الرئيسية / خبر رئيسي / العرفان وحياتنا المعاصرة (2)

العرفان وحياتنا المعاصرة (2)

    *لطفية الدليمي

 

                      العرفان والسايكولوجيا البشرية

 

   ربما سمع الكثيرون منّا بعبارة مثيرة للدهشة والاستغراب تنطوي على توصيف نتوق جميعنا  إليه ونحلم ببلوغه ونسعى متخبطين للفوز به  : أسعد إنسان في العالم . هذه العبارة هي عنوان المجموعة الشعرية الأخيرة التي نشرها الشاعر الراحل ( كزار حنتوش )  ؛ غير أنني أعني بهذه العبارة توصيفاً أطلق على رجل يعيش على سطح كوكبنا وترى فيه الدراسات الإكلينيكية فرداً جديرا بنيل وصف ( أسعد إنسان في العالم ) . يدعى هذا الرجل ( ماثيو ريكار  Matthieu Ricard ) وهو راهب بوذي كان في الأصل عالماً في الوراثة الجزيئية أراد ان يختبر شكلاً من الحياة العرفانية التأملية فانخرط في الحياة البوذية .

   نقرأ في السيرة الذاتية لماثيو ريكار ( أنه كان موضوعاً لإشكالية شغلت بال عالم الأعصاب ريتشارد ديفيدسون الذي لطالما شغلته أسئلة محيرة عن اختلاف مقدرة الأفراد على مواجهة الاحداث التراجيدية في حياتهم ، وإمكانية اكتساب المرونة وتعلمها للصمود أمام المآسي التي قد تسرق السعادة وتزيد من صعوبة الواقع المُعاش ، وبناءً على هذه القناعة وبتشجيع من زعيم التبت الروحي الدالاي لاما نفسه ، جلب ريتشارد سنة 2008 لمختبر التصوير الدماغي والسلوكي بجامعة ويسكونسن / ماديسون ثمانية نُسّاك بوذيين ( بضمنهم ماثيو ريكار ) وهم من الذين أمضوا ما يقارب الأربع وثلاثين ألف ساعة في التدريبات الذهنية خلال حياتهم ، وكان الهدف بسيطاً وهو إخضاعهم لاختبار التصوير بالرنين المغناطيسي MRI وآخر للرسم الكهربائي EEG في حالتين ذهنيتين مختلفتين للكشف عن شكل أنشطة الدماغ خلالها. ما لاحظه ريتشارد عند ماثيو ريكار كان مفاجئاً ومُبهجا في الوقت ذاته ؛ فقد وجد أخيراً أجوبة لأسئلته المُحيرة بعدما أظهرت الإختبارات إرتفاعاً لتذبذبات موجات غاما في الدماغ أثناء ممارسة ماثيو التأمل ، وهي مؤشر على وجود عامل المرونة الدماغية ، أي بمعنى آخر القدرة على التغيّر الإيجابي والتكيف الذهني ، ومعلوم أنّ موجات غاما الدماغية معروفة علمياً بارتباطها بالنشاط العقلي المتزايد ، والقدرة على معالجة المعلومات بطريقة أكثر كفاءة ، ويذهب العلم المتخصص لأبعد من ذلك عندما يؤكّد أن تلك الموجات الدماغية النشيطة مسؤولة عن تحقيق نسب عالية من التوازن العاطفي والقدرة على إدارة المشاعر . أعلن ريتشارد وزملاؤه في ختام تلك السلسلة من التجارب الإكلينيكية أن ( ماثيو ريكار ) الفرنسي خبير علم الوراثة الجزيئي الذي ترك حياته ليجرب نمط عيش مُختلف بجبال الهملايا هو أسعد إنسان في العالم …… ) .

   نشر ( ماثيو ريكار ) العديد من الكتب التي تتناول معظمها موضوعة السعادة والتفكير الإيجابي والروح الإيثارية ، وركّز في جميع كتبه على أن السعادة مهارة يمكن إكتسابها بالمران والتدريب مثل أي حقل معرفيّ ، ويقول ريكار في هذا الشأن : ( التأمل بشكل يومي لمدة خمسة عشر دقيقة أو أقلّ هو بمثابة التمرين العضلي للدماغ ، وهو ليس كما يظنه البعض شكلاً من أشكال الاسترخاء للتخلص من الضغوطات ؛ إنما هو مفهوم واسع وفنّ قديم له مدارس كبرى ، وهو أيضاً علم له تقنياته المتعددة وثمة إثباتات علمية تؤكد أن ممارسة التأمل من شأنه تغيير كيمياء المخ وتحسين وظائفه المعرفية ... ) . أودّ هنا الإشارة على وجه التخصيص إلى الكتاب المُعنون ( الراهب والفيلسوف The monk and the Philosopher ) المنشور باللغة الإنكليزية عام 1999 وهو في الأساس مناقشة حوارية رائعة بين ماثيو ريكار والفيلسوف  ( جان فرانسوا ريفيل ) الذي توفّي عام 2006 ؛ إذ نجد في الكتاب تفاصيل مثيرة عن معنى الحياة والقيمة الجوهرية لبعض المفاهيم المغفلة والمهمّشة في حياتنا المعاصرة .

    هناك الكثير ممّا يمكن تعلّمه من التفاصيل السابقة : ترى السايكولوجيا في كلّ مباحثها ( سواء الفرويدية أم المدارس السايكولوجية اللاحقة لها ) أن أساس الإعتلالات السايكولوجية هو الحالة الصراعية المحتّمة بين الفرد وعالمه الخارجي ، وأن تلك الحالة الصراعية لايمكن تفاديها بل يمكن إدارتها بما يقلّل من تأثيراتها السلبية المؤذية ؛ في حين أن العرفان ( وهو النظير المشرقي لمفردة التأمل ) لايرى في السايكولوجيا الجيدة محض إدارة للصراع الفردي تسعى لتصغير الخسائر الحتمية ، بل هو يرى في تلك السايكولوجيا إمكانية مبدئية يمكن من خلالها تسفيه مفهوم ( الوجود القائم على فكرة الصراع الجوهري ) الذي يقود لنواتج مؤذية ، والأمر كلّه موكول لنوازع الفرد وتدريبه على إكتساب المهارات الأساسية بوسائل تختلف جوهرياً عن طرق التعليم التقليدية ؛ فنحن هنا إزاء كنوز ذاتية خبيئة لايمكن الوصول إليها من خلال أنماط تعليم جمعية قياسية بل من خلال تفعيل آليات ميتافيزيقية تختلف مع كلّ فرد .

    لم يكن التأمّل بالنسبة لماثيو ريكار عاملاً مؤثراً في خلق حياته المُتوازنة وإستجلاب السعادة فحسب ؛ بل ثمة دروس مستقاة من هذه التجربة يتشاركها ريكار مع التجربة العرفانية المشرقية ، وقد سرد ريكار في سياق كلامه عن سيرته الذاتية بعضاً من تلك الدروس العرفانية الثمينة :

  • السعادة هي نمط حياة ووجود ، وهي حالة تمثّلٍ ذهنيّ في المقام الأول وليست سعياً لتحقيق مالا نهاية له من الأهداف والتجارب .

  • الجهل هو المسبّب الرئيسي لعدم تحقق السعادة ؛ فهي مهارة يمكن تعلّمها وإكتسابها وإدامتها : إذا كنت قادراً على تعلم المشي وركوب الدراجة فأنت قادر في الوقت ذاته على تعلم تقنيات السعادة .

  • أول خطوة نحو سعادتك هي أن تدرك أنك بحاجة لأن تغادر  أنويتك ، وبأن الكون ليس لك وحدك ولن يستجيب لرغباتك ونزواتك متى وكيفما أردت .

  • الوعي والإدراك التام لمصدر المشاعر والإنفعالات السلبية كالغضب والتذمر الدائم يمنحك مناعة عاطفية وقدرة على احتواء ذاتك .

  • لن تكون سعيداً حقاً حتى تتخلص من سموم الفكر ، مثل : الكراهية ، الخوف الهوسي ، الحسد ، الغيرة والكبرياء ،،،،،   والتأمل المقترن بأية تجربة عرفانية ماهو إلا ممارسة ذهنية تعزز القيم الإيجابية كالمسامحة والتعاطف .

  • السعادة الحقيقية إختيار إنساني حر لايرتبط بالعوامل الخارجية كما نظن دائماً ، وتحقّق السعادة لاينفي وجود نقائضها كالتعاسة ؛ لأن الكينونة البشرية والكون بأكمله قائم على مبدأ القطبية الثنائية لاالقطب الأوحد المكتفي بذاته رغم أنني شخصياً لاأثق بمبدأ القطبية الثنائية التي يقول بها ريكار  بل اؤمن بتعدد  الأقطاب وتنوعها .

 _________
*المدى 

 

 

شاهد أيضاً

فيروز عصفورة تائهة بين الشمس والشرق

*أحمد شوقي علي مع اقتراب ذكرى ميلاد أو رحيل أحد المبدعين المؤثرين، ثمة صحافي يمد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *