الرئيسية / نصوص / عينْ لالاميرة

عينْ لالاميرة

خاص- ثقافات

*سيومي خليل

كَي يَكُون الصبَاح بطَعم مُوسيقي شُوبان اشرب مَاء عين لالاميرة ، وأنْت تَشرب ماءَها سَتَشعر أنّك تَرقص على أنغَام سَمفونية بأربع حركات تتكرر فيها حركة شيرزو أكثَر منْ مرّة . استَيقظ كَكل ديك بَاكرا كَي لاَ تُقَصر من عُمرك القَصير أصلاً ، وابْحث عنْ أَسْوأ حذاء ريَاضي لَديك . ارْكض جهَة غَابة العرعار التي صَارَت العمَارات الإسمنتية تَأكل أشجارها المعمرة والأكبر من كُل سُكان آسَفي الحَاليين جَميعا . مر منْ بَين الشّجيرات المتَبقية ، واترك لقدمك أنْ تَدُوس الأَغصان الطّرية التي لا تَزول من تحت الأشجَار سواء صيفا أو شتَاء. بَعد أن تَتَعرق قَليلا سَتجد نَفْسك مبَاشرة أمام ملعب و*ايمبلي* الذي لا يُشبه مَلعب وايمبلي في العاصمة البريطَانية لندن إلاّ في الاسم ، والذي صار طلَلا ولمْ تَعد الكرة تعرف أركانه ، وباتَت حجَارة سوره تُسرق كي تستعمل أتَافي تُوضع عليهَا أبَاريق الشاي السوداء التي يعدّها السكَارى على جَوانبه .

أتمم الرّكض كَي تَسري مُوسيقي ألساندرو سكالارتي في أوصالك كَحشرة أم الأربعَة والاربعين ، دعها تَدب كي تُزيل تَوترات كل المسَاءات الباردَة التي خزنهَا الفُؤاد .

فَجأة ، وأنت تَمزج داخلَك الموسيقي بالركْض بدَبيب الحشَرات ، ستجد نفسك وسط غَابة مُزوغن دُون بوصلة ، ولا خَريطة تُحدد لكَ الأمَاكن التي يجب أن يطأَهَا الفُؤاد قبَل القدم ، لذا سَتترك للإرتجال مهمّة القيَادة . خُذ نفسا عميقا ، وقم بسرقة كُل الهواء الذي يوجد بغابة مزُوغن ، لا تتَرك منْه شَيئا ، اسحبه بالكَامل ، وخزنه دَاخلَك ، كَي تعيد استعمَاله حين تجِد نَفْسك بينَ عوادم السيارات ، وبينَ المَزابل التي صَافحت الشوارع ، وتسلّقت دروبهَا . أركُض فِي غابة مزوغن ، ولا شَك أنَك سَتَتذكر وحبات العرق تدخلٌ عينيك رواية الغَابة الدنمَاركية لهاروكي موراكامي ، وسَتَتذكر أنّك لا تختلِف عنْ البطَل سيء الحظ الذي جعَلَه السارد يعرفُ موت الآخرين ، ويرى الورود التي يحبهَا تَدبل . بعدهَا اتجه صوب سيدي بوزيد ، فَالعين تُناديك بكل المياه التي فيهَا .

قَبل أن تَصل عين لالاميرة ، وتَحديدا فوقها سيظهر لكَ بار روفيج* وسَتتمنى لو كَان يَضع قناني خمرة هينيكل يُبَرد بهَا العَدّاؤون عَطشهم مثلمَا يَضع المنظمُون قَناني المياهة الغازية سيدي علي وحَرازم للعَدائين الهزلين في المسَابقات الوَطنية . انْزل على الدّرجات التي تصل إلى قَلب عين لالاميرة ، واسأل سُؤالك القَديم الجديد دائما :

كم عمر هذه العين ؟

لاَ عمْر لهَا ، فهي دامعة مُنذ عَرفتها ، وتحيط بها الخضرة دَائما حتّى في أوج الحر ، وفِي جَنباتها يمكن أن تَجد إضَافة إلى البَشر حيَوانات وحشَرات تستظل بفيئها . إملأ قِنينة صَديقك بالماء بعدَ أنْ تَشربا معا من كفيكمَا ، سَتشعر أنّ هذا المَاء له علامة تجارية مختلفَة عما ذُقتَه من كل المياه الغازية . سَيبدو البحر كأنه مستعد لاستقبَالك ، لكن عليك قَبل أنْ تَطأ رماله أن تنزل هذا الجَبل اللعين الذي لمْ تَنزله لأكثر من عشرين سَنة . إنْزل ببُطء يَا خليل كي لا تَجد نَفْسَك في القعر سَريعا ، فحجارة الجَبل التي لا تَظنها قَد تغَيرت قد نَسَت أقدَامك ، ولم تَعد تَتذكر أنّك كُنت تمر من هنا راكضَا يَوما ما . انْزل ..فالمّهمة هي النزول . كُلما خَطوت بثبات بان البَحر أكثر كأنه يُصفق على مُغَامرتك هذا الصباح مثلمَا يَفعل الجمهور في آخر السباق للعدّاء الأَول الذي يقطع الشريط الوصول الأحمر.

البَحر تَبدو مياهه ناعسة ، والزبد ، أو كمَا يُسميه رجال البحر * الخرفان *، يَتكسر مثل تكَسر لحن جَميل بفعل بّحة المغني .شيء مَا في البحر يحَييك ، ليست المياه ، ولَيس الزّبد ، لكنّه مثل التحايا التي كَان يمَنحها الناس للجنود الذاهبين للحرب ، فَلا جندي يعرف من يُوجه لَه التّحية ،لكنّه يَشعر كأن التحايا كله له تَحديدا .

وأخيرَا .. هَا أنت في الأسْفَل ، لم يتبق غير شَريط الصخور ، *والمعارض *كمَا نُسميها ، كَي تَلمس أنَامل القدم برودة الرمل . خذ نَفسا من جديد رغْم التّعب ، ورغم الغيس* الذي مَلأَ ثيَابك والذي كَونتهُ مياه عين لالاميرة ، قُلت …مخشاي نديو شي بركة* . اقطَع الشريط راكضَا وراء صديقك ، وانتبه إلى حِذَائك الرياضي الذي يُعاني من كُره للصخور الملسَاء . سَتشعر كأنك ضيف مرحْب بِه بشدة ومنخاريك يَصلهما الرّذاذ الرطب والبارد المنفَلت منْ أَمواج البَحر الهادئة التي لم يَعد يَفْصلك عنهَا غير بعض الصخور التي ترتطم فوقها ، اسحب بشدة هذا الرذَاذ ولا تَتركه يغادر جسدك ، فهو إكرامية منحهَا لكَ البَحر حين رأي وصولك كالغَازي إليه كي لا تَستبيحه . وتصل في الأخير إلى الرّمل ،ويَخفتُ النّفس داخلَك كأنّك وضعتَ ثقْلاً عن ظهرَك ، ولا تشعر إلا وأنْت تَتَقافز كَنِسنَاس هندي يريد الغْطس في الماء البارد . تَترك جسدَك إلى أن تهْدَأ لُغته ، ثم تَرمي ثيابَك عنْه كأنك تُلبي دعوة اشتياقه لحَالة الطبيعة ، ثم ترتمي في مياه البَحر الباردة .
صباح بحر ..
صباح فل …

شاهد أيضاً

حينَ يكون الحبّ ممكناً

خاص- ثقافات *أسامة غالي (الحدْسُ نهجُ العارفينَ، العارجينَ على بُراقِ الوجدِ)                                                    حميد العقابي نحتاجُ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *