الرئيسية / إضاءات / الإنسان الافتراضي .. تقنية الزمن القريب

الإنسان الافتراضي .. تقنية الزمن القريب

خاص- ثقافات

*زيد الشهيد

في سبعينات القرن الماضي يوم كنت شاباً لم أتجاوز العشرين عمراً  كنتُ مِمَّن يتابع بشغف مجلة ” طبيبك ” الشهرية التي كان يصدرها الدكتور صبري قباني من دمشق ، ورغم كونها مجلة طبية تتناول موضوعة التثقيف الصحي إلا أنها كانت تحوي عدداً من الابواب التي اهمها يعرض جديد المخترعات العلمية والتطلعات الحداثية في صنع ما يخدم البشر سواء في التثقيف الصحي او متطلبات العلاج او تسريع الاتصالات الانسانية . وأذكر أن خبراً ما تحدث عن رؤية خبراء الاتصالات في التواصل البشري بعد ثلاثين عاماً ، والخبر يشير إلى أن جهاز الهاتف سيحوي شاشةً تعرض صورة المتصّل . أي بإمكان المتَّصلَين ان يريا احدهما الآخر . غير أنَّ  المفارقة التي تضمنها الخبر هو عرض صورة التنبؤ القادم  الذي كان حسب تصميم ذلك الوقت : جهاز هاتف عادي بالقاعدة والسمّاعة وفي القاعدة تتمثل شاشة مربعة هي التي تتولى عرض صورة المتصل … فهل تحقق ذلك وفق رؤية المتنبئين ؟
الواقع أخبرنا بغير هذا ..
إذ الذي حصل بعد ثلاثين من الاعوام أن جهاز الهاتف تضاءل حجمُه ليكون بحجم نصف كف ؛ وأن هذا الجهاز يتكوَّن من قطعةٍ واحدة وليست قطعتين كما هو الجهاز القديم الذي ظنَّ المتنبئون أن سيستمر بحجمه المعهود لذينك العقود .


واذا كان شغفَ فرد تلك الحقبة لرؤيةِ هاتفٍ يقرّب المسافات الصورية بين انسانٍ وآخر كانجاز علمي يستدعي السرور والانشراح فإنَّ فردَ ابتداءات القرن الواحد والعشرين ساوره القلق من المتغيرات الهائلة السرعة ، تلك التي شرعت العولمة في احداثها مسببة تغيِّر نمط حياته وجعله في حركة انتقالية حضارية غير مستقرة ، ما أن يتلقى ارهاصاتها ووجودها المتشكل الحديث حتى تواجهه انتقالة اخرى تحتم عليه تقبلها وتقمص مفاهيمها ومحتوياتها قبل أن تلوح له او تداهمه انتقالة ثالثة … وهكذا . لقد استجدت اعرافٌ وتمثلت قوانين استدعتها التحولات الماثلة التي فرضت وجودها الحتمي على الانسان ودعت إلى استنباطات جديدة غير مألوفة .

تسارع التقنية في انتاج ما يخدم الانسان

لا شكَّ أنَّ الشركات التي هي من محرِّكات عجلة العولمة وعمادِها تسعى في حثيث العمل والانتاج قصد الربح ؛ غير هذا الربح لا يأتي منعزلاً عمّا تقدمه هذه الشركات من خدمات لزبائنها الاصلاء والمحتملين . والمنفعة في كل عملٍ تجاري او ااقتصادي أو ثقافي وأعمالٍ أخرى لا بدَّ أن تكون تبادلية رُغم التجاوز النسبي في الربح والخسارة . ولقد جاء تسارع التقنية وحداثتها ليكون صفحةً من صفحات اختزال الزمن بالاستفادة منه والتقليل من هدره . ففي الوقت الذي كان عقد الصفقات على سبيل المثال يتم عن طريق التعامل وجهاً لوجه بين مروّجٍ للسلعة  يحاول بمهارته الفردية ولباقته أن يكسب  مستهلكاً وبين هذا المستهلك الذي يريد معرفة مواصفات السلعة التي يبغي اقتنائها اصبح عقد الصفقات وابرامها بعد الاتصالات الفورية والخدمات الهائلة التي تقدمها الانترنيت في شتى المجالات الصورية الثابتة والمتحركة ودفق المعلومات التي لا تعرف التوقف يتخذ منحى التراسل فتنتفي حالة التلاقي  ويظهر زمن التجارة الالكترونية  وتنخفض بنسبة كبيرة التكلفة التي تتطلبها حالة التعامل وجهاً لوجه وتصبح اجور المراسلات الالكترونية زهيدة لا تستحق الذكر . ويصبح الانسان الذي وضع لنفسه برنامجاً للحياة مقسمة على أساس العمل بساعاته الطويلة والراحة والاسترخاء بالزمن المحدود قادر على استثمار الوقت الذي يقضيه في عملية التسوق  فيضيفه بفضل الحصول على حاجات تسوقه وهو جالس في بيته دون تجشم عناء الخروج إلى محلات التسوق وأماكنها . ” وأذا ما فكّرنا في كم ما يضيّعه الانسان من وقت للقيام باعمال التسوق سنجد ما لا نهاية له من قوائم بنود البقالة البقالة والملابس ، ولوازم الحدائق والمنزل . ” على حد قول فرانك كيلش (*)  الذي يضيف : ”  أن الأمر لا يقتصر على مجرد التسوق فقط . فالوصول إلى المتجر المناسب هو الذي يلتهم الوقت . وأحيانا يستغرق الوصول إلى المتجر وقتاً أطول بكثير من التسوق نفسه للحصول على بندٍ بعينه . وإذا كان ذلك بنداً ضخماً كثلاجة أو موقد أو أثاث فمن المعهود أن يطوف المرء بعدة ( أو كثير من المتاجر ) قبل اتخاذه لقرار الشراء . ”

الانسان الافتراضي

ومن هنا .. وحيث نتوقف قليلاً لنرصد ونقيِّم نرى أنَّ ابتداءات القرن الواحد والعشرين أدخلتنا حقبة التسارع الهائل في انتاج المعلومات وانتقالها وتداولها ، وأوجدت لنا مستجدّات تسعى في مجمل تداولها إلى خدمة الانسان وتوفير متطلبات سعادته  . ومن هذه المستجدّات نزلت فكرة استحداث انسانٍ جديد يدخل في سلوكيته الانتاجية والعملية ما يمكن انتاجه وزرعه من تقنيات حديثة تسعى لجعله أكثر ذكاءً من الانسان العادي . وفي هذا المضمار يشير العالم الأميركي والخبير المتميز في الذكاء الصناعي ” راي كيرزويل ”  إلى ان الذكاء غير البيولوجي سيكون شائعا بحلول عام  2019، حيث سيتم حقن مجسات في أوردة وشرايين الانسان، وزراعة رقائق الكترونية دقيقة في بعض أعضائه، يمكن أن تؤدي وظائف المخ .” . وبهذا يمكن القول أن انساناً جديداً سيجد طريقه في عالم الذكاء المتميز حيث سيتولى مهاماً وأعمالاً فائقة الدقّة والذكاء  .
وقد ذهبت الرؤى والمطامح العلمية والانتاجية إلى أبعد من ذلك ؛ إلى خلق الانسان السوبر .. مخلوق يأتي من انتاج الصنع البشري ستلقى على عاتقه أداء الكثير من الواجبات التي سيغدو الانسان العادي غير قادرٍ على أدائها . ذلك أنَّ الانسان العادي سيؤدي الاعمال التي تناط به افتراضاً بكفاءةٍ أقل مما يؤديها ويقدمها الإنسان السوبر . وهذه مفارقة ستبدو غريبة علينا علينا بادي الأمر حيث كفاءة الانسان الآلي تفوق كفاءة الذي صنعه وقدّمه على قارعة الوجود ؛ لكنها مفارقة سنعتاد عليها وسنجد أن العصر الرقمي القادم سيأتي لنا بمعجزات تذهلنا لبعض الوقت ما تلبث أن تدخل دائرة الاعتياد والمألوفية .
هذا الانسان السوبر يمكن ان نطلق عليه  اسم  ” الانسان الافتراضي ” . إنّه نمط جديد من تقديم الخدمات وأداء الاعمال يتولاّها هذا المخلوق الآلي المزروع في بطون الاجهزة واحشائها والذي سيكون بمثابة الروح التي تمتلك كل مقومات تسيير المواقف والحالات تأسيساً على برمجة فذّة لها قدرة الاستجابة لمتطلبات الانسان الخدمية . والانسان الافتراضي هذا سيعيش العصر الرقمي مخلفاً العصر الصناعي باقطابه الثلاث : الرأسمال والمصنع والعامل . وهو ” الجواب عن العجز الذي يلاقيه الإنسان الحالي في مواكبة انفجار المعارف والعلوم من حوله ، بسبب ارتباطه بالعالم المادي، وحصر نفسه في الزمان والمكان . ” برأي د . محمد اسليم  . أي سيحل الانسان الافتراضي محل الانسان العادي ؛ ذلك أن الأخير سوف يجد نفسه عاجزاً عن ملاحقة السرعة الهائلة في عمل التقنيات التي تصنعها الشركات التي تتهافت الآن من أجل حرق المراحل للوصول إلى ما ينجز لها الربح عبر تحقيق ما تقدمه من خدمات  تيسّر للانسان حركته وتمنحه الطمأنينة والراحة التي هي في مجمل تعريفها السعادة . وفي المقابل تتكينن حالة من الارباك لدى المواطن من سرعة نزول التقنيات إلى الاسواق وتقديمها بوسائل دعائية مغيرة بحيث يندفع الفرد لاقتنائها بدافع حب الفضول من جهة وبجدوى الحصول على ما يريحه من جهةٍ أخرى  . بيد أن هذا سيتسبب في ارباكه ووقوفه عاجزاً في بعض الاحيان على التآلف والتكيف  مع المُقتنى  ، ما يستدعيه تركه والعودة إلى القديم  لمقدرته على استخدامه  . فعلى سبيل المثال نزل إلى الاسواق الآن جيل جديد من الحواسيب المحملة ببرامج دقيقة ذكية ، ومنها الموبايل الحامل الرقم المتتالي في صنعه حيث يتمتع هذا الجهاز بتقنية عالية منها استخدام الجهاز كحاسوب آلي واستخدامه لمشاهدة محطات التلفاز الفضائية وسماع راديو على ذبذبة الـ ( FM ). وقد وجد مَن اقتنى هذا الجهاز من الشباب المتحمسين لصرعات العلم والتقنيات البرامجية الحديثة صعوبة في التعامل معه مما جعل الكثير منهم يشعرون بالغثيان منه واضطر اغلب هؤلاء وأعرف الكثيرين منهم  إلى بيعه والعودة إلى الاجيال القديمة من نوع نوكيا هذا في مجتمعنا العراقي الذي هجمت عليه تقنيات العولمة هجوماً هائلاً بعد حرمان فضيع وتضييق قلَّ نظيره  . أما في المجتمعات المتحضرة التي تنمو العولمة على سهوبها وبين ظهراني بيئتها فإنَّ واقعاً افتراضياً سيتشكّل يعيش فيه الانسان كما لوكان يعيش الواقع الحقيقي حيث تُهيأ له كل مستلزمات الحياة والفعل الافتراضي الذي يجعله يشعر أنه يعيش حياةً عادية تكسبه التجربة وتعرّفه على مجريات التصرف والسلوك والمحيط واتخاذ القرار والمشاهدات التي تكون مبهمة لديه عن هذا الجو أو ذاك سابقاً . وهو سعى جاد تسعى عديد الدول المتطورة في مجال التقنيات إلى اشراك مواطنيها في مشاريع تتوخى منها نقلهم إلى مرحلة تقنية علمية متطورة يكون فيها الانسان متهيئاً لتقبل التحولات السريعة . وهي تحولات ستسخّر لصالحه بالتأكيد فلا يعود الكثير مما كان يشغل الانسان ويسبب القلق والارتياب له تأثير ظاهر ومقلق . فالتقنيات المستحدثة التي تعمل الشركات المتخصصة على ابتكارها – وهي تعمل ليل نهار – ستكون عامل خلق ارباح لها  وسعادة وارتياح  له ، ولن تتوقف عملية التواصل البحثي إذ هناك المختبرات التي يعمل داخلها نخبة من العلماء الذين هم في واقع الحال يعملون على خدمة الانسانية منطلقين من مشاعر نبيلة تتوخى تقديم الافضل للانسان وانتشاله من حالات كثير من الامراض العضوية التي قد تلعب الوراثة دوراً كبيراً في تحصيلها مثلما تتسبب البيئة في  حصول مثل هذه الامراض او تلك الاعاقات .  وتشير التقارير إلى أن الانسان الافتراضي قد يدخل في سلوكيته الانتاجية والعملية ما يمكن انتاجه وزرعه من تقنيات حديثة تسعى لجعله اكثر ذكاءً من الانسان العادي ..
وفي جانب آخر سيتحقق وجود الانسان الافتراضي كصورةٍ نشاهدها يومياً كان يؤديها الانسان العادي آخذةً دوره التقليدي حيث سيحل محل ” المذيعين والمذيعات الحقيقيين، بشخصيات محركة بالكمبيوتر.” وسيتولّى هؤلاء أداءاً فائق النجاح بلا اخطاء لغوية ولا هفوات قرائية فتطيح بهيبة وهيمنة المذيعين علينا نحن كمشاهدين منشدّين بكل احاسيسنا وانظارنا إلى ما يقولونه وما يؤدّون . ولن يقتصر دور هذا الانسان على هذا الافق المحدود انما سيتعداه لجوانب شاملة من الحياة اليومية . فعلى صعيد الطاقة مثلاً لن تقض شركات الكهرباء مضجعنا بأن تبعث لنا فاتورة الصرف لأجل تسديدها فقط ، بل ستبعث لنا قائمة باستهلاكات كل جهاز كهربائي داخل منزلنا وتعليمات بكيفية التقليل من الاستهلاك مما يستدعينا التقنين في الاستخدام من خلال معرفة كمية وقيمة الاستهلاك .(*) . وبفضل خلق الانسان الافتراضي المبرمج بمعلومات مقننة يكون بالمقدور  الدخول على أجهزة البيت حتى وإن كنا في سيارة خاصة تنقلنا بعيداً أو كنا جالسين في مقهى او ميدان عمل فمن خلال جهازه النقال المُغذى بعقلية انسان افتراضي الاتصال ومعرفة عمل الاجهزة وتشغيلها أو اطفائها أوالتحكم بالانارة فيها . (**) . إنّه إذاً يخترق الزمان اوالمكان متجاوزاً على الانسان العادي الذي يحدده هذان البعدان ويتحكمان في حركته وتفكيره وصيرورته .
إننا إزاء تطور علمي بحثي مهول لا يعتمد الوقوف في منتصف المسافة الحضارية لنرى ما يحصل وكيف يحصل . بل اللحاق وبأقصى ما نستطيع من سرعة كسب المعلومات واقتناء التقنيات ودخول ميدان البحث تساوقاً وتنسيقاً مع البؤر العلمية والمراكز التقنية في مختلف مناطق العالم لا أن نظل ننتظر  ما تجود به علينا البلدان المتحضرة فيكونون هم منتجين ونبقى نحن مستهلكين . وهذه معادلة غير منصفة لنا ومأساوية لأجيالنا القادمة التي ستديننا مستقبلاً مثلما ندين الآن اجدادنا لأنهم ظلوا يعمهون في أتون الجهل منتظرين ما تجود به السماء التي لا ترحم العاجزين والخاملين .
_______________

(*) أنظر :  ” ثورة الانفوميديا ” – د. فرانك كيلش – ترجمة حسام الدين زكريا – عالم المعرفة –  العدد  253 – ص334
(**) المصدر السابق

شاهد أيضاً

القدس ملهمة الشعراء والفنانين

*عواد علي تحتل مدينة القدس منزلة كبيرة في الوجدان العربي، بوصفها روح فلسطين وعاصمتها التاريخية، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *