وهو الذي توقف عن الرسم بعد عام على صدورها تحت راية دار المعارف. إذ لا توجد أي إشارة في أوراقه الشخصية -التي وجدها بصحبة لوحاته- عن أسباب اعتزاله الرسم، لكنه لا ينفي في الوقت نفسه أن يكون بيكار قد تأثر به، مثلما تأثر برسومه الكثيرون من بعده، فنسخوا عددًا من الشخصيات التي ابتكرها رضا، مثل شخصيتي “سفروت” و”المصري أفندي”، وهي الشخصيات التي تكشف سعي الفنان الرائد إلى خلق شخصية كاريكاتورية مصرية خالصة، بعدما كان الرسم حكرًا في تلك الفترة على الفنانين الأجانب.

لكن المدهش أن الفنان النوبي، المولود في العام 1908، والذي نشرت الصحف أولى قصصه المصورة وهو لايزال طالبًا، وأصدر عددًا كبيرًا من المجلات في أربعينات القرن الماضي، لم يَرِد ذكرُه لدى أي من مؤرخي الكاريكاتير والقصص المصريين، أو من عاصروه من الفنانين التشكيليين، الأمر الذي يضع علامات استفهام كثيرة حول أسباب إغفال ذكره بهذه الطريقة، خصوصاً أنه توفي في العام 1982 عن عمر يناهز الـ74 عامًا.

لا يبدو أن منجز ذلك الفنان قد هان على مؤرخي عصره وحدهم، بل يبدو أن عائلته أيضاً عاملت إرثه بالتفريط ذاته. فقد وجد محمد عبلة، ضمن المقتنيات، وجد بطاقتين شخصيتين لرضا. الأولى صادرة في الستينات، والأخرى قبيل وفاته بمدة قصيرة. كما وجد أرشيفًا كبيرًا من الشرائط التي سجلت عليها ألوان مختلفة من موسيقى الفنان المفضلة، والتي تكشف، بحسب عبلة، عن حس موسيقي متميز. والحال إن عبلة ينوي إصدار مطبوعتين عن علي رضا -الأولى في صيغة كتيّب تعريفي صغير، والثانية تضم كل منجزه بعد تحقيقه.

وتكشف أوراق لعلي رضا، أنه درس الهندسة والفنون، وعمل طوال حياته في إدارة الشؤون الهندسية في وزارة الأوقاف، وكان من أبطال ألعاب القوى ومن مؤسسي نادي المعادي، كما ألّف كتابًا عن التشريح وكراسات لتعليم الفنون والزخرفة. وتضم مقتنياته كراسات استعملها رضا لتدوين معاملاته اليومية، في دأب مثير للتأمل، فكان يدوّن مثلاً أنه استقل تاكسي في الصباح ودفع أجرة 3 صاغ للسائق، أو يدوّن أحداث الشجار الذي وقع بينه وبين الساكن الذي أجّره الدور الأول من فيلّته في حي المعادي (أحد أحياء القاهرة الراقية)، والتي تهدمت الآن لتشيّد مكانها عمارة سكنية.

لكن عادة التدوين لا تبدو وحدها المثيرة في مسيرة ذلك الفنان. فيشير عبلة إلى إنه، بالإضافة إلى إتقانه فنون الخط المختلفة، فإن رضا اشتغل في تصميم أغلفة المجلات، وعلى رأسها إصدارات جماعة الإخوان: “مجلة الإخوان المسلمون – الأخوات المسلمات –الشبان المسلمون”.

وتوقفت مجلة الإخوان المسلمون عن الصدور في العام 1948، واعتزل علي رضا بعد ذلك التاريخ بأربع سنوات، إلا أن عبلة لا يعتقد أن اشتغاله بالرسم لمجلة الجماعة، هو السبب في اتخاذه ذلك القرار. كما لا يرجّح أن يكون ذلك أثّر في أي حال من الأحوال في انتهاجه سلوكًا محافظاً أدى إلى تركه الرسم الذي تعتبره بعض الجماعات الدينية حرامًا. إذ يلفت عبلة إلى أنه وجد ضمن المقتنيات عددًا كبيرًا من البورتريهات العارية التي أنجزها رضا بعد تاريخ اعتزاله نشر القصص المصورة، ولفت أيضاً إلى عمله على تصميم برنامج الحفلات الخاص بفرقة الموسيقى العربية، حتى أواخر السبعينات.

يعتقد عبلة أن أسباب توقف علي رضا عن نشر القصص المصورة، قد يعود إلى حادث ألمّ بابنه الوحيد، والذي ربما تسبب له في أزمة نفسية توقف على إثرها عن نشر رسومه، فقد تحطمت سيارة ابنه بعدما سقطت من فوق جبل المقطم، ولم يتم العثور على جسده في البداية حتى اكتشفوا بعد فترة أنه لم يمت.

ورغم أن الرسوم الأولى لرضا تعود إلى العام 1925، وكان عمره 17 عامًا، إلا أنها تكشف عن مستوى فني مبهر، لكن المعرض الذي يستضيفه “درب 17 18″، في منطقة مصر القديمة، لا يضم عددًا كبيرًا من أعمال الفنان النوبي، ويشرح عبلة بأنها لا تزال قيد التحقيق، لكنه يشير إلى أن الأعداد الـ12 الأولى من مجلة “السندباد”، تعكس تنوعًا مدهشا في أسلوب الرسم. فرغم أنه رسمها من الغلاف للغلاف، إلا أن التباين والتنوع الواضحين في أسلوب الرسم يوحيان وكأن من إنجاز مجموعة من الفنانين المختلفين.

وبالرغم من كل ما وجده عبلة من متعلقات تخص الفنان ذا السيرة الغامضة، فإن شيئاً من بين كل تلك المتعلقات لا يستطيع أن يفسر، حتى الآن، أسباب الظلم الذي تعرض له هذا الرسام، فعلى الرغم من ريادته وتأسيسه لعدد كبير من المجلات، ورغم عمره غير القصير، إلا أنه لا شيء في تاريخ الفن التشكيلي المصري يدل إلى وجوده.
________
*المدن

شاهد أيضاً

نفحات من كتاب “جوهر الحياة” للنيّل أبو قرون: الدين دعوة أخلاقية لإصلاح المجتمع وليس لإقامة دولة سياسية

  خاص- ثقافات محمد أمين أبو العواتك*   نواصل المسير في رحلة الاستنارة إلى جمال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *