الرئيسية / إضاءات / شكري بوترعة.. رحيل شاعر

شكري بوترعة.. رحيل شاعر

خاص- ثقافات

*بشرى بن فاطمة

رأى “الشمس تشرق من جهة اليأس”وخلود شعر تحدى “الموت ببلاغة العشب”

*مستوحشا مثل رقيم تقرأه الخرائب
أوزع البحر على السفن..
أوزع انشطاري على الجهات التي عضّها الملح
لم أكن في ذاك الرنين الذي يبزغ منه دم الهالكين
وكنت سجين المكان الذي لست فيه..

شكري بوترعة

فقدت الساحة الثقافية في تونس مؤخرا الشاعر شكري بوترعة الذي غيّبه المرض عن سن تناهز 57 سنة كانت عطاء شعريا وتنوعا حرفيا ومجازيا أثر في الحضور الأدبي التونسي والعربي فهو سليل عائلة تقرض الشعر وتراوغ الحرف إبداعا وصناعة جمالية تصل إلى أبعد مدى التعبير تميّزه لم يكن صدفة بل معايشة لكل ما ميّز جغرافيا الوطن التي أثّرت على تضاريس جسده وعمقت الجراح السرمدية حين فتحت مسام اللغة على ثقوب الذاكرة التي فجرها الراحل صورا ومجازات تفوّقت على الغموض المعتاد في الرمزية الشعرية بسلاسة المحاكاة، فشعره يعتبر ظاهرة في مدرسة الشعر الحديث في تونس والعالم العربي بشهادة شقيقته الشاعرة ضحى بو ترعة التي تقول “لم يكن شكري يدرك أنه يكتب أشياء تذهل عمق الدهشة إلا في سنة 2002، حين قرأت أوراقه المبعثرة التي كان يخط عليها خواطره ونصوصه التي داعبت خيال المجاز وأذهلتني، فنشرت له أحد النصوص في مواقع الكترونية عربية فكانت الدهشة التي تجاوزتني وغمرت شكري وخلقت شكري الشاعر بكل عنفوانه المروّض للحرف فكان يكتب ويكتب بتفرد وكبرياء رغم حرفيته لم يكن يحب الظهور ولم يركض أبدا وراء الاعلام ليكتب عنه كان يترك نصوصه وقصائده هي التي تحكي عنه وهي التي تثبت وجوده وبقاءه.. شكري لم يرث الشعر مني أو من خالي الشاعر التونسي الكبير عامر بوترعة، شكري خلق بصمته بأحاسيسه وصدقه وعزلته المختارة التي خلقت الفضول حوله واستفزت المتمرسين بالحرف ليكونوا منه أقرب ويتعلموا منه جرأة مصارعة اللغة والصور والمجاز وهو ما تعلمته منه بعد أن قدمته للساحة الشعرية التونسية والعربية تعلمت منه أساليب المجاز الخارق وأن أواجهها بكل ثقة في التعبير وأتمرد على خيانات اللغة فكانت طيّعة..”

يعتبره النقاد وكبار الشعراء أمثال قاسم حداد من البحرين وسعدي يوسف وجوتيار تمر من العراق من أبرز الشعراء الذين قدّموا للصورة الشعرية الحديثة في تونس أجمل ألوانها التي لامست فلسفة الوجود والواقع والتعبير السريالي في غموض الحلم صورة وموقفا في تحدي ماورائيات المجاز تأثّر به الكثيرون والكثيرات الذين انطلقوا منه شاعرا ليرتقوا شعراء وشاعرات فقد ألغى عنصر التردد في صناعة الصورة والخوف من ماورائياتها خصوصا بنقده للتجارب الشعرية النسائية السطحية والمحدودة الصورة في تونس وهو ما استفادت منه كثيرات حتى لو لم يذكر في الاعلام تأثيره فهو ظاهرة خلاقة، لأنه لم يتحدث الشعر بوصفه ترفا ولا بوصفه ضرورة بل هو حالة من حالات العشق الأبدي المعتّق التي خلّفت صورة الوطن المشتهى في مخيلة ثرية التوصيف عن كل حالاته التي عاصرها موقفا وحضورا وتعففا وتدفقا في المعنى الذي طالما رفض النفاق الشعري المبالغ في المديح ورفض الظهور المأجور وتعفّف عن القوالب الجاهزة للمناسبات المغلفة، فقد كان الحرف هواءه وانتماءه وكان مسكنه في بيت قصيدته التي جعلت الشعر خبزه اليومي في حياة جافة محفوفة بالتصعيد، فبين الموقف والحضور والتجلي والمشاعر كان يؤكد حرفيته المدهشة في صراع اللغة الممزوجة مع ثقافة كونية نادرة شكلت عنده تلك الصورة وبنت له مكانته الشعرية وحضوره الخالد رغم التغييب والغياب.

ترك الراحل رصيدا هاما من القصائد والرؤى النقدية منها ما طبع في دواوين هي “سونيتات لسيدة النهر”، “لاشي يجدي الآن”، “كاريزما”، “جنازة الأسلوب”، “ثمة موتى يستدرجون القيامة” ومنها ما ينتظر الولادة التي تعني الخلود في حضور اسمه مع كل حرف خطه، نال الراحل عدة جوائز أدبية منها جائزة ملتقى ابن منظور الأدبي، جائزة جرسيف للشعر بالمغرب سنة 2014، وجائزة مفدي زكريا للشعر المغاربي.

 أسميك ما يحدث فجأة ..
أسميك اختلاف الدود حول مسألة التراب
أسميك الذي لا يسمى
غربة الموت
قلق الجدار
غابة تغادر بلاغة العشب
و تدخل بلاغة البياض
أثوب إلى مائي يغسل الأرض من أدرانها
أثوب إلى سريري 
في الرحم المطمئن
أثوب إلي
حين أرى ترسانة حزنك
تعود من التخوم بلا ظلال
أنتظر غيابي من رصيف شيعته
إلى المترجلين علي
سالما
تثوب لي الأزمنة
حين تختلف على شكل الهلال
كم المكان الآن ؟
ضع فراغا بين حزنين
و رمم عليه جدار غربتك
الذي لا يحد
ضع ما تريد
قد تثوب لحماقة الجسد
إذ يموه على الموت
بأعياد الميلاد
فانفخ على الشموع 
سينكشف ما أخفى المعنى من صديد
يثوب إلى خلوتي الغزال الجريح
للأطفال لغتهم
في تفسير الدمية
و لدمي صوت يفسره الحديد
فهل حرك النهر الفراغ الذي يعلو للفراشة و ينزل ممتلأ 
….
بطقوسها
تغيرت في الذاكرة … تغيرت في الصمت و الصخب و
الانحناء
أنت في الوهم أجمل
تزورك بكامل زينتها الحقول
أنت في الوهم تلة تحتمي بها الوعول
أنت في الوهم حمامة تستجير بها الفخاخ
فاتركي الوهم يقول

 

*أعود مع الريح … حين تعود إلى أهلها

بعد قليل
تعود الرياح إلى أهلها
ونمضي إلى حتفنا مبتهجين
للخارطة الآن أن تقول الحقيقة 
و للمحكمة أن تعيد للقاتل 
إرث القتيل
بعد قليل  
يولمون للذئب ما تبقى من جثتي جالسة
و ما تبقى من جثتي واقفة
و ما تبقى من جثتي حالمة
و ما لم يتبق من جثتي
بعد قليل  
يهيئ النحل نفسه للدخان الموسمي
و يفر العسل إلى حاسة لا تعي

هل كان السراب مصيدة
العائدون من الديانات القديمة
إلى العصر الحجري الحديث
بعد قليل  
أفتح نافذتي لفراشة طائشة
ألم شمل الذئاب
و ما ضاع من جنسي
تحت سقوف الأنبياء
الجدد

 

 

*أرى موتي من علو

طال الوقت في الغرفة
التي يعدون فيها موتي و عرس الغريب
كنت وحدي في الممر الأخير
أمسح على قنديلي القديم
ربما يخرج لي السيد الجني
أقول له : إنني ضجر يا سيدي
أرتفع بي قليلا كي أرى موتي من علو
و أرى ما تخبئ سطوح الشهوات
و اللواتي ينجبن أطفالهن فوق قش الفجيعة
و تحت أنشوطة تتدلى
طال الوقت يا سيدي ….
فانظر من النافذة
لترى جثتي فوق مائدة الطعام
وأظافري معلقة على المشجب الدموي
و ذاكرتي تحت مرفق غاضب
إنني ضجر يا سيدي
لماذا يأتينا الدخان فجأة من رماد قديم
هل تسمع رنين دمي على الباب؟
هل كان أجلي ؟
أم أنهم حرفوا الغيب ؟
للوردة نهر يجري من أجلها
و بكارة النحل ….
هل تسمع صرير الروح
و هي تعيد تكوينها 

 

يقول عنه الأديب والشاعر وكاتب عام اتحاد الكتاب بتونس الأستاذ عادل الجريدي “هو شاعر غرّد خارج السرب واتخذ من هيكله بيتا للقصيد كان يقلب الأشياء وتعريفاتها على جمر حنينه لكونه في لحظة تجليه سلطانا يأمر فتطيع الصورة الشعرية الحديثة في أبهى متناقضاتها شكري بوترعة ورشعة شعرية بحالها مثل ناسك في مغارة قصية يهم بالحلول في ذات القصيدة فتخر اللغة صاغرة أمام طهارة رحه الشاعرة تجاهلته المهرجنات والملتقيات متجاهل بدوره وجهها الشاحب ليقيم أعراسه على وراقاته البكر متحررا من القوالب والأشكال فكان بمثابة المقام الذي يحجّ إليه الشعراء والشاعرات اللواتي استفدن من شطحاته الإبداعية وصغور التعريفات الجاثم على قلب النبض الشعري شاعر لانت له الجوائز في غفلة من الاعلام المعاق وعيون أصحاب القلوب المريضة الشاعر شكري بوترعة سخّر كل شيء حتى موته الذي حاصره في عديد المرات وكأنه أراد أن يقول أن الشعر وحده ناموس الكون وأنه خالد بما كتب على حافة المسافات باختلاف سيماتها ومقاساتها”.

أما الروائية التونسية فتحية الهاشمي فتقول “هو الماء و الطين و الخلق و الخليقة يصنع الشاعر شكري بوترعة هذا الهادئ هدوء البحر والمتمرّد تمرّد النّخل الذي لا يرمش إذ يفجؤه الرمل بل يضحك ضحكته تلك الهادئة ويهمس للصفرة : أن تعالي هنا منتهى الخليقة و بدأ الطوفان على قول صديقه حسان دهشان

أيها المقيم على الرّصيف المقابل يوما سأدرّب قلبي على الرحمة أو القسوة لست أدري، أرسل لك خنجر صديق ليخلّصك ويخلّصني من عذاب القراءة لك فأنت عصيّ كأمل دنقل وحلمي سالم وعماد أبو صالح ومسعود شومان

وأنا أقول أيها المسافر في رعشة الخلق الأولى ، أيها الخزاف الذي اكتشفت طينه منذ مدّة والذي ولجت مغارة علي بابا في قوله وعقله، فوجدت أن الوالج عتبة قصيدته مفقود والخارج منها مفقود لم آت بقول من عندي ، أخذت من كل قصيدة بعضا من روح الشاعر ونثرته هنا ، كانت كاريزما الغواية أولى العتبات وأخطرها بعد أن استدرجت عائشة كي تقرع عزلتنا فنمشي في ممرات كأنها الكتابة كي نظلّ منتشين بالفراغ المهيب ونعلق في بكاء مرمري على فتاة النهر والنهر يصب فينا، ومنا ينبثق ماء الخلق فنصير الخلق والخليقة.”
___________

*صحفية وكاتبة تونسية

شاهد أيضاً

كيف نقاوم وباء التضليل الماحق؟

*حبيب سروري تناولت، في مقالي السابق، إحدى مصائب عصرنا التكنولوجي الجديد: “ما بعد الحقيقة”، وشكليها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *