الرئيسية / إضاءات / الرمادية؛ بينية التحير

الرمادية؛ بينية التحير

خاص- ثقافات

*محمد كريش

            

الكون البيني معدن  التحير ودوامة تيه وخلط، وفقدان للاستقرار. وانتفاء لليقين ولرؤية “ما هو”… أن تكون بيني الوجود، أن تتلبس بكل “الممكنات واللاممكنات”. وتكون بلا وجه ولا ملامح، ولا بوصلة لك، وتتحول مرة إلى مسخ متنكر وأخرى إلى ملاك مقنع… البينية أن تكون أوراقا  وأرقاما مختلطة، وطرقا تسير إلى من حيث أتت، وليس لها وجهة ولا بؤرة وصل. كنقطة الدائرة، حيث هي معدن وجود الدائرة وبدئها، غير أنها ضاعت في وحشة الوحدة  والغربة، متغيبة عن الأنظار، حاضرة في الأذهان فقط. تحيزت في الوسط وغفت في اندلاس وتلون.

هناك، بين منزلتي “الفاتح والغامق” أي “البياض والسواد”؛ وبين “الحقيقة والوهم”؛ تتحيز منزلة “البين”، وهي “بينية الرماد”. تحصّلٌ عن ما تبقى من احتدام واحتراق منزلتي  النقيضين عند ذاك  الانصهار. فيلزم  ههنا شرطية أن ينصهر البياض في السواد والسواد في البياض ليتفتق بعدُ، ذلكم الرمادي. والرمادي هو شاذ في اللون، سليل لقيط يلبس قناعا. منكسف الإندفاع خجول، مهادن في وجه الأحمر  والأصفر و الأزرق، لا يقوى على مواجهة الأصلية والوضوح، وبهجة الربيع، ومضاهاة الدم وجمرة البركان والنار، وحرية الزرقة ورحابتها… هو “مؤنث الجنس” ينتظر التخصيب. والتخصيب يفيد الإقتران بالفعل، والتعيين هو بالتبعية، أي بالنسب. يقال “رماديات ملونة” أي أن  هناك رمادي مُحْمَرّ ومزرقّ ومصفرّ… ههنا يحضر التخصيب (تخصيب لوني) ليتحول الرمادي من مبهم الكنه والكينونة، إلى ذي  نسب وانتماء. هكذا هي الكلمات كذلك، تتخاصب ليتولد المعنى، وينفتل الجمال والكمال بالسحر. وتحتدم فتنة المقال. لينبلج المعنى من نسج  تلكم الكلمات. أحيانا مغتاضة مزمجرة  بأنياب ومخالب وأنصال. وأحيانا بعروس طاووس منتصبة الذيل، تمشي الهوينى في ملكوت اللون، وناي متيم يرثي حبيبا. وغسق متلهف متعشق، على تلة إغريقية يشدو الصبابة.

 الرمادية منطقة الغموض الدائم الالتباس. هو العماء  وغبش الرؤية من بعيد، وفي يوم ضبابي. حيز الشذوذ والشاذ. الهارب دوما إلى الأمام المطلق، من كل تحدّد وتعيين. والمنفلت عن المسك. متسربل بالمراوغة في ثنايا الزمن والمكان كهلام. طبيعته زئبقي متحول بلا وقف. هو صنو جنين بدأ  للتو في التشكل، إذ هو الآن بلا هيأة ولا صورة، ولا نعت، إذ لا اكتمال هناك…

البينية  كنه بين “الوضوح والوضوح”،  ووجود  مدعاة  للتشكك والارتياب والاستفزاز. هي، على الدوام،  برزخ  للإيشاك العالق  بين “الوقوع”  و “اللاوقوع” أو بالأدق بين “الوقوع والوقوع”. حيز الممكن والمستحيل. البينية لا هي وضوح من جهة اليمين، ولا هي كذلك من جهة اليسار. تتأرجح بين النسبتين؛ بين وجودين. والبينية وجود “مشبوه” منقوص يشي بـ”هلامية التمثل”، مثيرة  ومريبة في الآن ذاته. ممنوعة من المعنى والفهم. فـ”المسترجلة والمستأنث”  ينوءان بوزر “الاسترجال والخنثية ” بما هما “بينيان”. أي نشاز على مجرى النهر، وبالتالي يشكلان  منطقة غامضة. منطقة يمتنع فيها الجنس عن الانتماء ويرفض وضوحه. “كائن” بين المنزلتين/ الصفتين. لا هو أبيض ولا هو أسود…

“البين”  كذلك برزخ الافتتان والانجذاب واللذة  والتعشق. وبرزخ توهج سؤال التحير. الداخل فيه غريب محتار، والآيب منه غريب محتار. فكل متعب بعبء الذات؛ فيه هناك، يتجرد من الوعي والمعنى. ويغدو بلا شجرة ولا ثمرة. متحررا من  “الأنا”؛  ذاك الوتد  للتقيد والعقال.  أفليست الحرية  هي حين ينتفي الانتماء. وتنطلق الكلمة حرة  بلا ربط المعنى وبلا مرمى؟. لتنفتح على مجرة التأويل، ولانهائية الفهم. فترجع الكلمة أدراجها. وتكون حينها لذاتها هي فقط لا غير. بلا مسمى وبلا قصدية ولا إشارة: “ذاك، وهذا، وتلك، وأولئك…إلخ”. تعود لأصلها الحرف؛ حيث الحرف لذاته وحده مند بُعث وكان البدء. فهكذا الرماد يتحرر بالنار من قيد ماديته في الغبار والهباء، فيغدو لا يملك سوى “اللا لون، وما أنا؟”. فيتحول في حيز البين بعد “الأنا”  الذي كانه، نسيا منسيا؛ (ذاك من حيث هو لا من حيث الغير بالطبع). وفي هذا الحيز بالذات، حيث يرتع التمويه والتوهيم؛ يمكن للحجة والدليل أن ينتكسا في تلاش  ويتنكرا للحقيقة في غبش “المابين”،  فينقلب القارب على وجهه وتغدو السمكة هي الصياد. والوجه القفا.

ينجذب الطبع الإنساني للواضح وينحاز لضوء النهار. مأمنه البصري، خلاف الحلكة، بدون شك. غير أنه، في الوقت نفسه، ينجذب أكثر بكثير  إلى الغامض والغريب، والمستعصي عن الإدراك، ولو بنزوة الفضول. مجبول هو على مساءلة الوجود، واستقصاء أثر الأصل والمغزى. سؤال مركب مؤرق: “من أين، وإلى أين، ولماذا؟”.  فهذا  السؤال الضارب في الغموض  والإشكال، غائر في أبدية الإنسان وأزليته. كما الوجود نفسه؛ مبعث تحيره وتألمه، حيث  لا يبرحه البتة، هكذا يحمله أبدا في جوف الجوف فيه، ليأخذه معه في النهاية إلى المقبرة. حيث مآل وتبدد الأسئلة كلها، ومكمن سر الأسرار. كما أن المقبرة  أو بالأحرى “كون القبر”، هو الآخر، منطقة بينية بامتياز. منفلتة التعريف والتحزير والتـأويل، ممتنعة الكنه والصورة والتخيل والعبور.

الرمادية/البينية  كذلك حرية وانعتاق  من ربقة القيد. حقل للألغام والاستكشاف والاستفهام. ففيها تتشتغل الكلمة  لتبدع خلقها؛ “شعريتها وأدبيتها” وتطلق خيالها وإشعاعها، نارا وماء  في الوجود… الإسم المستعار والاستعارة هي الرماد نفسه. “البين” هو أن تجد نفسك تسبح في غيمة من ضباب كثيف وسراب، تدرك وجودك دونما أن تراه. غياب في حاضر. وحاضر في غياب. أن تفقد تعريفك وحبلك السري…أن تقول، لأن يبقى القول معلقا في الهواء والخواء. بين “الهنا والهنا”… السؤال معدنه الشك، والشك  تيه  وحيرة في البينية، وتوسل  وتد  من جواب أو معنى. والرمادي مقام العتمة لا الظلمة، فالظلمة من الليل والسخام، وهي إنما حجاب وتدثر قاطع للوصل، والعتمة مقام لا هو ظلمة ولا  هو نور. بل إبقاء على الشك في الموقف  والرؤية بالتوجس. هي عين الغموض حيث “ترى ولا ترى”. وعين “الممكن واللاممكن” أي “بإمكانك ولا” في حيرة القرار والتقرير. شك ممزوج بيقين، ويقين بشك… أليس الضباب عتمة مضروبة على الوجود. وتكتم عن الحقيقة. واستدراج للتحير والخوف  والتيقظ عبر حدس وتحرز ممتنعين. وخوض  لعبة  “ضربة الحظ”. فقد تصيب وقد لا تصيب. ليبقى الشك ممسكا بالحيثيات والاتجاهات. الوجود كون رمادي ومجرة من أسئلة  بأجوبة ملغوزة متخفية في تموه الرماد. متسترة في ذاك الدثار من الضباب والرذاذ، المشكلين  سديما حاجبا  للذات والمعنى. ونافيا كل يقين. أليس التاريخ مكتوب بكلمات وأحداث رمادية. وكل كلمة ثقب أسود للضياع. أليس كله احتمالات وممكنات  و”لاممكنات” لا غير، إذ الحقيقة/ الوضوح  متكتمة بين ثنايا تلك الكلمات. فإن  كل ما هو خلفي (أي ماض) مصبوغ  مطلسم  بالرمادي والبينية. حيث الكل فيه  فاقد  لبياضه وسواده، جراء مسح الأيام والحروف. فالزمن وكهنته الكتبة هم مطلسمو الماضي وأحداثه بغبش البيني. وتحيزه وسط اليقين والشك. أي لغز غامض معطى للتفكيك والتمحيص.

البين بوتقة عجمة وغموض  وإلغاز، موطن احتدام الخيال والحلم. فيها يتأجج الشعر وتشتعل الكلمات وتستعر. ويخرج من القمقم مارد القصيد والاستعارة. وتعربد في تمجن سافر  إلياذة الحب وأسطورة العشق المنتحر. وتُغِير شبقية الكلمة ولذة التغني والتغزل، وتتولع الكتابة بالكتابة،  والحروف بالحروف. ويرتوي المعنى بالمعنى ويثمل. فينبجس إذاك الشعر  مغناطيسا  من الرماد، ومن فراغ الممتنع. تكلمه سحر وشراك فتنة، وتخدر لا يقاوم. حيث “الحقيقة تتلبس بالوهم” و”الوهم بالحقيقة”، والكل رائق معتق مسربل بلذة وشبقية المعنى. والمدامة  فيه الكلمة وغنجها وتدللها.

 البينية سلطانها الخيال. مطلق الكلام وقول المجاز والقصيد. فيها تشتعل  نار الخلق في نار الخلق، و يغرق الماء في الماء. ويلتهم الحب الحب والحلم الحلم. وتذوب الذات في الذات فلا تبقى. ويتوحد ذاك الحبيب في الحبيب ويسكر  فيهما الكل في الكل. فتتكسر المرايا كلها، وينتفي “الأنا في الأنا”. فيغدو الشاعر والفنان أثيرا شفيفا.  مثلما فتق من نور يعتلي  ما خلف الوجود، وما بطن. وما لا يرى وما لا ينقال. ويزهو الشعر والفن في خلق جديد، بين البياض والسواد وما بين البين. والشاعر والفنان  في كفهما الأيمن، الوجود يتراقص في فناء، حيث ثمة يتلاشى  القول واللون  رذاذا “ينشعل” شموعا  تطفئ لهاب الدمع والحرقة. وينثر الأشياء خلقا جديدا بجمال وصفاء جوهر الجواهر، وروح الأرواح. فيعاود الكون كونه برونق صفاء البدء الأول.
__________
*(فنان من المغرب)

 

شاهد أيضاً

فيروز عصفورة تائهة بين الشمس والشرق

*أحمد شوقي علي مع اقتراب ذكرى ميلاد أو رحيل أحد المبدعين المؤثرين، ثمة صحافي يمد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *