الرئيسية / خبر رئيسي / العرفان وحياتنا المعاصرة (3)

العرفان وحياتنا المعاصرة (3)

 

  * لطفية الدليمي

 

                العرفان والأزمات الاقتصادية العالمية

 

   لسنوات عدة خلت لم أعتقد يوماً بتماسك قواعد علم الإقتصاد وأساسياته ( هذا إذا جاز لنا توصيفه بالعلم ؛ فثمة الكثيرون يرون فيه مبحثاً معرفياً وحسب ) ، وحصل يوماً أن تابعتُ مسلسلاً وثائقياً مهما في قناة ال BBC  بعنوان ( سيرة المال ) قدّمها البروفسور الشاب (نيل فيرغسون Neil Ferguson ) أستاذ الاقتصاد في كلّ من جامعتي هارفرد وأكسفورد ، والأصل في هذه الوثائقيات  هو كتاب وضعه البروفسور فيرغسون ذاته وصدر عن جامعة هارفرد بعنوان (سيرة المال : التأريخ المالي للعالم The Ascent of Money : A Financial History of the World  ) ، ويُلاحظ في كلّ مؤلفات المؤلف أنه يتحدث عن الموضوعة المحددة في كل كتاب في سياق تأريخ الأفكار العام ؛ الأمر الذي جعل تلك الوثائقيات  غاية في الإمتاع العقلي والبصري.

يحكي المؤلف في تلك الوثائقيات ( مثلما في الكتاب ) عن خطل وتهافت الأساسيات التي نشأ عليها الاقتصاد ، والغريب أن الكثيرين ممن وضعوا قواعد هذا النشاط البشري كانوا محتالين جشعين ؛ بل وحتى ذوي نشاطات إجرامية في بعض الأحيان !! .

   إن واحداً من أكثر ما يسم حياتنا الحاضرة سوء وفساداً على مستوى العالم بأكمله هو : النظر الى الحياة البشرية من منظار تنافسي بحت وعلى أساس أنها لعبة صفرية النتائج  وأقرب إلى بركة آسنة تتصارع فيها جوارح كاسرة ، وتلك صورة دراماتيكية  واقعية لا مبالغة فيها : لننظر إلى السوق العالمية وأسس الإقتصاد العالمي التي كانت تُعَدُّ إلى عقود قريبة راسخة في مفاهيمها التأسيسية على أقلّ تقدير ( كان نظام بريتون وودزBreton Woods  يعدُّ دوماً مثالاً لإستقرارية النظام الإقتصادي العالمي في أعقاب الحرب العالمية الثانية ) فإذا به يتهاوى ونكتشف مشدوهين أن فكرتنا الراسخة عن السوق الحرة والمنافسة الكاملة والمشتقات المالية و ” اليد الخفية Hidden Hand ” التي تتكفل تلقائياً بتعديل الإختلالات الهيكلية الحاصلة في أداء الاسواق إنْ هي الا باطل وقبض ريح مثلما اكتشفنا   أن مفاهيم أخرى تقبلها الناس طويلا  مثل : التأمين والبنوك والأسواق العقارية والبورصات والقروض بشتى أنواعها هي ألعاب  مصممة ببراعة ودهاء كبيرين  لخدمة أناس محددين وجهات بعينها . لست أتحدث هنا بخطاب أيديولوجي مكرس يردد مقولات متداولة ؛ لكنّ أناساً يزعمون أنهم بضمائر حية ونزاهة غير ملوثة لا يسعهمالا أن يتحسسوا مواطن الظلم والجور في (النظام الإقتصادي العالمي الجديد والذي يسعى إلى مركزة المال والسلطة وتركيز الهيمنة حتى لو تم الإضطرار إلى استخدام ذراع عسكرية ساحقة تحت مسميات شتى  اصبحت تشكل نوعا من الآيديولوجيا  الممقوتة التي يجوز لنا أن ندعوها  ( الكهنوت الإقتصادي الجديد ) .

   لكن هل تطيب الحياة وتعلو وترقى في تمظهراتها الثقافية و الأخلاقياتية في وسط محكوم بلعبة الربح والخسارة هذه  وبوجود كائنات طفيلية تعيش بجهاز هضمي و جهاز حسي حسب وبلا جهاز قيمي يرى مكامن الجمال و الوهج في العطاء و ليس في التكالب و المغانمة ؟ أقول بثقة المنظور العرفاني : لا تطيب الحياة وسط   أجواء مسمومة  مثل هذه بل تنحدر إلى قعر مستنقع عفن هو أشبه بثقب أسود هائل لا فرار من أسره القاتل وحيث يتمركز الفرد على أنوية غبية قاتلة للروح ومطفئة لوهج النوازع المحلقة في مديات الفضاءات القصية ؛ فيخسر الفرد نفسه بعد أن تنوء الأرض بخساراتها الهائلة هي الأخرى حيث يولد الجشع جشعاً أكبر من سابقه ولا منجاة  حينها من هذه البركة المميتة .

   لكن ، لماذا يرتبط السعي إلى مزيد وفرة مادية بشكل من أشكال الجنون الجمعي القاتل الذي طغى على عصرنا  ؟

يبدو لي أن صناعة الجنون هذه تتخلق من تداعيات لعبة فاتكة مفتوحة النهايات تنشأ من نمط الحياة البشرية المعاصرة المصممة على أساس إعتبار أن الحياة البشرية لعبة صفرية النتائج  تقوم حسب على الربح والخسارة مما يفضي الى نشأة تنافس صراعيّ يميل إلى تعظيم الأرباح المتحصلة من هذه اللعبة القاتلة مع  لامبالاة متعمدة عن التداعيات الخطيرة الناجمة عنها ، وعادة يقود النموذج التنافسي ( لا التشاركي ) إلى تمركز أنوي طاغٍ يؤدي إلى إنتفاخ ذاتي وغرور يقضي على مصادر البهجة والإستمتاع بالقليل الذي بين أيدينا ؛   فالجسد والروح مستنفران دوماً وفي حالة طوارئ متواصلة إستجابة لظروف المعركة الحاسمة التي ترمي إلى اقتطاع حصة أعظم من الكعكة الأرضية ( النموذج التنافسي يرى الأرض محض كعكة ، لا مستودعاً يعج بالأسرار والحكايات والخبرات المعتقة ) . يقود النموذج التنافسي هذا إلى الدخول في نفق مرعب لا نهاية له ، و يفضي إلى تدمير الذات على نحو ممنهج و بطئ وثابت ؛ فالكائن البشري ( و الكائنات الأخرى أيضا ) قد صممت جينياً وفق تصميم كوني هائل الذكاء قائم على أساس المشاركة والتواصل ( بل وثمة جينات إيثارية يحتمها الإرتقاء البيولوجي التطوري بحسب ريتشارد دوكنز )  ، وإن هذا التأهيل الجينيّ  هو نتاج عملية تطورية ممتدة لملايين السنوات  وقد تم سحقه والإعتداء الصارخ عليه بفعل خبيث من أخطبوط ثلاثي الأذرع : سياسي – إقتصادي – إجتماعي  يتحرك بمشيئة واضعي نظريات لا تتعدى ربما القرنين من الزمان !!! . يبدو النموذج التنافسي شديد الغباوة بالمقارنة مع الخبرة  المعتقة لأمنا الرؤوم : الطبيعة مع خبرة الكائنات البرية التي اعتادت التعايش المسالم معها على  طريق المشاركة والتواصل الحميمين ، ولا أحسب أن النموذج التنافسي سيصمد طويلاً أمام الخبرة الجينية المتراكمة ؛ فالإشتغال بما يعاكس توقنا الطبيعي وتصميمنا الأساسي سيفضي حتماً إلى تشوهات عملية خطيرة ستنعكس في هيئة إضطرابات ذهانية Psychotic ونفس – جسدية  Psychosomatic  خطيرة على المجتمعات الغارقة في الصراع التنافسي.

   يمكن للتدريب العرفاني المستديم والكشوفات العرفانية الذاتية أن تعمل بمثابة ترياق مضاد لكل هذه التوجهات التنافسية السامة عبر   توظيف العرفان وطبيعته الإيثارية  المعاكسة لتوجهات التمركز الذاتي المفرطة والأنوية الجامحة ، وقد يبدو هذا الفعل بسيطاً على نحو غير متوقّع ؛ لكنه قادر على الإتيان بأعاجيب حقيقية في ميدان التعامل مع المعضلات الإقتصادية العالمية التي ينوء عالمنا المعاصر تحت ثقلها .

                  العرفان وطغيان التقنيات الرقمية  

   نعيش اليوم  وسط ثقافة رقمية متغولة باتت تفرض سطوتها في جميع مجالات الحياة وغدت واقع حال معلن لايمكن ردّه ، وهذه الثقافة هي في حقيقتها ثورة تُضاف للثورات التي شهدتها البشرية من قبل وكانت لها مفاعيلها المؤثرة في حياة الإنسان ؛ غير أن الثورة الرقمية تتمايز عن الثورات السابقة لها بخصيصتين إثنتين عظيمتي الأثر والنتائج : الخصيصة الأولى تغلغل مفردات الثورة الرقمية في كل جوانب الحياة العقلية والسايكولوجية للإنسان وعلى نحو أصبحت فيه تلك التقنيات تمارس نوعاً من الدكتاتورية الرقمية المتغولة التي تشيع نوعاً من التنميط العقلي الجمعي الذي ستكون له تبعاته المدمرة في العقود القادمة برغم الآفاق المبشرة التي يَعِدُ بها على المديات القصيرة ، أما الخصيصة الثانية فهي كون التقنيات الرقمية  أمست ملازمة للفرد المعاصر طوال ساعات اليوم وماعادت مقتصرة على أوقات محددة مثلما فعلت مفردات الثورات السابقة ، وهذا الأمر هو مايساهم في مضاعفة تأثيرات الثورة الرقمية .

    ومن الطبيعي  أن بوسع الثورة التقنية أن تكون عظيمة الفائدة لمن يستخدمها في ميدان تعزيز الكفاءة المهنية وتوسيع الجوانب المعرفية والإنفتاح على ثقافات العالم التي كانت عصية على التناول في الحقب السابقة ؛ غير أن التعامل المعقلن مع هذه التقنيات يتطلب تدريباً منضبطاً وقدرة على الإمساك بلجام الرغبات المنفلتة – وذلك أمر يتعذر بلوغه غالباً مع جيل  الصغار الذين تستهويهم حبائل الإغواءات الصورية والمتع العابرة ؛ لكنما التأثير الأعظم تدميراً لتلك التقنيات يكمن في أن الإعتياد على التعامل التلقائي غير الهادف مع تلك التقنيات ينقلب عادة إدمانية ينشأ معها ترتيبات محددة من الإشتباكات العصبية الدماغية المميزة لكل حالة إدمانية ؛ الأمر الذي ينتج عنه بالضرورة فقدان جوانب مهمة من الإمكانيات الدماغية التي يمكن توظيفها في عملية التعلم وخلق آفاق جديدة أمام الفرد ماكانت متاحة له من قبلُ ، ولعلّ من اللافت للنظر أن الآباء المطوّرين للبرامجيات التقنية الشائعة ( مثل بيل غيتس ، الراحل ستيف جوبز ، مارك زوكربيرغ ) يعمدون في العادة لفرض نوع من التعتيم الرقمي في منازلهم – على أقل تقدير – بغية منح أنفسهم فسحة من فك الإرتباط مع العالم الرقمي وتوفير فرصة لتعلّم قدرات عقلية جديدة بعيداً عن النمطيات الرقمية السائدة .

    يمكن للعرفان – ونظائره من الممارسات التي تنطوي على التفكّر والتأمل في نطاق كوني – أن يخدم في تخفيف السطوة التدميرية للتقنيات الرقمية ، ولايقتصر الأمر على مجرد آلية محايدة من خلال إبعاد الفرد عن البيئة الرقمية ؛ بل أن الأمر أبعد من ذلك ويتأسس على قدرة العرفان في توفير مايمكن وصفه بِـ ( الترياق المضاد ) للتقنيات الرقمية عبر إعادة تشكيل التشبيكات الدماغية وعدم إقتصارها على شكل واحد تفرضه التنميطات الرقمية المتلاحقة ، والحقّ أن هذه القدرة العرفانية في إجتراح ترياقات مضادة لبعض مثالب حياتنا المعاصرة يمكن لها أن تكون موضوع أبحاث مكثفة ( وبخاصة في ميدان علم النفس السريري ) حيث يرى الكثير من البحاثة أن إمتلاك القدرة الذاتية على إعادة تكييف التشبيكات العصبية الدماغية يمكن ان تكون وسيلة علاجية عظيمة الأثر في علاج الكثير من الإضطرابات السايكولوجية وفي مقدمتها الإضطرابات الذهانية (الشيزوفرينيا مثلاً ) ، وأراني أميل إلى قناعة أن العرفان الجميل يمكن أن يغيّر نظرتنا للحياة ويملأها بنوع من الطاقة الكونية الخلاقة المتعالية على المستنقع البشري وقوانينه المدمرة .
_______
*المدى

 

شاهد أيضاً

النفي المنهجي أو عدمية نيتشه

خاص- ثقافات *سيومي خليل يتحدث الفيلسوف الوجودي والكاتب المسرحي الفرنسي-الجزائري ألبير كامو عن الفيسلوف فريدريك …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *