الرئيسية / مقالات / ثقافتنا الوطنيّة لا بواكيَ لها

ثقافتنا الوطنيّة لا بواكيَ لها

*إبراهيم العجلوني

لا في مناهج التربية والتعليم، ولا في المناهج الجامعية، ولا في مبادئ المؤسسات والروابط والجمعيات وأهدافها، بدءاً بوزارة الثقافة وانتهاءً بآخر مؤسسة تمت الموافقة عليها، ولا حتى في خطاب الإعلام الحكومي – نستثني من ذلك الإذاعة الأردنية – تجدُ ذلك الحضور الذي ينبغي أن يكون لثقافتنا الوطنيّة الأُردنية، في أُصولها الحَضاريّة، وأبعادها الفكريّة والقيميّة والسياسية.

إن هذا لَنَقْصٌ خطير طالما نبّهنا إليه ودعونا إلى تلافيه، وإن مما نذكّره من مدخور التجارب أن خطّةً ثقافية شاملة قُدّمت إلى الصديق الدكتور عوض خليفات، أيام كان وزيراً للتعليم العالي، تضمنت بنوداً شتّى تتعلق بهذا المطلب الوطني، منها إقرارُ مادّة ‘الثقافة الوطنية’ متطلباً جامعياً رئيساً في الجامعات الأردنية، وإن من طرائف ما تعلق بهذه الخطّة أن لجنة خاصّة قد شُكّلت للنظر في هذه المسألة، أذكر من أعضائها الدكتور أحمد الحسبان والدكتور سحبان خليفات رحمهما الله والدكتور فايز الربيع والسيدة منى شقير والدكتور ابراهيم بدران، وأن هذه اللجنة التي شَرفت بأن أكون أحد أعضائها، وكنت آنذاك مستشاراً في الوزارة، قد ظلت تبحث في ثوابت الثقافة الوطنية المراد تدريسها وفي أبعادها قرابة عام كامل، ثمّ انتهى الأمر في حدود ما أعلم، إلى أن تُطوى الأوراق والبنود دون تحقيق الهدف المنشود.

إنّ مما لا ريب فيه أن أبناء شعبنا، ولا سيما الأجيال الجديدة، عُرضة لحشود من الخطابات والنفاقات وأنماط السلوك تأتيهم عبر مئات الفضائيات ووسائل الاتصال، وأنّهم بسبب ذلك؛ في غير مأمنٍ من أن تجتالهم هذه الجواذبُ عن وعي الذات والسمات، وأن تدفعهم إلى العدميّة والذهول، وإلى أن يكونوا – في وعيهم الغضّ – نهباً لأصحاب الدعوات المتطرّفة أو أصحاب الممارسات الأخلاقية الهابطة، وهي مسألة من فوادح الهموم ينبغي مواجهتها بأعلى درجات الشعور بالمسؤولية ومن أعلى مراكز القرار في البلاد.

ولقد يكون مفيداً التذكيرُ هنا بضرورة تشكيل ‘مجلس ثقافي أعلى’ يتولى وضع خطّة شاملة للتحصين القيمي والفكري في الأردن تقومُ على أساس معرفيّ وأخلاقي مكين، وعلى أصالة متجذّرة، وعلى تراحب في النّظر وسماحة في الروح، وكُلُّ ذلكَ مَنوطٌ بفهم حقيقي للدين وللثقافة وللحضارة. وتلك هي المهمّة التي تغفلُ عنها، منطلقاتٍ وأهدافاً، معظم مؤسساتنا التربويّة والتعليمية والثقافية، حتى أصبحت ثقافتنا الوطنية لا بواكيَ لها حقّاً، وصار لِزاماً استنهاض الهمم لدفع هذه ‘الحال المائلة’ بفعل ثقافيّ استثنائي نستدرك به ما فات، ونؤسس لما هو آت ونبرأ إلى ضميرنا الوطني من كل تقصير وتخسير.

ولقد يقوم في الذهن أن ثمّة محاولةً سابقة لتشكيل مجلس أعلى للثقافة في الأردن، وأن هذه المحاولة أخفقت اخفاقاً ذريعاً ثمّ غدت ذكرى للذاكرين، ولقد يعود بعضُنا بأسباب هذا الاخفاق إلى غياب الأُسس ‘الثقافية’ لهذا التشكيل أو إلى غلبة ‘المحاصصة’ التي تحكم خياراتِ المسؤولين في بلادنا، أو إلى غياب التصور الشامل الذي يحيط بأبعاد الثقافة الوطنية، وهي أسباب مجتمعة متداخلة تنوء مفاتح معالجتها بالعُصبة أولي القوّة من الغَيارى والمصلحين.

على أنّنا لا نستيئسُ من امكان الاصلاح على كثرة المفسدين، ولا نزال ننطوي على رؤية واضحة في هذا الشأن الوطني بالغ الخطورة، ونعتقد أن التغافل عنه يبلغ أن يكون تقصيراً بالغاً أو قصوراً غير مغتَفَرٍ بحال.
أما حيثياتُ هذه الحال التي تستوجب منا ذلك ‘الغضب النبيل’ الذي هو مهماز كل اصلاح؛ فهي كثيرة كثرة مفرعة، وتتنازعُ كبْرها مؤسسات وأشخاص وهيئات، وتوشك أن تتفاقم حتى تؤول مدعاة إلى خراب الضمائر والألباب.

وإذا كان ما تقدّم إجمالاً أو مقدّمة عامة تكتفي برؤوس المسائل، فإنّ لها تفصيلاً كاشفاً وحديثاً مستأنفاً. والصبر جميل في كلّ حال.
_________
*عمون

شاهد أيضاً

كيف نبدع دخولا أدبيا عربيًا صحيحًا؟

*واسيني الأعرج كل دخول أدبي في فرنسا، وفي العالم المتقدم أيضًا، هو بالضرورة حدث ثقافي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *