الرئيسية / إضاءات / صَبَاحٌ جَمِيْلٌ عَلَى مَكَّةَ

صَبَاحٌ جَمِيْلٌ عَلَى مَكَّةَ

خاص- ثقافات

*الدُّكْتُورُ بَلِيغ حَمْدِي إسْمَاعِيل

لقد استنزف هذا العقل العربي المسلم معظم أفكاره، وخارت قواه التي طالما حاول الاحتفاظ بهيكلها الخارجي،دون أيديولوجية أو إطار مرجعي يمكن الاستناد أو الاعتماد عليه، وكان من الأحرى حقاً استعادة الوعي التاريخي بالمهاد الإسلامي؛ قراءة، وكتابة، وتأويلاً، وتحليلاً، بدلاً من سباق محموم في دفع التهم والنقائص المكتسبة عن الذات. إن عظمة الكتابة عن رسول الله (ص)  تتجلى في بيان الأثر الذي أحدثه الرسول (ص)  فينا ، لقد شاء الله لنا أن نخصص مساحات عريضة من الكتابة في الحديث عن سيد الخلق معلمنا ونبينا محمد(ص)   ، ودورنا الآن هو الكشف عن خصائص سيرة النبي الأكرم وبيان فضائله؛ تلك التي شرعنا توصيلها للناشئة والكبار على السواء.

وُلِدَ الهُدى فالكَائِنَاتُ ضِياءُ :

إن الحديث عن البدايات حديث ذو شجن وسحر خاص ؛ لأن المتحدث عنه هو سيد الخلق أجمعين ، ولقد ولد النبي (ص)  في فجر الاثنين لاثنتي عشر ليلة مضت من ربيع الأول الموافق العشرين من شهر أغسطس سنة 570 ميلادية ، ولأربعين سنة خلت من حكم كسرى أنوشروان خسرو بن قباذين فيروز ، وذلك في المكان المعروف بسوق الليل في الدار التي صارت تدعى بدار محمد بن يوسف الثقفي أخي الحجاج بن يوسف، وأدخل ذلك البيت في الدار حتى أخرجته الخيزران أم الهادي والرشيد فجعلته مسجداً يُصلى فيه وكانت قبل ذلك لعقيل بن أبي طالب .

وتذكر الكتب التاريخية أن الرسول (ص)  نزل على يد الشفاء أم عبد الرحمن بن عوف فهي قابلته ، رافعاً بصره إلى السماء ، وكانت أمه تحدث أنها لم تجد حين حملت به ما تجده الحوامل من ثقل وألم .

ولأن الله U يرعى عباده المصطفين الأخيار ، وينظر إليهم نظرة عطف ومودة ورحمة نقف عند واقعة جليلة نعتز بها نحن المسلمين في شتى بقاع الأرض ، ونحرص أن نسردها لصغارنا وكبارنا على السواء، وهي واقعة مرضعة النبي (ص)  حليمة بنت أبي زؤيب السعدية وتكنى أم كبشة.

وتحدث حليمة السعدية أنها خرجت من بلدها مع زوجها الحارث بن عبد العزى، وابن لها صغير ترضعه في نسوة من بني سعد بن بكر تلتمس الرضعاء،ومعظم كتب السيرة النبوية تقص القصة دونما استثناء نقلاً عن سيرة ابن هشام ، تقول القصة على لسان حليمة : ” فخرجت على أتان لي قمراء معنا شارف لنا والله ما تبض بقطرة (ص) ص) ص)  أي لا ترشح ) ، وما ننام ليلنا أجمع من صبينا الذي معنا ؛ من بكائه من الجوع ، ما في ثديي ما يغنيه ، وما في شارفنا ما يغذيه ، ولكنا كنا نرجو الغيث والفرج ، فخرجت على أتاني تلك ، فلقد أدمت بالركب حتى شق ذلك عليهم ضعفاً وعجفاً ، حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء ، فما منا انرأة إلا وعرض عليها رسول الله (ص)   فتأباه، إذا قيل لها : إنه يتيم، وذلك أنا إنما كانت النساء المرضعات ترجون المعروف من أبي الصبي، فكانت النسوة تقول : يتيم !! وما عسى أن تصنع أمه وجدُّه، فكنا نكره ذلك” .

وهكذا كان حال الطفل الرضيع محمد (ص)  ، وما أشق هذه الحال، تأبى المرضعات أن تأخذه ، كونه يتيماً ، واليتم كما نعلم ونعي ونفطن ضعف ومذلة وقصور حيلة ، ولكن يؤكد علماء نفس الطفل المعاصرين أن تعرض الطفل لمثل هذه الأحوال من شأنها أن تجعله أكثر صلابة وتحملاً لما يتعرض له من محن في المستقبل. وما أشبه الليلة بالبارحة في المقدمات والنتائج، إن حال تقلب النبي (ص)   بين العرض والرفض أشبه بحاله حينما عرض نفسه على القبائل بالطائف.

ونجد الله I دائماً مع حبيبه ورسوله (ص)  ، والناظر لأول وهلة لموقف حليمة السعدية ربما يغضب منها على تفسيرها لرفض المرضعات للنبي (ص)  ، لكن هي نفسها تقدم المبرر المنطقي ، أنها وغيرها يمتهن الرضاعة ، سعياً وراء المال ، وبعض العطايا من والد الرضيع ، ولنرجع ثانيةً لقصتها مع النبي (ص)  وكيف تصور السيدة في لغة أكثر بلاغة أخذها للرسول (ص)  ، تقول : ” فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبي ـ وربما تقصد بذلك زوجها الحارث ـ : والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعاً ، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلأخذنه ، قال : لا عليك أن تفعلي ، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة ، قالت : فذهبت إليه فأخذته ، وما حملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره ، فلما أخذته رجعت به إلى رحلي ، فلما وضعته في حجري أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن ، فشرب حتى رُوِي ، وأرويت أخاه ، وقام أبوه إلى شارفنا ـ والشارف هي الناقة المسنة ـ تلك يلمسها ، فإذا هي حافل ـ أي كثيرة اللبن ـ فحلبها ، فأرواني وروى ، فقال : يا حليمة والله أصبنا نسمة مباركة ، ولقد أعطى الله عليها ما لم نتمن ، قالت : فبتنا بخير ليلة ، شباعاً ، وكنا لا ننام ليلنا مع صبينا ” .

الحدث نفسه ، كما روته حليمة وزوجها الحارث يحمل بسطوره أكثر من سؤال وملمح ، لعل أهمها ذكر لفظ الجلالة Q على لسان كل منهما ، وربما أكثر المتناولين للسيرة النبوية يعرضون الحادثة كما هي ، أو كما جاءت في نص ابن هشام ، فكلنا يعلم أن العرب قبل البعثة المحمدية كانوا علم علم وتعقل بوجود الله (ص) ص) ص)  تبارك وتعالى ) والدليل على ذلك ذكر حليمة وزوجها لفظة الله ، بخلاف اسم زوجها الذي يحمل لفظة ” عبد العزى ” ، وربما لفظ الجلالة الله قسم ثابت الملامح عند العرب قديماً .

ولكن الناظر للواقعة يدرك كم هو أسعد حالاً هو وأولاده وذويه ، ولعله يدرك النعمة التي منَّ الله عليه بها ، وهي نعمة الأمومة والرضاعة من صدر أمه ، فهذا هو حبيبنا محمد (ص)  تقول عنه مرضعته : ” والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعاً ” ، وكيف بحال أبنائك وأنت تطمئن عليهم كل مساء ، وترى ابتسامة أمهم وهي تحتضن صغارها ، وكيف تنظر لحال صغارك وأنت تقرأ قول حليمة : ” فما منا امرأة إلا وقد عرض رسول الله فتأباه ” .

وكلمة تأبى تعني الرفض المطلق الشديد ، ألا يجعلنا هذا أن نزداد عشقاً برسولنا الحبيب (ص)  .

ثم ما يجعلنا أكثر سعادة بنبينا هو بركته على السيدة حليمة وزوجها ، تلك البركة التي ظهرت في إدرار ثديها ، وغزارة حليبها ، وقد كان لا يكفي ولدها ، لقد اختار الله (ص) ص) ص)  تبارك وتعالى ) هذا الطفل اليتيم وأخذته على مضض لأنها لم تجد سواه ، فكان الخير كله فيما اختاره الله ، وهذا درس لنا ـ جميعاً ـ أن تطمئن قلوبنا بقضاء الله وقدره .

شق الصدر :

تعد حادثة شق الصدر للرسول (ص)  أثناء وجوده بمضارب بني سعد من إرهاصات النبوة الأولى، ونذير خير لما سيحدث لهذا الصبي الصغير من اصطفاء واختيار له. وعود على بدء لحليمة السعدية التي تخبرنا عن القصة كاملة.

فتقول : “عندما رجعنا بعد مقدمنا بأشهر مع أخيه إذا أتانا أخوه يشتد، فقال لي ولأبيه ذاك أخي القرشي قد أخذه رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاه فشقا بطنه، فهما يسوطانه، فخرجت أنا وأبوه نحوه، فوجدناه قائماً ممتقعا وجهه، فالتزمته والتزمه زوجي ، فقلنا له : مالك يا بني ؟ ، قال : جاءني رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاني وشقا بطني فالتمسا فيه شيئاً لا أدري ما هو ، فقالت حليمة : فرجعنا به إلى خبائنا، وقال أبوه الحارث : يا حليمة ، لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب فألحقيه بأهله قبل أن يظهر ذلك به”.

والناظر لسياق الحدث السابق يتبين أن حليمة وزوجها قد أحبا الصغير حباً جماً ، ويظهر ذلك بوضوح في قولها ” أبوه ” مرتين، وهذا خير دليل على تعلقهما بهذا الصغير. والرسول (ص)   يخبرنا عن حادثة شق الصدر وما تحملها من دلائل ذات معنى ، حينما سأله نفر من أصحابه فقالوا له: يا رسول الله ، أخبرنا عن نفسك ، قال : ” نعم ، أنا دعوة أبي إبراهيم ، وبشارة أخي عيسى، ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاء لها قصور الشام، واسترضعت في بني سعد، فبينا أنا مع أخ لي خلف بيوتنا نرعى بهما إذ أتاني رجلان عليهما ثياب بيض بطست من ذهب مملوءة ثلجاً فأخذاني فشقا بطني ، واستخرجا فلبي فشقاه، فاستخرجا منه علقة سوداء فطرحاها، ثم غسلا قلبي وبطني بذلك الثلج حتى أنقياه” .

افتراءُ المستشرقين :

وكعادة المستشرقين من أعداد الإسلام وخصومه ، يتناولون هذه الحادثة بمنظور أكثر غرابة، فالمستشرق فنيكولسون في كتابه (ص) ص) ص)  تاريخ أدب العرب ) ، ومير في كتابه (ص) ص) ص)  حياة محمد ) وغيرهما يرون أن هذه نوبة صرعية ، وهذا بالطبع مردود عليه ، فلم تشاهد علامات الصرع على حبيبنا محمد (ص)  طول عمره، وإذا كان الصرع ـ كحالة مرضية ـ يصيب صاحبه بحالات عصبية موتورة وقلق وتوتر دائم ، فكيف هذا والنبي (ص)   هو النبي ، والزوج ، والقائد ، والمصلح ، والأب ، والمربي ، والمرشد ، والنذير ، وكل هذه الأدوار قام بها النبي (ص)  في وعي وجلد شديدين.

إن المستشرقين ، يبذلون جهداً بشرياً مقصوراً غير عادي للنيل من النبي (ص)  ، وأظن أني قد وفقت اللفظ في ” بشرياً ” لأن قدرة الله وقوته أبقى وأعز وأجل. كل هذا ولابد أن نعي حال هذا الصبي ، الذي يتعرض لمثل هذه المواقف العصيبة ، وغيرها مما ورد في كتب السيرة النبوية ، مثل وفاة أمه صغيراً ، كل هذا أيضاً من شأنه أن يقوي ساعد الصبي على ما ستخبره الأيام اللاحقة من عوارض، وهو ما أشار إليه جده عبد المطلب بقوله : دعوا ابني فوالله إن له شأنا” .

والحكمة من هذا الشق هو الزيادة في إكرامه وإمداده (ص)   وتقويته وإعداده، ليتلقى ما سيوحى إليه بقلب قوي سليم متين في أكمل الأحوال. وشق الصدر لأنه حادث جلل غيبي يلزمنا التصديق به أولاً ، والوقوف عنده طويلاً بالدرس والتحليل لاستنباط الفوائد والحكم منه، فشق  الصدر من جنس ما ابتلى الله به الذبيح وصبر عليه ، بل هذا أشق وأجل ، لأن تلك معاريض وهذه حقيقة، وما أحوجنا هذه الأيام أن تحدث لنا حادثة ولو معنوية لشق صدونا المعتمة ، إن حظ الشيطان منا عظيم في الآونة الأخيرة، في ظل الفتن والمغريات التي تنخر بنا ليل نهار، ولا راد لها سوى عصمة من الله.

وتتجلى الحكمة أيضاً من شق الصدر في القدرة على أن يمتلأ قلب الصبي الصغير إيمانا وحكمة وزيادة في قوة اليقين ، لأنه أعطي برؤيته شق صدره وعدم تأثره بذلك ما آمن معه من جميع المخاوف العادية، ولذلك كان رسولنا(ص)  أشجع الناس حالاً ومقاماً ،ولذلك وصف النبي (ص)  بقوله تعالى : ) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (ص) ص) ص) 17) (ص) ص) ص)  (ص) ص) ص)  سورة النجم /17) .

قصة بحيرى الراهب :

بعد وفاة عبد المطلب ، جد الرسول (ص)  أصبح في كفالة عمه أبي طالب ، ولما بلغ رسول الله (ص)  اثنتي عشرة سنة خرج مع عمه أبي طالب إلى الشام في ركب للتجارة سنة 582 ميلادية ، ولما نزل الركب ” بُصْرَى ” من أرض الشام ، وبها راهب يقال له ” بحيرى ” في صومعته ، وكما يقول ابن هشام في النص السابق (ص) ص) ص)  سيرته ) : ” وكان إليه علم أهل النصرانية ” ، وقد نزل القوم به أكثر من مرة ، فلا يكلمهم ، ولا يعرض لعم ، حتى كان ذلك العام ؛ فلما نزلوا بالقرب من صومعته صنع لهم طعاماً ، ويذكر ابن هشام في نصه أنه رأى غمامة حين أظلت الشجرة التي كان القوم تحتها ، وتهصرت أغصان الشجرة على رسول الله (ص)  حتى استظل تحتها ، فلما رأى ذلك بحيرى نزل من صومعته ، ثم أرسل إليهم بأن يحضروا كلهم صغيرهم وكبيرهم وعبيدهم وحرهم.

ولاشك أن هذا الصنيع قد أثار شك رجل من القوم فتعجب وقال : ” والله يا بحيرى إن لك لشأناً اليوم ما كنت تصنع هذا بنا ، وقد كنا نمر بك كثيراً ، فما شأنك اليوم؟ ” . هكذا تعجب منه الرجل الذي لم يرد ذكر اسمه في نصي ابن إسحاق وابن هشام بالرغم من أهمية الحدث التاريخي في السيرة النبوية ، وقد تخلف رسول الله (ص)  لحداثة سنه في رحال القوم تحت الشجرة ، فلما نظر بحيرى في القوم ولم ير الصفة أو العلامة الخاصة بالنبوة ، قال : ” يا معشر قريش لا يتخلفن أحد منكم عن طعامي ، فقالوا له : يا بحيرى ، ما تخلف عنك أحداً ينبغي أن يأتيك إلا غلاماً هو أحدث القوم سناً . فقال : لا تفعلوا ، ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم ” .

فقال رجل من القوم من قريش : ” واللات والعزى إن هذا للؤم بنا ، يتخلف ابن عبد الله بن عبد المطلب عن الطعام من بيننا ” ، ثم قام فاحتضنه ، ثم أقبل به حتى أجلسه مع القوم .

فلما رأه بحيرى جعل يلحظه لحظاً شديداً وينظر إلى أجزاء من جسده ، حتى إذا فرغ القوم من الطعام وتفرقوا قام بحيرى فقال له : ” يا غلام أسألك باللات والعزى إلا أخبرتني عما أسألك عنه ” ، ويذكر ابن إسحاق في سيرته أن بحيرى استخدم قسم اللات والعزى لأن قومه ـ يقصد محمداً (ص)  يستعملونه ، فقال له محمد (ص)  : ” لا تسلني باللات والعزى شيئاً فوالله ما أبغضت شيئاً قط بغضهما ، فقال له بحيرى : فبالله إلا أخبرتني عما أسألك به ، قال : سلني عما بدا لك ” .

وقد سأله بحيرى الراهب عن أشياء تتعلق بنومه وهيئته ، وأموره ، ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده .ثم أقبل بحيرى الراهب على عمه أبي طالب فقال له : ” من هذا الغلام منك ؟ ، قال : ابني ، قال له بحيرى : ما هو بابنك ، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حياً ، قال : فإنه ابن أخي ، قال : فما فعل أبوه ؟ قال : مات وأمه حبلى به ، قال : صدقت ، ارجع بابن أخيك إلى بلده ، واحذر عليه اليهود ، فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شراً ، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن فأسرع به إلى بلاده ” .

تحليل الواقعة :

هكذا تنتهي القصة / الواقعة في نص ابن إسحاق ونص ابن هشام في سيرتهما عن الرسول (ص)  ولنا في القصة تأملات وملاحظات .

أولاً ، من الملفت للناظر في سياق الواقعة التي نحن بصدد محاولة فهمها ، لا تظهر شخصية أبي طالب في الواقعة الأكثر جدلاً في السيرة النبوية وهي التقاء الرسول (ص)  ببحيرى الراهب ، وكيف وهو سيد قريش كما تحكي السيرة ، ثانياً وأن التجارة التي سافر القوم لها بالشام هو زعيمها وصاحبها ، لذا فيمكننا أن نقر بأن أبا طالب قد علم وعرف في ابن أخيه قوة الجأش والقدرة على لقاء الغرباء دونما خشية أو هيبة للموقف هذا الذي دعا محمد (ص)  أن يذهب منفرداً للقاء بحيرى دونما شريك أو سند .

ثانياً ، يستقرئ الناظر للنص السابق أن العلاقة ـ وإن كنا نصمت عن وصفها كراهة ـ بين النصارى واليهود تبدو متوترة وقلقة بعض الشئ منذ القدم ، لذا فقد حذر بحيرى الراهب أبا طالب صغيره من اليهود ، هذا ويضيف الدكتور محمد علي الصلابي في كتابه ” السيرة النبوية ” أن بحيرى قد حذر عم النبي (ص)  من النصارى أنفسهم ، وبين له أنهم إذا علموا بالنبي (ص)  سيفتكون به ، بل وإنه ناشد عمه وأشياخ مكة ألا يذهبوا بالصبي إلى الروم ، حيث إن الرومان كانوا على علم بأن مجئ الرسول (ص)  سيقضي على نفوذهم الاستعماري في المنطقة .

وبالرغم من أن النص السابق لابن إسحاق لم يرد فيه هذا الأمر ، لكنه تاريخياً وثقافياً فإن الرومان الذين يدينون بالنصرانية كانوا ولا شك في احتقان وكراهية لظهور الإسلام على وجه الأرض .

ثالثاً ، تزداد مع الأيام ثقة أهل النبي (ص)  بدءاً بجده عبد المطلب ، ومروراً بعمه أبي طالب بأن هذا الصبي سيكون له شأو كبير في المستقبل ، ولعل حرص بحيرى الراهب في تذكير أبي طالب بضرورة العودة هو وابن أخيه إلى قبيلتهما قبل أن يعلم أحد بوجود هذا الصبي .

محمد (ص)  يشارك قومه :

إن الفتى محمداً صار شاباً يافعاً نافعاً بإذن الله ، يشارك قومه في شئونهم من قبيل هذا مشاركته (ص)  قومه في حلف الفضول ؛ ذلك الحلف الذي هدم به العرب صرح الظلم ، ورفعوا به منارة الحق ، وهذا الحلف هو بحق من مفاخر العرب وعرفانهم لحقوق الإنسان ، وقد قال رسول الله (ص)  في هذا الحلف : ” لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحب أن لي به حمر النعم ولو دعيت به في الإسلام لأجبت ” .

وأيضاً اشتراكه في بناء الكعبة الشريفة حينما بلغ خمساً وعشرين سنة ، وقد شارك في بنائها مع عمه العباس ، وكانا ينقلان الحجارة . والقصة واضحة للجميع عند بناء الكعبة أو محاولة تجديدها ، وحيرة قريش في وضع الحجر الأسود ، حتى اتفقوا على تحكيم أول من يدخل عليهم من باب المسجد ، وكلمة مسجد تجدها واضحة في نص ابن إسحاق بالرغم من أنها من مفردات الإسلام ، وربما أن الكلمة من المواضعات التي ارتبطت بكل مكان للعبادة . ولما رضوا بذلك كان محمد (ص)  أول من دخل ، فلما رأوه قالوا : ” هذا الأمين قد رضينا بما قضى بيننا ” ، وكلنا يعلم كيف توصل النبي (ص)  إلى حل واضح بفراسته وبصيرته وفطرته النقية بأنه وضع رسول الله (ص)  الركن فيه بيديه ، ثم قال : ” لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ، ثم ارفعوا جميعاً ، فرفعوه حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه رسول الله (ص)  بيده ثم بنى عليه .

رحلة الطائف :

سعى رسول الله (ص)  إلى إيجاد مركز جديد للدعوة ، وكان اختياره للطائف باعتبارها العمق الاستراتيجي لقريش ، وكثيراً ما حاولت قريش قديماً أن تضمها إليها ، وتوجه رسول الله (ص)  إلى الطائف يعد توجهاً مدروساً مخططاً لتطويق قريش من خارجها.

ورسول الله (ص)  يعلمنا من خلال سيرته العطرة كيف يكون التخطيط الجيد ، فنحن لا نحرص أن نقرأ السيرة النبوية كسياق تاريخي محض ، بل الهدف الرئيس من تعلمها وتحليلها الإفادة من رسول الله (ص)  في مجالات الدعوة والتبليغ ، والتخطيط ، والتعليم ، وسبل الجهاد في سبيل الله.

وحرص الرسول (ص)  أن يتخذ الحيطة والحذر عند خروجه من مكة ، فكان خروجه سيراً على الأقدام ؛ حتى لا يظن أهل مكة أنه يعزم الخروج من مكة فيتبعونه ويراقبونه ، واختياره لشريك الرحلة يدل على عبقرية في التخطيط ، فقد اختار (ص)  زيد بن حارثة كي يرافقه في رحلته ، وبتحليل هذا الموقف والاختيار نخلص إلى حقائق منها أن زيدا بن حارثة هو ابن رسول الله (ص)  بالتبني قبل أن يحرم الإسلام التبني ، فإذا رأه أحد معه لن يشك في الأمر ، ولن يرتاب . كما أن اختيار رسول الله (ص)  لزيد تحديداً لعلم رسول الله لما يتمتع به زيد من صدق وأمانه وإخلاص وحب لرسول الله (ص)  ، فهو مأمون الجانب.

ولعل رحلة رسول الله (ص)  للطائف كانت قاسية ، وكلنا يعلم كيف فعل سفهاؤها وعبيدها بالنبي وزيد ، حتى توجه رسول الله (ص)  إلى ربه بالدعاء المأثور قائلاً : ” اللهم إني إليك أشكو ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس ، يا أرحم الراحمين ، أنت رب المستضعفين ، وأنت ربي ، إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهمني ؟ أم إلى عدو ملكته أمري ؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي ، ولكن عافيتك أوسع لي ، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك ، أو يحل علي سخطك ، لك الاعتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ” .

ولأن لنا في رسول الله (ص)  أسوة حسنة ، ليس فقط في الصبر على المكاره كما ذكرنا سالفاً ، إنما أيضاً في الدعاء إلى رب العباد ، فقد ختم رسول الله (ص)  دعاءه بالعبارة العظيمة التي علمها لأصحابه عند حلول المكاره والمصاعب وهي ” لا حول ولا قوة إلا بالله ” .

ويقول الدكتور علي الصلابي إن الدعاء من أعظم العبادات ، وهو سلاح فعال في مجال الحماية للإنسان وتحقيق أمنه ، فمهما بلغ العقل البشري من الذكاء والدهاء فهو عرضة للذلل والإخفاق ، وقد تمر على المسلم مواقف يعجز فيها عن التفكير والتدبير تماماً ، فليس له مخرج منها سوى أن يجأر إلى ربه بالدعاء ، ليجد فرجاً ومخرجاً .

إن إصابة النبي (ص)  يوم عرض نفسه الشريفة على القبائل بالطائف كانت نفسية ، وكانت ولا ريب شديدة قاسية ، ودليلنا على ذلك دعاؤه السابق الجامع المانع .ويذكر الإمام ابن قيم الجوزية في كتابه ” زاد المعاد في هدي خير العباد ” أن الله أرسل للنبي (ص)  ملك الجبال يستأمره أن يطبق الأخشبين على أهل مكة ، وهما جبلاها اللذان هي بينهما ، فقال (ص)  : ” لا بل أستأنى بهم لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئاً ” .

عداس النصراني :

لما لجأ رسول الله (ص)  إلى حائط لعتبة بن ربيعة وأخيه شيبة ، رقّا له ، فدعوا له غلاماً نصرانياً يدعى ” عداساً ” ، وأمراه أن يقطف عنباً ويذهب به إلى رسول الله (ص) . ففعل عداس ما أمر به ، ولما وضع العنب أمام رسول الله (ص)  قل له : كل. فلما وضع رسول الله يده فيه ، قال : ” بسم الله ” ، ثم أكل. فنظر الغلام في وجهه وقال : والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة ، فقال له رسول الله (ص) : ” ومن أهل أي البلاد أنت يا عداس ؟ وما دينك ؟ ” . قال عداس : نصراني ، وأنا من أهل نينوى . فقال رسول الله (ص) : ” من قرية الرجل الصالح يونس بن متى ” ، فقال عداس : وما يدريك من يونس بن متى ؟ . فقال رسول الله (ص) : ” ذاك أخي ، كان نبياً وأنا نبي ” ، فأكب عداس على رسول الله (ص)   يقبل رأسه ويديه.

وحينما علم ربيعة ورأى ما رأى من تقبيل الغلام لوجه ويد رسول الله (ص)  قال لأخيه : أما غلامك فقد أفسده عليك ، ودعى عداساً فقالا له : ويلك يا عداس ! مالك تقبل رأس هذا الرجل ويديه؟ قال : يا سيدي ما في الأرض شئ خير من هذا ، لقد أخبرني بأمر لا يعلمه إلا نبي. قالا له : ويحك يا عداس ، لا يصرفنك عن دينك ، فإن دينك خير من دينه.

والقصة السابقة وردت في أكثر من نص سابق ، ومعظم النصوص التي سردت الواقعة السابقة ، تحدثت عن صبر رسول الله (ص)   على الشدائد ، وتحمله الصعاب التي واجهها وهو يدعو القبائل للإسلام ، وبعضها تحدث عن فضائل الإسلام في الطعام ، كالتسمية قبل تناول الطعام والشراب . والذي يمكن أن نستخلصه من هذه الواقعة الطيبة أن الذي لفت انتباه الغلام الصغير في حديث رسول الله (ص)  هو ذكره للفظ الجلالة ” الله ” ، وهو أمر مستغرب على أهل هذه البلاد ، التي لا تعرف سوى اللات ، والعزى ، وهبل ، ومناة ، وغيرها من الأصنام التي لا تفيد ولا تنفع، ولا تسمن من جوع ، ولا شك أن نطق رسول الله (ص)  للفظ الجلالة ” الله ” قد هز كيان الغلام ، وهدهد مشاعره ، الأمر الذي جعله متقبلاً ومستعداً للدخول في الإسلام ، لاسيما وأنه من أهل الكتاب .

ومن أبرز معالم رحلة الرسول(ص)   إلى الطائف واقعة إسلام الجن . حقاً ، إنه اليقين بالتوحيد لرب العالمين ، لقد انفرد الله (ص) ص) ص)  سبحانه وتعالى ) بعبادة الإنس والجن له ، بل لقد انحصرت مهمتنا على الأرض في عبادة الله وحده ، لا نشرك به شيئاً .

والواقعة تفيد أنه لما انصرف النبي (ص)  من الطائف راجعاً إلى مكة ، قام بجوف الليل يصلي ، فمر به النفر من الجن الذين جاء ذكرهم في القرآن الكريم ، فاستمعوا لتلاوة الرسول(ص)    ، فلما فرغ من صلاته ، ولوا إلى قومهم مدبرين منذرين ، قد آمنوا وأجابوا إلى ما استمعوا إليه من تلاوة الرسول (ص) . وقد قص الله (ص) ص) ص)  تبارك وتعالى ) نبأهم على النبي في سورة الأحقاف ، يقول الله تعالى : ) وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنْ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (ص) ص) ص) 29) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (ص) ص) ص) 30) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِي اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (ص) ص) ص) 31) وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِي اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (ص) ص) ص) 32) (ص) ص) ص)   (ص) ص) ص)  سورة الأحقاف / 29 ـ 32) .

هؤلاء النفر من الجن يتلقون دعوة الرسول (ص)  في صلاته ودعائه دون أن يعلم بوجودهم ، وأصبح اسم محمد تهفو به قلوب الجن ، وليس الإنس فقط ، حملوا راية التوحيد ، ووطنوا أنفسهم دعاة إلى الله . يقول الله تعالى في كتابه العزيز : )قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً (ص) ص) ص) 1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً (ص) ص) ص) 2) (ص) ص) ص)  (ص) ص) ص) سورة الجن / 1 ـ 2) .

ولنا في رحلة رسول الله (ص)  للطائف دروس نستخلصها من الوقائع التي حدثت له أهمها الصبر على الأذى ، وتحمل أعباء الدعوة والرسالة بكل قوة وجلد ، والمراقبة الذاتية للنفس ، وتصحيح المسار والمسلك ، خوفاً من يكون هناك خلل يغضب الله تعالى ، وهو ما فعله الرسول (ص)  حينما دعا دعاءه المأثور .

ونعجب كل العجب حينما نهرول وراء التيارات والفلسفات الغربية ونؤصل لها ، بل وندلل عليها ونترك سيرة رسول الله (ص)  الطيبة العطرة الخصبة بالمواقف والأحداث ، ولنا فيها أسوة حسنة في الدين والدنيا معاً.

********************************

ـ مدرس المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية

كلية التربية ـ جامعة المنيا

شاهد أيضاً

ملحمة جلجامش في الأدبيات الغربية

*باريس: رياض معسعس تعتبر ملحمة جلجامش السومرية أقدم ملحمة شعرية كتبها الإنسان، ومن أهم الأعمال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *