الرئيسية / خبر رئيسي / ابن رشد رائد التنوير الغربي..في قلب اللحظة الراهنة

ابن رشد رائد التنوير الغربي..في قلب اللحظة الراهنة

*سناء عبد العزيز

هل كان عصر التنوير الأوروبي إنجازًا غربيًا خالصًا؟ بمعنى أن الغرب تمكن بمفرده، ومن دون وسيط، الخروج من عصور الظلام نتيجة لعثور “الإنسانيين” على المخطوطات اليونانية والرومانية المفقودة في الأديرة القديمة حسب الزعم الشائع؟ وهل يمثل العثور على تلك المخطوطات حدًا فاصلًا بين ظلام العصور الوسطى وفجر أوروبا الذي أسفر عن كمال أنواره، معليًا من شأن الإنسان على هيمنة الكنيسة، والفكر على مسلَّمات العقيدة؟ إن كان الأمر كذلك، فإلى أي حد تثبت مقولة راكون عن سقوط  الأندلس يوم أحرقت كتب ابن رشد، وبدء نهضة أوروبا بعدما وصلتهم أفكار ابن رشد؟

أثر على حائط

في جداريته الشهيرة “مدرسة أثينا” يضع رسام النهضة الإيطالي رافاييل العالم الأندلسي المسلم ابن رشد وسط كوكبة من المفكرين والعلماء الذين أثروا على الغرب مثل أرسطو، أفلاطون، سقراط، ألسيبياد، أبيقور، وميكائيل أنجلو، كنوع من التوثيق لتاريخ ما. كما يكررها دانتي أليغيري، بدوره، مع ثلاثة من أعلام المسلمين (ابن رشد- ابن سينا- صلاح الدين) بوضعهم جنبًا إلى جنب مع الإغريق والرومان القدماء في مطهر رائعته “الكوميديا الإلهية”. وهنا يتساءل الكاتب والباحث السياسي البلجيكي كورت ديبيوف عن السر في تجاهل الغرب دور الفلاسفة والعلماء المسلمين في نهضة أوروبا، ومدى اتساقها مع وجود ابن رشد في كوميديا دانتي وجدارية رافاييل ما دامت نهضة أوروبا قامت على أكتاف نخبتها فحسب!

وعبر مقاله، يفند كورت ديبوف حقيقة إعادة اكتشاف الكتب الرومانية واليونانية على يد الانسانيين باعتبارها تنطوي على معلومة حقيقية لا لبس فيها فيما يخص الكتب الرومانية، إلى جانب انطوائها على زيف تاريخي يتكشف بتتبع النصوص اليونانية، التي يعود الفضل في إعادة اكتشافها إلى انتعاش حركة الترجمة في القرن الثامن في بغداد، واستعادة تراث أهم فلاسفة وعلماء أوروبا وفي مقدمتهم بطليموس وإقليدس وجالينوس. لقد كان لعكوف علماء المسلمين بعقول مستنيرة على استيعاب تلك الأفكار بالشروح والتعليقات، أكبر الأثر في تطور المدارس العلمية بشكل لا يقبل المواربة. وليس هذا فحسب، فمن قرائح هؤلاء الذين يتجاهلهم الغرب الآن، انبثقت حقول علمية جديدة مثل علم الكيمياء وعلم الجبر، شكلت انطلاقة لاكتشافات كوبرنيك ونيوتن. ولم تقتصر إسهامات العلماء المسلمين على تلك العلوم، بل امتدت إلى فلسفة  أفلاطون وأرسطو اللذين حظيا بشعبية واسعة ونصيب أوفر من ترجمات المسلمين العرب، كما كانا مثار بحث وجدل مستمر لكثير من الدراسات والنقاشات. وبرز على الساحة الفكرية فلاسفة من أمثال الكندي، والفارابي، وابن سينا، والطوسي، وابن رشد.

المدرسة الرشدية في أوروبا

ولد ابن رشد في عام 1126 في قرطبة، عاصمة الأندلس، التي كانت آنذاك مركزًا فكريًا للعالم الإسلامي، إلى جانب القاهرة بعد تراجع بغداد. كما كانت نموذجًا مذهلًا للتعايش بين ثلاثة أديان وثقافات متباينة. ولعل قبول الآخر واحتضانه داخل الثقافة العربية أو غيرها من الثقافات، أفضل وسيلة للارتقاء بالعقل وتوسيع أفق أنواره.

داخل هذا السياق تمكنت عقلية بحجم ابن رشد من استيعاب العديد من الحقول المعرفية، كالطب والفلك والفلسفة. وشغفت منذ الصغر بعلم الفلك إلى حد اكتشاف نجم لم يكتشفه الفلكيون من قبل. كما توغلت بأقصى قدر في  حقل الفلسفة، مصححة علماء وفلاسفة راسخين في مجالهم كابن سينا والفارابي.  تلك العقلية التي حدت بالغرب نفسه لأن يتلقفها ويمنح صاحبها لقب “المعلِّق” نتيجة تعليقاته الواسعة على فلسفة أرسطو وتفسير آثاره. فالفضل في تقديم أرسطو إلى أوروبا يعود في المقام الأول إلى ترجمة تعليقات ابن رشد إلى اللاتينية. كما أن شروحه هي التي أسهمت في ازدياد تأثير أرسطو على الغرب في العصور الوسطى. وظهر تأثير المدرسة الرشدية آنذاك على أهم الفلاسفة المسيحيين، مثل توما الأكويني، والفلاسفة اليهود من أمثال بن ميمون وجرسونيدوس. وما كان للغرب لولا شرح عالمنا القرطبي المسلم أن يتبنى التراث الأفلاطوني كإحد السبل للخروج من ظلامية القرون الوسطى، حين اقتصرت ثقافتهم على أفكار الكنيسة، باعتبارها وحيًا إلهيًا لا يقبل الجدل.

ولم يكن تأثير ابن رشد في تلك المرحلة مجرد هزة محدودة الأثر، إذ يقول جورج سارتون إن عظمة ابن رشد تعود إلى الضجة الهائلة التي أحدثها عدة قرون. فقد تمثلت أطروحته في وجود حقيقة واحدة، يمكن النفاذ إليها واستكناه جوهرها عبر دربين، أولهما العقيدة، وثانيهما الفلسفة. وحال حدوث تعارض بينهما، فثمة خلل لابد من الكشف عنه في النص باستلهام قراءة تأويلية. ولذا اعتمدت أطروحات ابن رشد ودرست في الجامعات الأوروبية الأولى: باريس، بولونيا، بادوا وأكسفورد.

التاريخ يكرر نفسه

اتهمت أفكار ابن رشد في بيئته العربية بالكفر والالحاد إلى حد إحراق كتبه، وأثارت الذعر نفسه داخل الكنيسة حين تسللت تلك الأفكار إلى أوروبا. وإذا بالتاريخ يعيد نفسه،  منتجًا صيغًا متشابهة من الإدانة والاستبعاد والحظر. فهذا أسقف باريس يدين الأفكار التي اجتثت من أوطانها ويعمل جاهدًا، هو وسدنته، على اجتثاثها بطرق مشابهة من أرضه مستعينًا بحجج خصمه الغزالي. وهذا توما الأكويني يحارب الرشدية بأطروحاته في كتابيه “ضد ابن رشد” و”الخلاصة اللاهوتية”، معيدًا الفكر الإنساني إلى نقطة بدايته حين وضع اللاهوت مرة أخرى في المنزلة الأعلى من الفلسفة. كما يرى ديكارت هو الآخر حتمية إدانة ابن رشد، وإن لم يتمكن من تحقيق ذلك بنجاح.

ولكنه الضوء ينفذ دائما عبر الشقوق، فعادت أفكار ابن رشد تتسلل مرة ثانية إلى الفلسفة الأوروبية عبر الفكر اليهودي. فيتبنى المفكر اليهودي المعاصر لابن رشد والطبيب الخاص لصلاح الدين فلسفته بأكملها تقريبا. ويتاح لباروخ دي سبينوزا، أحد آباء التنوير، اكتشاف أرسطو، ودي ميديغو، وابن ميمون وابن رشد.

وفي هذا الصدد يقول د. أشرف حسن منصور في مقال له بعنوان (ابن رشد وسبينوزا وعصر التنوير الأوروبي) “إن عقلانية ابن رشد هي المستبقة لعقلانية عصر التنوير، وهي السلف المباشر لها. كذلك فإن موقفه الحاسم والحازم من قضية العلاقة بين الفلسفة والدين، أو العقل والإيمان، ذلك الموقف الذي لم يقبل أية حلول وسطى توفيقية، هو الموحي المباشر لسبينوزا كما يتضح من كتابه الشهير “رسالة في اللاهوت والسياسة” والذي كان له أبلغ الأثر على عصر التنوير. هذا بالإضافة إلى أن إيمان ابن رشد بالقدرة اللامحدودة للعقل تجعله المرشح الأول والوحيد بين الوسيطيين ليكون مستبق عصر التنوير، في حين أن ابن ميمون والأكويني ظلا يتمسكان بالنظرية القائلة بمحدودية العقل وقدراته المتناهية”.

إعادة التاريخ لمكانته

لقد بدأ عصر التنوير الأوروبي عقب الأحداث التي جرت بين عامي 1688-1689، وشكل مرحلة جديدة في تاريخ أوروبا، عملت على خلخلة الأفكار القديمة الراسخة كرد فعل للهيمنة الأوروبية التي رافقت التوسعات الاستعمارية، وكان من ثمارها رفع قبضة الكنيسة الكاثوليكية عن الحياة الفكرية. وظهور رواد من أمثال روجر بيكون  وديكارت واسبينوزا كيبلر وغاليلو وفولتير، ولاحقا لوك ونيوتن وأهم  شخصية في عصر التنوير الفرنسي جان جاك روسو.

وكان لدور العلماء والفلاسفة المسلمين في تأسيس الفكر الأوروبي، ما يرغم الغرب على أن يدين لهم بالكثير، فلم يكن تمركز ابن رشد في تحفة رافاييل وكوميديا دانتي أمرًا مجانيًا، بل اعتراف وتوطيد لأثر. أليس من نتاج خروج الغرب من ظلمة عصوره الوسطى تلك القفزات الهائلة التي لم تتسنَ للشعوب العربية، على الرغم من ظهور علماء ومفكرين وفلاسفة بحجم ابن رشد بينهم؟ ألم يكن من الأحرى  لهم  الاعتراف لمن أشاعوا أنوار العقل وأخرجوهم من كبوتهم، بدلا من تزييف التاريخ وخلط الحقائق بالأكاذيب كما يحدث الآن؟  لعل إنكار دور العالم الإسلامي في تاريخ الفكر العالمي بمثابة اغتصاب للتاريخ نفسه كما يطرح كورت ديبيوف في مقاله. وكيف يتسن للغرب أن يكون ذا مصداقية إذا عاب على الآخرين فعلة تزوير التاريخ في حين لا يفعل هو نفسه غير ذلك. أما آن للحقيقة التاريخية أن تجد مكانًا جديدا في تدريسنا للتاريخ، والاعتراف بابن رشد كرائد للتنوير رغم أنف الغرب!
________
*ضفة ثالثة

شاهد أيضاً

النفي المنهجي أو عدمية نيتشه

خاص- ثقافات *سيومي خليل يتحدث الفيلسوف الوجودي والكاتب المسرحي الفرنسي-الجزائري ألبير كامو عن الفيسلوف فريدريك …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *