الرئيسية / خبر رئيسي / الفلسفة والسينما في فكر جيل دولوز

الفلسفة والسينما في فكر جيل دولوز

*د. كمال الزغباني

يؤكَد دولوز، منذ استهلال مؤلّـفه الفلسفيّ الأساسيّ «الفرق والمعاودة»، ضرورة أن تبحث الفلسفة عن أساليب وطرائق جديدة في الكتابة، مستفيدة في ذلك من التجديدات الكبرى التي أحرزتها الفنون الحديثة من رواية ومسرح وموسيقا وسينما. وينزّل دولوز هذا التجديد وهذه الاستفادة أوّلاً ضمن ما يسمّيه «الهيغلية المضادّة المعمّمة» الموسومة بتجاوز منطق الهوية المتأسّس على التمثّل والتقابل، وثانياً ضمن البحث النيتشويّ عن أسلوب جديد في التفلسف.

أسوة بنيتشه يجزم دولوز بوجود قرابة أساسية بين الفلسفة والفنون مؤدّاها الأساسي هو أنّ فيلسوف المستقبل هو تحديدا الفيلسوف الفنّان. ولئن كان فنّ الرواية، لاسيما في تعبيراته البورخسية (نسبة إلى الكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخس)، يحتلّ  مكانة مميّزة في رؤية دولوز التجديدية هذه، فإنّه كان مدركاً منذ البداية ما يمكن للسينما أن تقدّمه للفيلسوف النيتشويّ  المجدّد الذي يرى في فعل التفلسف إبداعاً ويماهي الفكر بالإبداع: «إنّ البحث عن وسائل جديدة للتعبير الفلسفي كان قد دشّن من قبل نيتشه، وينبغي اليوم أن تتمّ متابعته في صلة بالتجديد الذي شهدته بعض الفنون الأخرى مثل المسرح والسينما». (الفرق والمعاودة، ص4).

علاقة الفلسفيّ بالسينمائيّ

كيف تنتظم علاقة الفلسفيّ بالسينمائيّ عند دولوز؟ وكيف تشكّل لقيا السينما على المستويات الإستيتيقية والمنطقية والإيتيقية – السياسية منعرجاً حاسماً في معالجة دولوز لمسألة صورة الفكر، وإذا كان مفهوم الإبداع بما هو إنشاء للجديد عبر صلة مبتكرة بين الحالي والافتراضي، وإذا كان «الكريستال» بما هو البديل الدولوزي عن مفهوم التخييل هو تحديداً ما يعبّر عن هذه الصلة، فما منزلة الصورة – الكريستال في رؤية دولوز للإبداع السينمائي وللإبداع الفني وللإبداع ببساطة في تواشجه اللامنصرم مع المقاومة، ومن ثمّة في الانخراط الجذري في فكر ثوريّ  مغاير وضمن حداثة مغايرة؟

 لئن كان دولوز الفيلسوف الوحيد الذي أفرد الصورة السينمائية بمؤلَف فلسفيّ مستقلّ (سينما1. الصورة- الحركة وسينما2. الصورة- الزمان)، فإنّ الاهتمام بالسينما لم يكن عنده ترفاً معرفياً. إنه ناجم عن حاجة فلسفية صميمة مرتبطة بانهمام أساسي في فكره: تحطيم الصورة الدوغمائية للفكر التي هيمنت وتهيمن على الفلسفة منذ أفلاطون حتى هيغل. ليس حديث الفيلسوف في السينما إذن متأتّياً من ضرب من التفكّر أو التفكير الانعكاسيّ، وإنما سؤال الفلسفة في السينما هو في الآن ذاته سؤال الفلسفة في الفلسفة: «إن مفاهيم السينما ليست معطاة في السينما. ومع ذلك فهي مفاهيم السينما لا نظريات عن السينما. بحيث توجد دائماً ساعة، لانتصاف النهار أو الليل، حيث لا ينبغي أن يكون السؤال «ما السينما؟» وإنما «ما الفلسفة؟» والسينما ذاتها ممارسة جديدة للصور وللسّمات ينبغي على الفلسفة أن تنشئ لها نظرية باعتبارها ممارسة مفهومية. لأنّ أي تحديد تقني أو تطبيقي (على غرار التحليل النفسي أو الألسنية) أو تفكّري لا يكفي لتشكيل مفاهيم السينما ذاتها» (الصورة-الزمان،ص366). حين طلب إلى دولوز تفسير غياب كتابة فلسفية عن السينما أو فيها، أجاب بأنّ ذلك قد يكون راجعاً لواقعة أنّ الفلسفة كانت لحظة ولادة الفنّ السينمائي منشغلة من جهتها «بوضع الحركة في الفكر مثل ما أنّ السينما كانت تضعها في الصورة» (محادثات ص 82). بين الفلسفة والسينما إذن، كما بين الفلسفة والعلوم أو بين الفلسفة والفنون أو بين الفنون فيما بينها، ثمّة دوماً استقلالية في العناصر والأدوات والتقنيات. ولكن ثمّة أيضاً تفاوتات: «إنّ الصلة بين الفلسفة والسينما هي من صلة الصورة بالمفهوم. لكن هناك في المفهوم ذاته صلة بالصورة كما أنّ في الصورة صلة بالمفهوم: مثلا لقد أرادت السينما دوماً صورة للفكر وميكانيزمات للتفكير. وليست بسبب ذلك مجرّدة، بل العكس هو الصحيح» (المصدر نفسه.)

صورة الفكر، ذاك هو إذن المشغل الفلسفيّ الأساسيّ عند دولوز وذاك هو ما يحرّكه إلى لقاء السينما.

تقويض الصورة الدوغمائية

يسعى دولوز لتقويض ما يسمّيه الصورة الدوغمائية للفكر باعتبارها قائمة على التمثل والهوية والتناظر، ومن ثمّة معطلة للفكر عن كلّ خرق وعن إبداع معانٍ وقيم جديدة. إنّ التسليم بكون الفكر هو الممارسة الطبيعية لملَكة هو الافتراض الأكثر رسوخاً للفكر الفلسفي قبل نيتشه، والعائق الأكبر الذي يحول بين الفيلسوف وارتياد أرض مجهولة بكر يُنبت من بوارها نجماً مفهومياً جديداً:«إنّ للفكر المفهومي الفلسفي مفترضاً مضمراً هو صورة للفكر ما قبل فلسفية وطبيعية مستعارة من العنصر المحض للحسّ  المشترك. حسب هذه الصورة (الدوغمائية والأرثوذوكسية) يكون الفكر في تناغم مع الحقّ  وهو يمتلك الحق صورياً ويريد الحق مادياً» (الفرق والمعاودة، ص72).

هذه الصورة التي ينتظم على قاعدتها المفترضة مفهوم المعرفة ذاته، قائمة على عدد من المصادرات التي يعدّدها دولوز في «نيتشه والفلسفة» ليستعيدها على نحو أكثر تفصيلاً في «الفرق والمعاودة». لن نحفل هنا بعرض هذه المصادرات الثماني كما أوردها دولوز، لأنّ ما يهمّنا على وجه التحديد هو بيان مضرّتها بالفكر الفلسفي من موقع فلسفة مبدعة للفرق، وخصوصاً أصدائها البعدية في المنطق أو النوولوجيا (نظرية الفكر) والإستيتيقا الدولوزيَّتين.

إنّ أهم ما يأخذه دولوز على الصورة الكلاسيكية للفكر هو إذن كونها تفكّرية وتمثّلية وتعرّفية. أي أنها تفترض على نحو لا فلسفيّ بالمرة كون فعل التفكير هو فعل ذات متقومة في ذاتها، منسجمة طبيعياً مع ذاتها، ومزوّدة بمستطاع أصليّ لتَفكّرِ تلك الذات نقيّة من كلّ ما هو غيرها، ومن ثمّة للتعرّف على ذلك المغاير لها باعتباره موضوع معرفة وتعقل. وتتأتى كارثية هذه الصورة الدوغمائية للفكر على الفلسفة أوّلاً، من كونها تتأسّس على إسناد الأهمية لوقائع تافهة وغير ذات جدارة (مثل أن يكون الذي بادلني تحية الصباح هو تياتيتوس وليس تيودور) وثانياً، وهو الأهمّ، من أنّ التفكير حسب الصورة المكرّسة هو تفكير مسالم لا يضرّ ولا يضير أحداً، وبالتالي لا يعدو أن يكون تبريراً للقائم والسائد ومباركة خجولة للسلطات القائمة معرفياً ودينياً وسياسياً وأخلاقياً.

على النقيض من هذه الصورة المكرّسة يتراءى الفكر لدولوز باعتباره فعلاً ولا ككلّ  فعل. إنه فعل التقحم والخرق والخلع والعنف: «ما هو أوّلٌ  في الفكر هو الخلع والعنف. إنّه العدو. لا شيء يفترض الفلسفة وكلّ شيء ينطلق من ميزوسوفيا (كراهية الحكمة). إنّ شروط نقد حق وإبداع حق هي ذاتها: تقويض صورة فكر تفترض ذاتها وتسول فعل التفكير في الفكر ذاته» (الفرق والمعاودة، ص ص 181-182).

ليس الفكر نابعاً إذن من ذاتية أو من جوانية تتقابل مع برانية ما، وإنما هو وليد لقاء عنيف ووليد قوى الخارج التي تدفع إلى التفكير المبدع. هذا العنف كان دولوز قد شخّصه منذ بروست والسمات من خلال نقض أطروحة تلقائية الفكر والتفكير، وبيان أنّ ما يحرّكنا إلى البحث عن الحقيقة هو العنف الذي تسلّطه علينا قوى العالم، معبّراً عنها من خلال السمات الأربع التي يصنّفها بروست في صلة وثيقة ببنى الزمن الأربع، والتي تجد تحقّقها الأقصى في السمات التي من الصنف الرابع أي سمات الفنّ، وفي البنية الرابعة للزمان أي الزمن المستعاد. إنّ ما يحمل على التفكير هو في الوقت ذاته ما يكون مُحَساً (وليس مجرد محسوس) وما يهيج النفس ويدفعها إلى طرح مشكل وما يخرج كل ملكة عن طورها.

لماذا السينما؟

ما الذي يعطي للصورة السينمائية منزلة أساسية ضمن هذا التجاوز الدولوزي للصورة الدوغمائية للفكر؟ للإجابة عن هذا السؤال يحدّد دولوز قبل كلّ شيء علاقة السينما بالفنون الأخرى ومنزلتها ضمنها انطلاقاً من خصوصية الصورة السينمائية. فالصورة السينمائية، باعتبارها أوتوماتيكية، تنشئ الحركة ذاتياً. في حين أن الصور التشكيلية ثابتة. أما الصور الكوريغرافية فتبقى متصلة بمتحرّكات (أجساد الراقصين): «لا تتحقق الماهية الفنية للصورة إلا عندما تصبح الحركة أوتوماتيكية: إحداث صدمة في الفكر، لمس الجهاز العصبي والدماغي على نحو مباشر» (الصورة-الزمان، ص 203).

عبر جمعها بين كل هذه الخصائص والميزات تحوصل الصورة السينمائية الأساسيّ في الفنون الأخرى: «ترثها وتشكّل ضرباً من كيفية استعمال الصور الأخرى، إنها تحوّل إلى قوّة ما كان مجرّد إمكان»(المصدر نفسه).

تكمن الخصلة الأساسية للصورة السينمائية في كونها توقظ فينا ما يسمّيه إيلي فور «آليا فكريا»(un»automate spirituel«). «لم يعد الآليّ الفكريّ  يشير، كما كان الشأن في الفلسفة الكلاسيكية، إلى الإمكان المنطقيّ أو المجرّد لاستنتاج الأفكار بعضها من بعض، وإنما الدورة التي تدخل ضمنها مع الصورة – الحركة. إنها القوة المشتركة لما يحمل على التفكير ولما يفكّر تحت تأثير الصدمة العصبية (noochoc)». من ثمة جاءت الأهمية القصوى لمفهوم الصورة – الكريستال ضمن الكتابة الدولوزية في السينما:«لم يكن الغرض الذي أملت تحقيقه من خلال كتابيّ عن السينما تفكّراً في السينما، بل كان غرضاً أكثر عمليّة: تناسل كريستالات الزمان. إنها عملية تحدث في السينما، ولكن أيضاً في الفنون وفي العلوم وفي الفلسفة»(محادثات، ص 95). وهذا الغرض يتكامل مع إنجاز «تاكسينوميا» يحتل ضمنه مفهوم السِّمة منزلة فاعلة:«ما يهمني هو اختصاص على قدر من الخصوصية، التاكسينوميا، بما هي تصنيف للتصنيفات، والتي على عكس الألسنية لا يمكنها التغاضي عن مفهوم السِّمة» (المصدر نفسه).

من ثمة أيضاً جاء النقد الدولوزي اللاذع للإنتاج السينمائي التجاري (الهوليودي بالخصوص) الذي ينخرط، بوعي أو بدونه، ضمن الماكنة الرأسمالية المهيمنة. فالمعيار الإستيتيقي الأساسي لتقويم الإبداعية السينمائية يحيل إلى ابتكار دورات دماغية جديدة. ولذلك فإن التقابل الأساسي الذي يخترق الإستيتيقا السينمائية الدولوزية هو بين المؤلفين (أو المفكرين) السينمائيين وبين معظم الإنتاج السينمائي التجاري «المٌبَهِّم». ذلك أن غالبية الإنتاج السينمائي «بما فيها من عنف اعتباطي ومن إيروتيقية مبتذلة تؤشّر على ترهّل للمخيخ وليس على ابتكار لدورات دماغية جديدة» (نفسه، ص 86). وعلى النقيض من ذلك فإن الإبداع السينمائي الحق، بتجريبيته المدفوعة إلى أقصى ممكناتها وبخوضه المرعب لتجربة الفكر بما تحمله من أخطار، هو بالضرورة فعل مقاومة: «أية علاقة بين الأثر الفني والتواصل؟ ليس ثمّة من علاقة. لا شأن للأثر الفني بالتواصل. لا يتضمن الأثر الفني أي خبر على الإطلاق. وعلى العكس من ذلك فإن هناك وشيجة أساسية بين الأثر الفني وفعل المقاومة»، ( نظامان للمجانين، ص 300).

لكن ما الذي ينشده الأثر الفني (سينمائياً كان أم أدبياً أم تشكيلياً)؟ إنه ينشد «شعباً مقبلاً»، شعباً مفتقداً حتى الآن على حسب عبارة بول كلي: «أية صلة بين نضال الناس وبين الأثر الفني؟ إنها الصلة الأشد توطّداً والأشد غموضاً في نظري. إنه على وجه الدقة ما أراد بول كلي التعبير عنه لمّا قال:«تعلمون، الشعب مفتقد». الشعب مفتقد وغير مفتقد في الآن ذاته. الشعب، هذا يعني أن هذه الوشيجة الأساسية بين الأثر الفني وبين شعب لم يوجد بعد، لا يمكنها أن تكون واضحة أبداً. ما من أثر فني لا ينشد شعباً لم يوجد بعد»، (نفسه، ص302).

ممارسة جديدة للصور

السينما ذاتها ممارسة جديدة للصور وللسمات ينبغي على الفلسفة أن تنشئ لها نظرية باعتبارها ممارسة مفهومية. لأنّ أي تحديد تقني أو تطبيقي (على غرار التحليل النفسي أو الألسنية) أو تفكّري لا يكفي لتشكيل مفاهيم السينما ذاتها».

أصالة العنف

يتراءى الفكر لدولوز باعتباره فعلاً ليس ككلّ  فعل. إنه فعل التقحم والخرق والخلع والعنف: «ما هو أوّلٌ  في الفكر هو الخلع والعنف. إنّه العدو. لا شيء يفترض الفلسفة وكلّ  شيء ينطلق من ميزوسوفيا (كراهية الحكمة). إنّ شروط نقد حق وإبداع حق هي ذاتها: تقويض صورة فكر تفترض ذاتها وتسول فعل التفكير في الفكر ذاته.

نقد السينما التجارية

جاء النقد الدولوزي اللاذع للإنتاج السينمائي التجاري (الهوليودي بالخصوص) لكونه ينخرط، بوعي أو بدونه، ضمن الماكنة الرأسمالية المهيمنة. فالمعيار الاستيتيقي الأساسي لتقويم الإبداعية السينمائية يحيل إلى ابتكار دورات دماغية جديدة. ولذلك فإن التقابل الأساسي الذي يخترق الاستيتيقا السينمائية الدولوزية هو بين المؤلفين (أو المفكرين) السينمائيين وبين معظم الإنتاج السينمائي التجاري «المبَهِّم». ذلك أن غالبية الإنتاج السينمائي «بما فيها من عنف اعتباطي ومن إيروتيقية مبتذلة تؤشّر على ترهّل للمخيخ وليس على ابتكار لدورات دماغية جديدة». وعلى النقيض من ذلك، فإن الإبداع السينمائي الحق، بتجريبيته المدفوعة إلى أقصى ممكناتها وبخوضه المرعب لتجربة الفكر بما تحمله من أخطار، هو بالضرورة فعل مقاومة.
_________
*الاتحاد الثقافي

شاهد أيضاً

النفي المنهجي أو عدمية نيتشه

خاص- ثقافات *سيومي خليل يتحدث الفيلسوف الوجودي والكاتب المسرحي الفرنسي-الجزائري ألبير كامو عن الفيسلوف فريدريك …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *