الرئيسية / خبر رئيسي / بنجيب بنداوود يصدر ديوانه الشعري الخامس ’’ ميرا”

بنجيب بنداوود يصدر ديوانه الشعري الخامس ’’ ميرا”

خاص- ثقافات

*عثمان بوطسان

أصدر الشاعر المغربي نجيب بنداوود ديوانا شعريا جديدا تحت عنوان «ميرا» عن دار سليكي أخوين للنشر. وهو ديوان باللغة الفرنسية ينتصر فيه الشاعر للغة الحب والجسد؛ خالقا بذلك عالما جديدا يتقاطع فيه جمال اللغة واستعارة الجسد وزخرفات التراث.
ويعد الإصدار الشعري الخامس للشاعر، الذي يؤكد على استمراره في خلق شعر لا يعرف حدودا ولا ينغلق في تصور معين؛ شعر متمرد يتحرر فيه الملموس واللاملموس، ويتحول الجسد العاري إلى أشبه بقصيدة ثورية. وللتذكير فقد حصل الشاعر مؤخرا على جائزة أحسن قصة قصيرة في فرنسا. فالعنوان الذي اختاره يحيل القارئ إلى مجموعة من القراءات والتأويلات، فميرا لها مجموعة من المعاني في الإرث اللغوي والتراثي المغربي، لذا ليس من السهل حصر قراءة للعنوان في زاوية معينة.
لا بد أن الشاعر يحاول خلق عالم شعري متحرر بالمعني الحرفي للكلمة، فهذا الديوان استمرار للفلسفة الشعرية الباحثة عن الجمال في اللغة والجسد، حيث يتحول الحب إلى ما يشبه العشق الروحاني، الذي لا يكتمل إلا باكتمال القصيدة. فالشعر في تصور نجيب بنداوود: نشيد الجمال وفرصة للتأمل والرؤية والدهشة أمام جسد يتحول إلى ما يشبه اللوحة الفنية، تحمل كل ألوان الحلم والحياة. ويستمد الشاعر خياله الشعري من العلاقة الروحانية التي تجمعه بالمرأة، من هلوساته الشعرية الليلية المتقطعة، من الشعور بالضيق في عالم مادي يجعل من الإحساس بالحب شعورا منعدما. ومن ثمة فإنه يدفع المتلقي إلى إعادة طرح مفهوم الجسد، خاصة أن الثقافة المغربية ما تزال منغلقة نوعا ما على هذا النوع من المفاهيم، التي تشكل بالنسبة للبعض إحراجا، بل هناك من يصنف الجسد في خانة المحرمات والمقدسات، على الرغم من أن لغة الجسد مهمة جدا في التعبير عن الوجود، ودائما ما يكون الجسد مرآة الأحاسيس الباطنية. في هذا السياق يجعل الشاعر من الجسد فرصة لإعلان تمرده وتحرره؛ محررا بذلك جسد المرأة من زاوية التعاريف الضيقة والظلامية.
إن ديوان «ميرا» مزيج من عدة لغات استعارية تشكل ألوان العالم السري، الذي يحاول الشاعر رسمه. فاللغة المتحررة والنظرة المتمردة تجعل من هذا العمل الشعري تحفة أدبية حديثة، لم يتعود عليها القارئ المغربي بعد. فالشاعر يعتمد كثيرا على لغة العينين حين يتغزل بطيف الحبيبة العابر في أحلامه، أو أمام شرفة منزله. ويتوقف كل لحظة معاتبا أو متعجبا من عيون من سحرت خياله. إن لغة العيون لغة شعرية عميقة؛ وهي اللغة الأهم في الجسد، وليس من الغريب أن يركز الشاعر نظره عليها بغرض التغزل أو الاستلهام:

أَنَا لَسْتُ شَاعرًا
إلا لأَرسُمَ غنَاءَ نَظْرَتك الجَميلة.

وفي مقطع آخر يتمنى الشاعر لو كان جزءا من عيون الحبيبة، وهذا التمني يوحي للقارئ بعمق الحالة العاطفية التي وصل إليها الشاعر، حيث يتحول الحب من الحالة المادية إلى الحالة الروحانية التي تتجلى من خلال محاولته التخلي عن جسده بغرض التجلي والانعكاس في عيون المحب:
كيفَ لي أن أكونَ
قطْعَةً من عينيك.
إن ديوان «ميرا» على عكس ما كان يكتب قديما، انعكاس لشاعر لا يمل ولا يتعب من الحب. واستمرار الشاعر في الحب يشكل واحدة من مصادر الإبداع. فالقصائد مزيج من البوح والتمني والانتظار، الذي يخلق أحيانا نوعا من اللااستقرار الشعوري. وهكذا فالحب كطاقة يشغل جميع الحواس والكيان؛ يجعل من مخيلة الشاعر رهينة اللحظات العابرة التي تتأرجح بين ماض جنوني وحاضر يكاد ينفلت من سياج الذاكرة. والتعبير عن الحالة النفسية جراء ثورة الحب، لا يقل عن كونه عملا فنيا ينتصر فيه الإحساس بالآخر على لحظات الفراغ التي عادة ما تكون مرادفا للانتظار والغياب.
إذن يمكن القول، إن جمال اللغة وتلقائية البوح وعذوبة المفردات والتعابير الجريئة تجعل من هذا العمل فرصة لإعادة طرح مفهوم الحب في الشعر. إن الشاعر لا ينظر إلى المرأة باعتبارها جسدا، بل يجعل منه نافذة إلى روح الأشياء والجمال والدهشة والتصوف. فالشعر ينطلق من الجسد ليشمل العالم الخارجي، حيث تظهر روح الشاعر في حالة من الانفصال عن العالم المادي، نحو عالم مجرد يحمل ألوان الحرية والتمرد. أما إذا نظرنا إلى ديوان «ميرا» من زاوية أخرى، فسنجد أنه نتاج للتحول الوجداني الذي تعرفه ذات الشاعر. فتحرر الذات رهين بتحرر العالم الخارجي، لذا فالشاعر يجعل من تجربته الشعرية فضاء لتحرر العالم الخارجي من المادية والقيود؛ وهذا التحرر لا يتحقق إلا من خلال التحولات النفسية التي تؤثر بدورها على الرؤية الشعرية والبحث المستمر عن الآخر في القصيدة.
فهذا الديوان يكشف بعضا من أسرار الشاعر الدفينة وتقلباته العاطفية المختلفة، أي أن الذات مسكونة بهاجس التحرر من هذا العالم المادي والظلامي، نحو عالم منفتح لا مكان فيه للاغتراب ولا الإحساس بالضيق.
هكذا، تصبح الأنا الشعرية قرينة السعي إلى تجاوز كل التصورات والتعاريف والفلسفات التي من شأنها حصر الذات في مفاهيم لا تعكس عمق الرؤية والوعي، الذي يحاول الشاعر عكسه عن طريق قصائده.
ولكيلا تخفق اللغة الشعرية في تقديم المعنى، عمل الشاعر على استعمال التكرار في القصيدة في محاولة منه إلى التأكيد على أهمية حضور الآخر كمكمل لحضور الذات وتجلياتها المتعددة.
بهذا المعنى يجعل الشاعر من الكتابة الشعرية أساس التعبير عن الانتماء الوجودي، وما يرتبط بذلك من معان لها ارتباط وثيق بحضور الآخر (المرأة).
ويظهر من خلال قراءتنا للديوان، أن الشاعر ركز على الجانب العاطفي، حيث تتقاطع التجربة الواقعية مع التجربة الشعرية؛ ما أعطى قصائد تعبر عن الحياة بلغة منبعثة من أعماق الحس الوجداني. فالانفعالات العاطفية كعاطفة الحب، والشوق والحنين والانتظار تجعل الشاعر في حالة من العطش؛ حيث يتحول الحب إلى أشبه بإكسير الخلود. كما أن استعمال التشبيه والاستعارة بشكل كبير يوضح عمق العلاقة التي تجمع بين الحبيب والمحب، فالشاعر لا يتوقف عن التشبه بالحبيبة وتشبيهها بصفات مأخوذة من الطبيعة أو القاموس الرومانسي. إن النزعة الرومنطيقية هي أساس الكتابة عند نجيب بنداوود، لأن القصيدة في نظره هي التجلي الروحي لكل الأحاسيس والآلام، وفي الوقت نفسه هي فرصة لكشف الستار عما يجول في الخاطر والمخيلة. سبق وأكد جبران أن الشعر ينبع من صميم الفؤاد، وأن الشاعر لن يدرك الإبداع الفني، إلا إذا فتح قلبه وعقله ونفسه. وبذلك فإن نجيب بنداوود شاعر يربط الصدق الفني بالتجربة الشعرية، فما يكتبه ليس خيالا، وإنما تجارب عاشها، يحاول نقلها إلى القارئ عن طريق لغة شعرية استعارية، تتحول الأنا عبرها من الطابع المكشوف إلى الطابع المجرد حيث تجتمع الذات والكون والوجود.
ومن المظاهر الحديثة للنزعة الرومنطيقية في شعر بنداوود، اعتماده للرمزية ولرؤية متعددة الأوجه؛ حيث لا ترتبط كتابة الشعر بسياق معين، بقدر ما ترتبط بتحولات الذات في المكان وتطورها عبر الزمن الشعري. فالقصيدة لا تقتصر على الوصف وذكر محاسن المرأة وجمالها، بل تتحول إلى خطاب مباشر يخاطب في الشاعر حبيبته بغية الوصول إليها، أو خلق جسور العبور من حالة التيه والفراغ إلى حالة الثمالة والحب. وبما أن الشعر تعبير عن حالة وجدانية ونفسية، فالشاعر يجعل من هذه الحالة فرصة للرقص والغناء في القصيدة، لذلك نجده يعتمد لغة موسيقية تخلق إيقاعا خاصا، ما يجعل الحالة النفسية في توازن مع الإيقاع الموسيقي.
إذن يمكن القول، أخيرا، إن ديوان «ميرا» جاء ليؤكد مواصلة الشاعر خلق مشاهد شعرية مختلفة عما ينتجه باقي الشعراء في المغرب. فالكتابة دائما ما ترتبط بالحرية والتحرر والرفض التام لكل أشكال التابوهات في الشعر. كما أن الشاعر يبحث عن خلق متنفس جديد للشعر؛ حيث يمكن للمتلقي أن يجد ذاته ومركز اهتمامه، ذلك أن التقليد ونهج أسلوب مستهلك يتعارض مع التصور الشعري لنجيب بنداوود الباحث عن خلق شكل جديد قادر على عكس حالته النفسية، بعيدا عن التقيد بمدرسة أو تيار شعري معين.
ديوان «ميرا»، تتمرد فيه القصـــــائد على الشاعر ويتحول الشـــعر إلى أشبه بالملحمة الغنائية؛ حيث تختلط كل الألوان بما فيها ألوان الجسد والذات والحياة والحلم.

٭ كاتب وناقد مغربي

شاهد أيضاً

القدس ملهمة الشعراء والفنانين

*عواد علي تحتل مدينة القدس منزلة كبيرة في الوجدان العربي، بوصفها روح فلسطين وعاصمتها التاريخية، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *