الرئيسية / إضاءات / في ذكرى غياب الفاجومي (أحمد فؤاد نجم) ..شاعر اعتاد اللعب مع الحياة وليس مع الشّعر

في ذكرى غياب الفاجومي (أحمد فؤاد نجم) ..شاعر اعتاد اللعب مع الحياة وليس مع الشّعر

*ملف من إعداد وإنجاز: نوّارة لــحــرش

أحمد فؤاد نجم، ناقد الأنظمة اللاذع، نصير الفقراء، صوتهم وشاعرهم، يترجّل عن الحياة ويرحل في صباح بارد/ الثلاثاء 3 ديسمبر2013 عن عمر84 عاما. وكأنّه كان على موعد مع هذا الصباح الّذي اختار الشاعر، عريسا لموسم الشتاء. نجم التحق برفيقه الكبير المغني الثوري الشيخ إمام. نجم الّذي قضى أكثر من 18 عاما من حياته خلف قضبان السجون، حيث سجن أكثر من مرّة بسبب قصائده الثورية المتمردة على الأنظمة المتعاقبة في مصر وبسبب مواقفه الجريئة من الحكومات وأيضا بسبب خلافاته السياسية مع عدد من كبار المسئولين والسياسيين في مصر. “شاعر الغلابة” كما يسميه أهل مصر،  فرغ أخيرا من العمر الّذي حلّق به في السجون والمنافي ومنصّات الأمسيات. فرغ من الحياة الصغيرة ليهنأ خالدا في الحياة الكبيرة/حياة النصوص والقصائد والمواقف البيضاء المشرفة، سليلة التمرد والضمير الإنساني المتبصر، المبتهج بالإنسانية والنضال العميم.

“كراس الثقافة” يحتفي في عدد اليوم بـ “الفاجومي”، (1929/3 ديسمبر2013)، من خلال شهادات بعض الكُتاب والشعراء من أصدقاء الراحل الذين عايشوه وعاصروه. يستحضرونه بمحبة يانعة ويتحدثون عنه وعن سيرته الفاجومية والنضالية المتمردة، سيرته التي ستخلده شاعرا كبيرا في سماء الشّعر والقضايا العادلة وفي بقاع الإنسانية التي حلق فيها بشعره وصوته طويلا.

عزت القمحاوي/ روائي وكاتب مصري

إنّه ليس بميت

شأن كلّ البشر الكبار وكلّ النصوص الكبرى، تتعدّد الزوايا التي يمكن النظر منها إلى أحمد فؤاد نجم وإبداعه، وقد تناوله الكثيرون كتابة وشفاهة خلال نصف قرن من وجوده الباهر والمحرض، هو الشجاع إلى حد التهوّر، الحسي إلى حد الجنون، البسيط إلى حد المسكنة، المستغني إلى حد السلطنة، الشهير كالشمس.

وخلال هذه الأيّام الأخيرة، أيّام عبوره إلى الضفة الأخرى من الحياة، أقامت العديد من العواصم العربية والعالمية أمسيات لتأبينه، والعديد من الفعاليات عدلت برامجها لتنعيه، ليس أداءً لواجب العزاء في مبدع “نجم” بل إحساسًا حقيقيًا بأنّ الحياة صارت بدونه ناقصة.

كنت في روما لحظة وفاته، وكان من المقرر إقامة أمسية شعرية في الأكاديمية المصرية بالعاصمة الإيطالية في اليوم التالي، سرعان ما تحولت إلى احتفالية بحياة نجم وشعره، تحدثت عنه جيهان زكي مديرة الأكاديمية، واستفاضت المستشرقة فرانشيسكا كراو في الحديث عن ذكرياتها مع نجم والشيخ إمام، عندما وصلت إلى القاهرة في السبعينيات ووجدت نفسها في قلب الحراك المصري ضدّ السادات، الصديق حسين محمود أستاذ الأدب الإيطالي الّذي قدم الأمسية جعل البداية بقصيدة “مصر يا امه يا بهية” بصوت الشيخ إمام، والشعراء المشاركون: محمد يوسف، مجدي سرحان، هشام فياض ومنال سري، أفسحوا للأب، وأحدهم (مجدي سرحان) قدم قصيدة قصيرة في حب نجم كتبها في الليلة نفسها.

صحيفة لاريبوبليكا أفردت كغيرها من صحف عالمية كبيرة، مساحة للحديث عن الشاعر الّذي استطاع أن يجمع العرب من خلال قصائده المكتوبة بالعامية المصرية.

ربّما كانت العامية المصرية محظوظة بسبب قوة صناعة السينما المصرية التي بدأت يومًا بيوم مع السينما في الغرب، مما جعلها مفهومة في كلّ البلاد العربية، مع ذلك فانتشار نجم يعود في جانب كبير منه إلى شخصه الّذي ترسخ كأيقونة للنضال، كذلك يضع انتشاره سؤالاً كبيرًا حول دور اللّغة في الشّعر، فمهما كانت اللهجة المصرية مفهومة من العرب الآخرين ما كان لقصائد نجم أن تصبح بهذه الألفة لو لم يجد فيها المتلقي العربي تلك القوة في الصورة الشّعرية وذلك الوضوح في الرؤية الّذي يتمتع به شاعر اعتاد اللعب مع الحياة وليس مع الشّعر.

وإذا كانت التجارب قد علمتنا التأني في الحكم على الإبداع إلى ما بعد وفاة صاحبه، أي بعد تعرية الفن من الأسطورة الشخصية والعلاقات الاجتماعية للمبدع، فالأمر مختلف مع إبداع نجم، لأنّ الرجل كان يطلق القصيدة ويتركها لحال سبيلها، وكانت القصيدة تعرف طريقها أو بالأحرى تعرف مكانها في القلوب. ويمكننا بثقة أن نتنبأ بالعمر الطويل لشّعر نجم.

كتب نجم العديد من القصائد التي مهدت لثورة 25 يناير 2011، بينما كان الشباب يستعيدون قصائده الأقدم التي تقدمت مظاهرات 1977 العارمة ضدّ السادات. ودائمًا وأبدًا كانت هناك نبوءته وأمنيته الجميلة ببقاء مصر شابة بعد أن يشيب الزمان. يغنيها المصريون بوصفها روح مصر ويغنيها العرب استبشارًا لأنّ مصر هي القلب الّذي يرمز لحياة كلّ الأمة.

مرزاق بقطاش/ روائي وكاتب جزائري

أحمد فؤاد نجم: هذا القطار الّذي يرفض أن يصل في الوقت المحدد!

أحمد فؤاد نجم شاعر حقيقي، أي إنسان متمرّد. والمتمرّد في هذا السياق لا يعني أبدا الخروج عن الطوق وأعراف القبيلة، بل هو ذلك الّذي يثور على ما هو فوقي ظالم على غرار ما يحدث في الأرض العربية على امتداد رقعتها. وما يتميز به الشاعر الراحل هو أنّه قال الحقيقة طيلة حياته. أتذكر أنّني التقيت به مع الروائي الجزائري الطاهر وطار في مقر اتحاد الكتاب الجزائريين في أواسط الثمانينات من القرن المنصرم.

لأوّل وهلة عرفت فيه إنسانا لا يعرف كيف يضبط لسانه، أي إنّه ما كان يعرف سبيلا إلى المجاملة. تبادلنا الرأي في الرواية المصرية، فقال لي إنّه يفضل يوسف القعيد على جمال الغيطاني. اعترضت عليه وقلت له إنّ أسلوب الغيطاني أفضل بكثير، أمّا القعيد فإنّه لا يعتني بلغته، بمعنى أنّه يكتب الرّواية تماما مثلما يكتب المقالة الصحفية في مجلة “المصور” التي يشتغل فيها. لم نتحدث في شؤون الشّعر، لا العامي منه ولا الفصيح. ثم راح يتحدث عن حياته الشخصية وعن زوجته الأولى التي كانت تتحمل ضرباته. وبدا لي عندئذ أنّه نادم على سلوكه الأرعن حيالها ذلك لأنّه، وهو الفلاح المصري الأصيل، إنّما تمرّد على واقعه المرير من أجل أن  يستعيد الكرامة التي حرمتها منه الملكية المتخلفة والأنظمة الجائرة. ثم حدثني عن زوجته الفنانة عزة بلبع حديثا مقتضبا ما عدت أتذكر تفاصيله على وجه التحديد حتى وإن أنا فهمت منه أنّه كان مزواجا. ولما لاحظت تبسطه في الحديث معي سألته عن الأديبة صافيناز كاظم فأجابني بنبرة استغراب: ومن أين جئت بهذه المعلومات كلّها؟ قلت له أنا قارىء نهم لا أريد أن يفلت مني شيء. وبدا عليه أنّه رضي كلّ الرضا بجوابي ذاك فأردف قائلا: لقد كانت زوجتي أيضا. قال لي بالحرف الواحد إنّ زواجه بها تمّ في ظرف دقائق معدودات في أحد المقاهي القاهرية. كان هو خارجا لتوه من السجن في مطالع السبعينات، وتبادل كلمات بسيطة معها وإذا بها توافق على أن تصير له زوجة ثالثة أو رابعة. وفي اليوم التالي من لقائي بالشاعر أحمد فؤاد نجم استقبلت صحفيا مصريا جاء إلى الجزائر في نطاق مهمة إعلامية مع صحفيين آخرين. قلت له بحسن نية: ابن بلدك، الشاعر أحمد فؤاد نجم، موجود هذه الأيّام بين ظهرانينا. وكان أن أبدى امتعاضه قائلا: أنا لا أرتاح له. إنّه إنسان مشاكس!.

صححت قوله: بل هو شاعر مشاكس! وهذا الفرق هو الّذي يقوم بين الإنسان المستكين والإنسان المتمرد.

وعاد يسألني: هل تكتب النقد الأدبي إلى جانب القصّة القصيرة والرّواية؟

أجبته بقولي: كلا، وإنّما أكتب مجرد خواطر إذا ما تعلق الأمر بإبداء الرأي في إبداع الآخرين. أنا قارىء تأثري، أي انطباعي. أقرأ فأحب أو قد لا أحب ما قرأته. وذلك شأني، ولا أحب أن يناقشني فيه أحد.

قال لي: هذه قساوة من جانبك. فرددت عليه: بل إنّ الكرة في مرماك، يا هذا، كما يقول المثل الفرنسي. كيف تنكر على شاعر في عظمة أحمد نجم أن يكون شاعرا مشاكسا؟ ما فائدة الشاعر إذا كان ملاينا مهادنا؟ أين تكمن عظمة المتنبي والمعري وبول فرلين وآرثر رامبو وفلاديمير ماياكوفسكي وإميلي دكنسون والعشرات من الشعراء الذين خلخلوا الوجود البشري وزعزعوه؟ أليست هذه العظمة كامنة في تمردهم جميعا على كلّ ما يحول بينهم وبين الانطلاق الحرّ في دنيا الله؟

وأحسب أنّ الحديث بيننا توقف عند هذا الحد. وأتذكر أنّني أضفت بقولي: القطار الّذي يصل في الموعد المحدّد له لا فائدة ترتجى من ورائه ولا يأتي بجديد. والشاعر أحمد فؤاد نجم قطار يخترق المدن والضواحي ولا يلوي على شيء. إنّه أشبه بذلك القطار الّذي تحدث عنه الروائي العظيم نجيب محفوظ في قصة قصيرة له نشرها بصحيفة الأهرام وتحمل عنون “السائق المجنون”. وتعلمت في ذلك اليوم أنّ الكثير من المثقفين في هذا العالم العربي هم الذين يعرقلون مسيرة التحرر لأنّهم يسيرون في ركاب أسيادهم من الحكام.

لا أحب التحدث في أمور شخصية، ولكن أحمد فؤاد نجم كان أسير شاعريته الشعبية الفياضة، تلك التي جعلته ينطلق في دنيا الله على سجيته، ويتزوج أيضا على سجيته، ويدافع –وهذا هو الأهم-  عن المنبوذين والفقراء ونزلاء السجون. رحمة الله عليه.

حمدي أحمد/ كاتب وأكاديمي جزائري

أُخذ بجمال الجزائر واندمج في صميم الطبقة المثقفة الجزائرية

عندما خرج الشاعر الكبير أحمد فؤاد نجم من سجون السادات منفيا إلى فرنسا، تحايل الشاعر وحول طريقه إلى الجزائر التي استقبلته استقبال الأبطال، كانت أشعاره قد ذاعت بسرعة وصوته قد سبقه إلى الجزائر قبل ذلك بحوالي عقد من الزمن، وكانت قصائده على ألسنة الطلبة والمثقفين الجزائريين، كما سبقته إلى الجزائر أسطوانة من 33 دورة تحمل مجموعة من القصائد من تلحين وأداء رفيق دربه الملحن الشيخ إمام عيسى. في هذه الفترة كانت دائرة النشاط الثقافي بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي تحتضن أصوات المثقفين والأدباء والشعراء من كافة أنحاء العالم، وقد أرسى هذا المنحى المرحوم مصطفى كاتب.

أقام رفقة الشيخ إمام عدة أمسيات (ثورية) في عدة مدن جزائرية لقيت نجاحا منقطع النظير، بيد أنّ أحمد فؤاد نجم قد أُخذ من جهته بجمال الجزائر واندمج في صميم الطبقة المثقفة الجزائرية حيث سنت عادة حميدة إذ صار ضيف شرف في بيوت الجزائريين، وعلى ما أذكر كانت أوّل سهرة في بيت كاتب ياسين المشهور بفوضاه، لكن زوجته زبيدة شرقي كانت تقوم بكلّ كبيرة وصغيرة وختمها الشيخ إمام بصوته الأجش فتفطن الجيران فتقاطروا على البيت (حي ميسوني) الّذي اكتظ على آخره ودامت السهرة إلى الصباح وتكررت العملية بالتقريب في بيت المرحوم الطاهر وطار.

أصبح دائم الحضور في مقر اتحاد الكتاب، رفقة وطار والطاهر بن عيشة، ورزاقي وحرز الله محمد الصالح،، قرر نجم أن يبقى في الجزائر بينما عاد رفيق دربه إلى مصر لأنّه لم يكن متابعا مثله، وعن طريق اتحاد الكتاب ومن خلال رئيسه الدكتور محمد العربي الزبيري تمّ توفير سكن حيث استقر وتزوج من الفنانة صونيا.

سافر إلى سوريا ولبنان لإحياء أمسيات شعرية، حضرت إحداها في صالة تشرين كانت مملوءة على آخرها وفيها تعرف على الشاعر العراقي الكبير مظفر النواب الّذي لم يعد يفارقه، وتمّ إحياء سهرات على شاكلة سهرة كاتب ياسين لكن هذه المرّة في دمشق ودون الشيخ إمام لكن مظفر النواب كان يقوم بالدور، إنّه عازف ماهر، أصبح نجم مأخوذا بثلاث مدن، القاهرة، الجزائر، دمشق وآخر مرّة زرته في القاهرة في حيه الشعبي، كان منهك القوى لكن ذا عزيمة صلبة، رحمه الله.

راسم المدهون/ شاعر وناقد فلسطيني

شاعر الفقراء والفن الجميل وهو مؤسسة فنية وسياسية كاملة

عرفت أحمد فؤاد نجم مع نهايات عام الهزيمة 1967، أي تماما في بدايات انطلاقته الشّعرية -الغنائية- المشتركة مع الشيخ إمام عيسى وأغنيات “حاحا النطاحة” و”جيفارا مات”. أحمد فؤاد نجم من يومها شاعر القاع الاجتماعي، المسحوق والمغلوب على أمره، وهو لذلك بالذات شاعر لا تقترب منه الإذاعات ووسائل الإعلام الرسمية ولا يقترب منها .منذ تلك الأيّام وحتى رحيله ظلّ نجم يعيدني بشعره لمحطات سياسية واجتماعية كبرى شهدتها مصر والمنطقة العربية عموما، وإن كانت مسيرته الشّعرية تذكرني بمحطتين هامتين، مظاهرات الطلبة المصريين عام 1972، وانتفاضة 18 و19 يناير/ كانون الثاني 1977، ففي المحطتين كان صوته هو التعبير الجمالي الثوري عن حركة المجتمع المصري صعودا من القاع الاجتماعي نحو القمة، وقد استطاع تحقيق ذلك بتألق واضح من خلال عاملين أساسيين لا ينفصل واحدهما عن الآخر، الالتزام العميق بأحلام وطموحات ملايين الفقراء المصريين والعرب، ثمّ الموهبة الفنية الكبرى، التي مكّنته من مواكبة الأحداث الواقعية بلغة شعرية بسيطة ومباشرة ولكنّها عالية الجمالية، تصل لأوسع قطاع من القراء ومن المستمعين خصوصا وأنّ غالبية قصائده قد أطلقها الراحل الشيخ إمام بصوته الغنائي وبألحان حققت هي الأخرى إبداعا عاليا .

أحمد فؤاد نجم مؤسسة فنية وسياسية كاملة، ظلّ حاضرا بحسه الشعبي البسيط والأصيل يربط حاضر مصر بماضيها ولكن من أجل استشراف مستقبلها كما يراه هو من حدقات الفقراء والمقهورين من أبنائها. عاش حياته كلّها في الحارة والشارع، لم يقترب من حاكم أو مسئول، وهكذا وجه نقدا لاذعا للرئيس الراحل جمال عبد الناصر، لكنّه رثاه بقصيدة جميلة يوم رحيله، على أنّ عداءه الأكبر كان للرئيس الراحل أنور السادات، والّذي في عهده دخل أحمد فؤاد نجم السجون والمعتقلات، وكتب من هناك بعضا من أجمل قصائده وأكثرها تعبيرا عن رفض الطغيان والقمع. هو بين شعراء العامية أحد أبرزهم إلى جانب الراحلين فؤاد حداد وصلاح جاهين والشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي. نجم الّذي عاش ثورة يناير المصرية كان فرحا بشباب مصر، بل إنّه أعلن أنّه لم يكتب شعرا لأنّ الجيل الجديد كما قال جاء لميدان التحرير بعدَته وعتاده كاملين ولم ينس أن يقول للمذيع أنّه بات يعتبر نفسه ماضيا، فيما أولئك الشباب هم اليوم وغدا .

رحل أحمد فؤاد نجم بجسده وبقيت لنا آثاره الشّعرية التي لا تموت والتي سنظل نرددها من بعده وترددها معنا أجيال القادمين الذين لم يعيشوا عصره، ولم يتعرفوا عليه لأنّ ما كتبه نجم من قصائد ينتمي بقوة للإبداع الحقيقي القادر على عبور الأزمان .

سمير الفيل/ شاعر وقاص مصري

شاعر التحريض الدائم وما حققه هو تحويل القصيدة إلى منشور فني سياسي

الرحلة التي قطعتها قصيدة العامية المصرية بدأت في التبلور عبر مربعات ابن عروس، ودواوين فؤاد حداد المقاومة للقهر، مرورا بأغاني صلاح جاهين المعبرة عن فترة الصعود الناصري، وفي سياق آخر حقق سيد حجاب قصيدة تقترب مع أجواء الشغيلة في البحر حيث عوالم الصيادين، وقريب منه أجاد عبد الرحمن الأبنودي رسم الصعيد بآهاته وأحلامه عبر صور شديدة الجدة، وحين حدثت هزيمة 5 يونيو خرست الألسنة فيما صعد إلى واجهة المشهد صوت مقتحم يعلن رفضه التام وتمرده، وهو أحمد فؤاد نجم.

اختار هذا الشاعر أن يلعب لعبته الفنية بقواعد جديدة، فهو لم يتجه للأشعار المركبة والمعقدة، بل حاول المزج بين الرّوح الثورية المتأججة في الصدور وبين بساطة التركيب عند الفنان الشفاهي حين يرتجل الموال ويصعد بالآهات درجات حين يردد “يا عين يا ليل”. لقد طور تجربة نجيب سرور التي اهتمت بالدراما وتمكن من فهم المزاج الشعبي مع نصوص في غاية القوة والرهافة معا.

الحقيقة أنّ مظاهرات الطلبة خلال عام 1968 وما بعدها كانت الحاضن الرئيسي ليصبح لهذا الصوت جمهوره العريض، وهو ما تحقق بالفعل عبر نوع من القصائد التحريضية التي وجهت همها الأكبر لفضح “تنابلة السلطان”، وكان نصه الشّعري جارحا ومؤلما، وهو يتغنى “جيفارا مات”، “أتجمعوا العشاق في سجن القلعة”، “بقرة حاحا النواحة” ثم وهو يوغل في لجة السياسة “شرفت يا نيكسون بابا”، و”فاليري جيسكار ديستان”، و”هما مين واحنا مين”، وغيرها. ما حققه نجم هو تحويل القصيدة إلى منشور فني سياسي مع القبض على حالة من السخرية التي تتهادى في جنبات النص. لقد استطاع هذا الشاعر بنجاح فهم المزاج الشعبي وارتكز على إدراك عميق وأصيل للرّوح العابثة الساخرة من الحُكام المرتبطين بولاءات خارجية، كما انتهج طريقة مختلفة في الأداء حين ارتبط برفيق رحلته الشيخ إمام فصارت هناك أغنية سياسية فنية لها تقاسيم شديدة الخصوصية، واضحة التأثير، وقد اختلف نجم عن غيره أنّه بطبيعته فوضوي فصعب على السلطات تدجينه وإخضاعه لمظلتها، فقد دخل المعتقل مرات عديدة فكان يكتب أشعاره سرا ويسربها لمريديه فتموج التجمعات الطلابية والعمالية بمقاطع من قصائده تحفظ وتردد في المظاهرات.

كنت آخذ على نجم أنّ مثل هذه النبرة المحرضة والمباشرة، سرعان ما تسقط بالزمن لكنّني لاحظت أنّ شباب ثورة 25 يناير 2011، قد أعادوا قصائده وتغنوا بها مما يعني أنّ هناك عناصر فنية وجمالية أصيلة حققت لها البقاء. أحمد فؤاد نجم شاعر مشاكس وكانت فضيلته أنّه ظلّ على عهده لم يتغير مهما اختلف الحكام وتقلبت الأجواء، فحياته هي مسيرة رفض دائم للتدجين والصمت والرداءة!.

محمد زتيلي/ شاعر جزائري

كان عاشقا كبيرا للجزائر

كان اسم الشاعر أحمد فؤاد نجم متداولا في الأوساط الأدبية الجزائرية في السبعينات من القرن الماضي وكانت قصائده وأخباره تصلنا من مصر أولا بأوّل، كما كانت تصلنا أخبار المضايقات التي يتعرض لها برفقة الشيخ إمام من طرف السلطات المصرية وخاصّة دخولهما السجن بسبب القصائد والأغاني وما تحملها من مواقف بخصوص الفقراء والمحرومين والشغيلة وكذا بسبب الوقوف دفاعا عن القضية الفلسطينية. ولأنّ المرحلة التي أتحدث عنها هي مرحلة انتشار الفكر اليساري سياسةً وإبداعا، المرحلة المشحونة بقيم النضال من أجل الحرية والتحرّر والالتزام بقضايا الشعوب المضطهدة، فلم تكن الحركة الأدبية الجديدة التي حمل لواءها جيل السبعينات في الجزائر لتشذ عن الهموم العامة للمجتمع، فالاشتراكية على لسان كلّ الجزائريين يتغنون بها ويعتنقونها بدون تردد أو تحفظ. فحالة الفقر فاقت التصوّر، ومطالب العدالة والمساواة تملأ العقول والقلوب وتتغنى بها الحناجر، وقد آمن الناس جميعا بأنّ الاشتراكية منهج اجتماعي للخروج من وضعية بائسة ترك الاستعمار كلّ الجزائريين عليها، في الأرياف وفي المدن. وكانت الشعوب العربية في مستوى متقارب، ولم ترقَ إلى مستوى المطالبة بالمساواة والعدالة الاجتماعية سوى قضية واحدة هي قضية فلسطين. هذا هو باختصار شديد الجو العام الّذي ظهر فيه اسم فؤاد نجم والشيخ إمام في وسط ثقافي مصري تتجاذبه قِوى سياسية وُصفت بالتقدمية اليسارية والقِوى الوطنية في مواجهة الرجعية العربية وحلفائها في الداخل، حيث بدأ فكر التطبيع مع إسرائيل والحديث عن سلام ثنائي بعيدا عن التسوية الشاملة من منظور حركة التحرّر العربيّ يأخذ مكانه في بعض المنابر بمصر.

هذا هو السياق الثقافي والسياسي العام الّذي كانت أخبار الشاعر فؤاد نجم والشيخ إمام تصل فيه إلى الجزائر كما كانت تصل في نفس الوقت أخبار جمال الغيطاني وصنع الله إبراهيم وأحمد عبد المعطي حجازي فضلا عن نجيب محفوظ ونجيب محمود وغالي شكري ويوسف إدريس ومعظم هؤلاء زاروا الجزائر واحتكوا بأدبائها ومثقفيها وأعجبوا بالمستوى الّذي بلغته الحركة الأدبية الجديدة في الجزائر. ولأنّي كنت في مطلع الثمانينات في الجزائر العاصمة عضوا في الأمانة الوطنية لاتحاد الكتاب فقد سنحت لي الظروف أن أحضر وأعيش زيارة فؤاد نجم والشيخ إمام، ولا أتذكر الجهة التي استقدمتهم أو دعتهم للجزائر وأغلب الظن أنّها كانت وزارة التعليم العالي من خلال شخص مصطفى كاتب الّذي كان مسؤول النشاط الثقافي بالوزارة المذكورة، وهذا لكون الشاعر والإعلامي عبد العالي رزاقي الّذي كان يعمل مع مصطفى كاتب هو الشخص الّذي كان مسؤولا عن تنقلات نجم وإمام، وهذا معروف لدى الجميع في ذلك الوقت بما في ذلك تنقله إلى قسنطينة. وقد وجد الثنائي نجم وإمام كلّ الترحاب والجو العام المُرحب والمضياف الّذي أراحهما كثيرا، فقد كان الروائي الطاهر وطار يوميا مع نجم يحضران لمقر اتحاد الكتاب ويقضيان اليوم كلّه في جو ثقافي وأدبي وفكري وكان مقر الإتحاد وقتذاك يتميز بالحضور المكثف للكُتاب في حركة كبيرة من الصباح إلى المساء فضلا عن الولائم الليلية في الفنادق والمطاعم والصالونات والتي كانت بمثابة موائد أدبية وفكرية في تلك المرحلة. ولا يمكنني أن أنسى يوما دعاني فيه الطاهر وطار وكان برفقة فؤاد نجم لزيارة الفنانة الكبيرة صونيا وشربنا نحن الثلاثة القهوة في بيتها الواقع آنذاك بـ “ميسوني” بالجزائر العاصمة قريبا من الإتحاد. ومعروف أنّ الشاعر نجم والفنانة صونيا قد تزوجا فيما بعد ولكنّهما وبعد فترة انفصلا، وأذكر أنّ الطاهر وطار قال لنجم في بيت صونيا هذا محمد زتيلي يقول عن نفسه أنّه أفضل شاعر معاصر في الجزائر، فضحكنا، ولكن الشاعر نجم راح يسألني، هل تقول ذلك حقا؟ قلت له على الفور نعم، فقال، هذا جميل لأنّني أقول عن نفسي أنّني أفضل شاعر في مصر، فأنا مثلك مغرور، والغرور صفة المبدع، وضحكنا. وفي جلسة بصالون اتحاد الكتاب حضرها عدد كبير من الكتاب والأدباء تحضرني اليوم أسماء بعضهم كالطاهر وطار ورزاقي عبد العالي وأحمد حمدي وبقطاش مرزاق وحرزالله محمد الصالح ومصطفى نطور وأزراج عمر، وفي هذه الجلسة قرأ نجم شعرا وطلب مني أن أقرأ شيئا فقرأت قصيدة “المستشفى” وبمجرّد ما انتهيت أسرع أحدهم، لا أريد ذكر اسمه، يعلق مازجا تعليقه بضحكة مفتعلة صفراء وهو يقول، هذه قصيدة في رثاء أمه، ثم ضحك. فأعترض نجم وقال: لا لا هذه قصيدة طالعة من خرم إبرة. وكان الشاعر نجم عاشقا كبيرا للجزائر ممتلئا نشاطا وحيوية وشبابا، يقيم الأمسيات برفقة إمام هنا وهناك للطلبة والجمهور الواسع، وكانت أمسياته تعرف إقبالا كبيرا مثلها مثل تلك التي أقامها نزار قباني ومحمود درويش والبردوني والبياتي ومحمد مهدي الجواهري وأحمد عبد المعطي حجازي وأدونيس ومحمد بنيس وسعدي يوسف وعز الدين المناصرة وآخرون. ولم تقل زيارة نجم تأثيرا عن زيارة هؤلاء الشعراء العرب الذين أعجبوا بالجمهور الجزائري وبحسن الاستماع المبدع له. كما كان يشارك في الندوات والنقاشات الدائرة بإقبال ورغبة إلى الدرجة التي ينتزع فيها الكلمة ولا يطلبها فهو ثائر حتى في سلوكه اليومي.

فريد أبو سعدة/ شاعر وكاتب مصري

ضمير حي متبصر ومتمرد، وأشعاره تأتي من الشارع لتخاطب الشارع

دخلت الجامعة في أعقاب نكسة 67، كنت لا أزال فتى ناصريا قادما من المحلة الكبرى، وما هي إلاّ أن اشتعل الغضب الشعبي، ووجدت نفسي أطفو على بحر الجماهير في مظاهرات يناير 68، كنت مسحورا بنجيب سرور الّذي كان يزداد نقده لذاعة يوما فيوما، والّذي سيصل مع بداية السبعينات إلى حد الفجومية والابتذال في نقده لفساد النظام، لقد ساهم في خلخلة ذائقتي ثمّ تمّ فطامي قسرا بتأثير الحركة الطلابية الثورية، تغيرت أفكاري، واستطعت أن أرى ما حجبته عني محبتي للزعيم. كانت أشعار أحمد فؤاد نجم، التي نرددها في المظاهرات والاعتصامات -داخل الجامعة وفي الشوارع والميادين– درسا ليس في بلورة الوعي السياسي، والقدرة على نقد النظام فقط، أو بلورة حلم الناس في الحرية والعدل في أشعار مغناة فقط، بل درسا موازيا في التعاطي مع جماليات الشّعر التحريضي، شعر الشارع والحارة والزقاق، شعر البسطاء والمهمشين، كانت تختلف عن أمل دنقل ونجيب سرور (أمراء شعر التمرّد) في كونها تأتي من الشارع لتخاطب الشارع، كان أمل دنقل شاعر النخبة، ووقع نجيب في البرزخ بين النخبة والشارع، كنا كطلاب ندعو نجم والشيخ إمام إلى الجامعة، وما أن ينتهيا حتى تنطلق المظاهرات مرددة مقولات من أشعاره محمولة على موسيقى الشيخ، وهو ما سوف يسم كلّ حركات التمرد عبر أربعين عاما، إذ لم تستطع أشعار الآخرين، رغم نبلها وامتلائها بالتمرّد والثورة، أن تكون معينة للمتمردين، أو حاضرة في ذاكرة وحناجر الهاتفين، وظلّ وحده شاخصا بأشعاره في الميادين، يرددّها ثلاثة أجيال، ويغنيها شباب لم يعرفونه أو يلتقوا به!!  ترددت على “بيت خوش قدم” أسمع وأرى. أتعلم، وأشحن شعري بهذا السحر الّذي يأتي من روح الحارة المصرية، لقد دفع نجم ثمن جماهيريته الواسعة، دفع من عمره أكثر من 18 عاما بين المعتقلات، وهو ما يؤكد خوف النظام من قدرته على إثارة القلاقل، في الوقت الّذي لم يصادر ديوان لأمل دنقل، أو يبيت يوما في المعتقل، بل وكان ينعم بحماية ورعاية يوسف السباعي وزير الثقافة !، أعرف نجم منذ أكثر من 40 عاما، رجلا في جيناته كلّ تناقضات الشخصية المصرية، في تبذلها وسموها. في ضعفها وعنفوانها، في نبلها و”تحايلها على المعايش”، نابيا وقاسيا ومحبا وحالما، لكنّه ضمير حي متبصر ومتمرد، ومتوهج بالرغبة في التغيير، كان امتدادا لبيرم التونسي، والنديم، ساخرا ومتهكما ولاذعا كروح مصرية، ومع هذا كلّه كان قادرا على بناء قصيدته دون ترهل أو معاظلة، من لغة حسية ومن صور تحت عين الناس تسكن المخيلة ولا تتمحل الخيال، يشحنها بسخونة هموم الناس لا اختلاقها، الناس الذين جاء منهم، وعاش عمره يعرفهم كخطوط يده، في “مهرجان لوديف” كنا -نحن الشعراء العرب- في أماسي السمر لا نجتمع إلاّ على غناء أشعاره!.

واسيني الأعرج/ روائي جزائري

ظلّ حرا كطائر يدافع عن قيم الحرية من خلال قصائده الشعبية

أحمد فؤاد نجم، أو بكلّ بساطة نجم الّذي أفل كما تفعل النجوم عادة إذ تختفي بلا إذن مسبق وتبقى علاماتها مرتسمة على وجه السّماء في شكل شلالات من النّور المعمي للبصر من شدّة الألق. تركنا نجم بعد أن ظلّ وفيا لشعره وكتاباته حتى اللحظة الأخيرة ولم تثنه لا أطماع الحياة ولا أموالها. ترك كلّ الرخاء الّذي كان يمكن أن يغرق فيه لو اختار مسلكا غير الّذي اختاره وانتمى للشعب البسيط فغناه مختزلا السجون على مدار حياته كلّها. من جمال عبد الناصر إلى السادات إلى مبارك إلى الثورة ومتغيراتها التي جاءت بمرسي ثم السيسي، ظلّ حرا كطائر يدافع عن قيم الحرية من خلال قصائده الشعبية التي ظلّ الناس ينشدونها معه من خلال قصائده في ساحة التحرير وفي الحارات المصرية بلغة يفهمها المثقف والإنسان البسيط الجامعي والحمّال. ربّما كان من القلائل الذين حازوا على حب الجميع. عندما التقيت به آخر مرّة في القاهرة منذ أقل من سنة (في بداية ربيع 2013) لم يتغير أبدا. نفس الرجل البسيط الّذي جالسته في الجزائر عندما أقام بها زمنا، ونفس انشغالاته الطيبة ونظام حياته البسيطة ونفس الأمل والقدرة اللامتناهية على السخرية. لقد عرف كيف يكون مثقفا عضويا من طراز جديد بلا انتساب إلى فئة سياسية أو أيديولوجية ولكن إلى خيار الحب والحرية. خرج مثلما جاء إلى هذه الدنيا بسيطا بجلابيته الشعبية التي تشبه لباس المصريين البسطاء. عاديا وعظيما. وترك الوجاهات لغيره. ظلّ مشعا ومدافعا عن مصر أخرى ظلّت متخفية في كلماته وشِعره. مصر العدالة والنّور والحب والحداثة والديمقراطية بمعناها الأكثر إتساعًا. توفي ودفن في مقابر البسطاء الذين أحبوه وانتموا إلى قلبه كما انتمى هو إلى آلامهم ويومياتهم الصعبة والقاسية. تحوّلت مصر كثيرا بتحوّل الأنظمة المتعاقبة وظلّ هو نجمها.

____________

*المصدر/ جريدة النصر الجزائرية

 

شاهد أيضاً

القدس.. بمنتهى الصراحة!

*إبراهيم نصر الله كما عملت الصهيونية ولم تزل تعمل على محو كل الفلسطينيين، بمختلف أديانهم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *