الرئيسية / إضاءات / مارسيل بروست.. كان يرشو الصحافيّين ليمجّدوه!

مارسيل بروست.. كان يرشو الصحافيّين ليمجّدوه!

*عبد الدائم السلامي

يُوصفُ مارسيل بروست (1871-1922) بأنه يُمثّل كاتدرائيةً أدبيّةً تُضاهي في شهرتِها أكبرَ كاتدرائيات فرنسا ومعالمها التاريخية، وهي شهرةٌ يُنبئُ بها تنامي تأثيرِه الفنيِّ في الكُّتاب والنقّاد والقرّاء سواء داخلَ فرنسا أو خارجَها، حيث ما زال يُثيرُ سؤالاً روائياً متجدِّدًا في الدّرس النقديّ على كثرة ما كُتب عنه من دراسات، فضلاً عن كونه قد نجح في استدراج التفكير الفلسفيّ إلى ساحة الأدب ومغامراتِه الإتيقية بفضل جمال أسلوبه السرديّ وغوصه في أعماق النّفس البشرية، وهو ما نجد له صورةً في ما كتبه عنه كلٌّ من موريس ميرلوبونتي وسارتر وجيل دولوز ورولان بارت وآخرون. والحقُّ أنّ الجدل حول بروست لم ينقطع منذ وفاته إلى الآن، فظلّ يشغل الناسَ بكتاباته وبأسرار شخصيته التي راحت تكشف في كلّ مرّة عن مَلَمحٍ لها جديد يتهافت على تعقُّب تفاصيلِه جمهورُ المثقّفين، ويعود به بروست إلى صدارة الأحداث االثقافية.

مفاجآت بروستية

من أولى مفاجآت بروست هي تلك الضجّة التي أحدثها ظهوره في أحد الأفلام التسجيلية، حيث تداولت وسائل الإعلام الغربية خلال شهر شباط/فبراير الماضي مقطعًا من فيلم تسجيلي صامت لحفل زفاف الشابّيْن البورجوازيَيْن أندري غيش وإيلين غريفول، وقد تمّ في كنيسة “مادلين” بباريس العام 1904 (وهو فيلم كانت أهدته عائلة العروس غريفول إلى مركز أرشيف الأفلام الفرنسية)، وفيه يظهر من بين المدعوّين شخص بملامح شبيهة بملامح بروست، وهو أمر انكبّ على البحث فيه، الأستاذ جون بيير تراهان (جامعة لافال-كندا)، وخلص منه إلى تأكيد بأنّ الشخص الذي يظهر في الفيلم خارجاً من الكنيسة إنما هو بروست نفسه، لأنه يرتدي الملابس بالطريقة الخاصة التي ميّزت بروست في ذلك الوقت على حدّ ما تكشف صُوره. وقد عاضده في هذا التأكيد الباحث المتخصص في أدب بروست، جون إيف تادييه، بقوله إنّ ما نعرفه عن بروست من وثائقه وكتاباته يؤكّد من دون شكّ أنه هو مَن يظهر في ذلك الفيلم، وهذا ما سبق للباحثة، لور هيليرين، أن أشارت إليه في كتابها “الكونتيسة غريفول. ظِلُّ الغورمانت”، الصادر في 2014 عن دار فلاماريون (صفحة 78).

وفي شهر نيسان/أبريل المنقضي، طرح رجل الأعمال الفرنسي، بيير بيرجيه، بالاشتراك مع دار سوثبي للمزادات بباريس، رسالة غير معروفة لبروست، مؤرّخة في 15 تموز/يوليو1919، وموجّهة إلى صديقه جاك بورال، وهو ابن الممثلة الفرنسية الشهيرة ريجان التي استأجر منها الشقّة، وفيها يشكو له من الصخب الذي يثيره جاران يسكنان في الشقة المحاذية له خلال ممارستها الجنس، فيقول: “إنّ جارَيَّ اللذيْن لا يفصلهما عنّي سوى حائط يُمارسان الجنس بجنون كل يومين، وهو ما يُثير فيَّ غيرتي. ولأني كنتُ أعتقد بأن الشعور بنشوة الجنس هو، بالنسبة إليَّ، أضعف من نشوة شرب كوب من البيرة الباردة، فقد صرتُ أحسد هذيْن الجاريْن اللذيْن يصرخان صراخًا خلته في بادئ الأمر ناجمًا عن عملية اغتيال”. علماً أن بروست كان قد استأجر تلك الشقة في شهر أيار/مايو، وغادرها في مفتتح تشرين الأول/أكتوبر من السنة نفسها.

مادح نفسه
ولعلّ من أكثر ما شدّ الوسط الثقافي العالمي في أمر شخصية بروست، هو الخبر الذي نشرته صحيفة “الغارديان” بتاريخ 28 أيلول/سبتمبر 2017، وجاء فيه أنّ صاحب “البحث عن الزّمن المفقود” كان يرشو الصحافيّين ليكتبوا عنه مقالات تمجيدية، بل كان هو نفسه يكتب مقالات يمتدح فيها كتاباته وينشرها بأسماء مستعارة. وتفصيل ذلك أن “الغارديان” تمكّنت من الاطلاع على مجموعة من الوثائق (وعددها 307) ستطرحها دار سوثبي بباريس في المزاد العلني يوم 30 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، وتضمّ أربع نسخ من الجزء الأول من رواية “البحث عن الزمن المفقود: جانب منازل سوان”، وكان بروست قد أعدّها في طباعة خاصة وأنيقة، وأهداها لصديقه، لويس برون، مدير النشر في دار “غراسيه”، اعترافاً بفضله عليه في نشر كتابه الأول في هذه الدار العام 1913 على نفقته الخاصّة، بعدما رفض مديرها، برنار غراسيه، النشر بسبب ما وصفه بـ”عدم المقروئية”. وقد أُلحقت بإحدى هذه النسخ، مجموعةٌ من الوثائق الشخصية لبروست، تضمّ بعض مقالات صحافية ورسائل متبادلَة مع صديقه لويس برون، وتتكشّف فيها للمرّة الأولى أسرارٌ متصلة بكيفية إشهار هذا الكاتب لكتبه.

تذكر “الغارديان” أن بروست كان حريصاً جداً على متابعة نشر كتابه في أفضل إخراج فنيّ، فتكفّل بنفسه بإصلاح أخطاء “التحرير”، وإضافة جُمل وفقرات جديدة، واختيار نوعية الورق، وتحديد الثمن. كما حشد أصدقاءَه (مثل صديقه الرسام جاك إيميل بانش) وبعض الصحافيين ليكتبوا عنه مقالات مدحية في الصحف الفرنسية في مقابل رشوتهم بالمال. وكان بروست، من وقت إلى آخر، يكتب بنفسه مقالات نقدية تمجيدية عن كتابه “البحث عن الزمن المفقود” ويُوقّعها بأسماء مستعارة، مثل “دومينيك” و”الشكسبيري” و”هوراسيو”، حيث وصف في إحداها كتابَه “البحث عن الزمن المفقود” بكونه يمثّل “تحفة فنية صغيرة” وأنه “نفحة من الهواء النقيّ التي تكنس الأبخرة المنوِّمة”، بل هو عبارة عن “عاصفة من الرياح” لم يسبق أن عرفها الأدب الفرنسي قبله كما أنّ كتابته “مشرقة جدّاً للعين”. وكان بروست يرسل هذه الكتابات إلى صديقه لويس برون، طالباً منه إعادة طباعتها حتى لا يتعرّف الناس على خطّه، مع وعده بأنه سيعطيه مكافأة مالية يتسلّمها منه يداً بيد، ليُسلّمها هو بدوره للصحافيين. وقد نُشرت له بالفعل مقالة في الصفحة الأولى من جريدة “لوفيغارو” مقابل 300 فرنك، لكنه غضب من محرّر هذه الصحيفة لأنه حذف منها عبارة “البارزُ مارسيل بروست”، كما نشر مقالة أخرى في الصفحة الأولى من “مجلة المناظرات” مقابل 660 فرنكاً.

وفي رسائل أخرى مؤرّخة في في 24 و25 كانون الأول/يناير و19 شباط/فبراير 1920، بعدما تعاقد بروست مع دار “غاليمار” بدعم من الكاتب أندري جيد، وحصوله على جائزة غونكور عن كتابه “في ظلال ربيع الفتيات”، ولما علم بأن صحافياً في “لوفيغارو” يسمى السيد “لوفايان” ينتوي كتابة مقالة عنه، طلب من لويس برون أن يُبلّغ ذاك الصحافي دعوته لتناول العشاء في بيته مساء الأحد. ولمّا حضر الصحافي، استقبله بروست بترحاب كبير وامتدحه بقوله “أنا سعيد بمصافحة يد الشاعر النبيل والساحر”، وصارحه بقوله: “إنّ نفسي قلقة بشكل خاص، وأطلب منك أن تتكلم عني فقط، وتؤكد في مقالتك كل ما يُفيد مدحي”، ووعده بأنه بعد أن ينشر مقاله، سيمدّه بمقالات أخرى لينشرها باسمه مقابل مكافآت مالية.

وقد حاول بعض الصحافيين الفرنسيين التقليل من حجم هذا الخبر، بقولهم إن بروست قد ورث ثروة كبيرة عن والده، وأنه اختار إنفاقها في دعم كتابه وتسويقه، متكئين في ذلك على ما ذكره جيروم بيكون، كاتب سيرة بروست، في كتابه “مارسيل بروست حياة للكتابة” (فلاماريون، 2016)، إذ قال: “بفضل المال، يمارس بروست سيطرة على الواقع. فهو يشعر بالحاجة إلى اللعب بمبالغ كبيرة لجذب انتباه الآخرين، وذلك تعويضاً منه عن وحدته”. غير أن هذا التبرير لا يمكن أن يُخفي سؤالنا عن مدى ثقة بروست في كتاباته.
____
*المدن

شاهد أيضاً

القدس ملهمة الشعراء والفنانين

*عواد علي تحتل مدينة القدس منزلة كبيرة في الوجدان العربي، بوصفها روح فلسطين وعاصمتها التاريخية، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *