الرئيسية / إضاءات / تلقي فن اليوميات

تلقي فن اليوميات

*كمال الرياحي

تمثل مسألة القراءة مسألة مفصلية بالنسبة إلى اليوميات، إذ العمل الأدبي، وغير الأدبي، كما يقول سارتر “خذروف عجيب لا وجود له في الحركة، ولأجل استعراضه أمام العين لا بد من عملية حسية تسمى: القراءة. وهو يدوم ما دامت القراءة، وفي ما عدا هذا، لا توجد سوى علامات سوداء على ورق”. ويفند سارتر مقولة إن المرء يكتب لنفسه، أما إذا اعتقد ذلك فإن ذلك “أروع فشل”.

إن هذا الرأي السارتري الذي يجعل وجود الفن رهين وجود الآخر واعترافه، يجعلنا نعتبر أن الأثر الفني أو الأدبي أو أي أثر لا ينتقل من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل إلا بعملية التلقي. غير أن عملية التلقي نفسها تخضع لعدة اعتبارات، منها السوسيولوجية، ومنها الإستيتيقية ومنها التاريخية والسياسية والإيديولوجية. وهو ما يشكل معضلة جديدة في تحديد أهمية “اليوميات” من عدمها.

معيار الجودة

لا يمكن تقييم الكاتب وإصدار الأحكام على كفاءته الأدبية من خلال يومياته دائما. لأن الكثير من الكتاب لم يكتب بغاية النشر، وفي الغالب يكتب بغير أسلوبه إذا لم تكن اليوميات مشروعا أدبيا أو فنيا.

فلا يمكن مثلا أن نحكم على أدبية فرناندو بيسوا من خلال يومياته التي جاء الكثير منها جافا وحرفيا توثيقيا لا جهد فنيا فيها. والشيء نفسه بالنسبة إلى الأميركي بول بولز الذي لا يمكن أن تكون يوميات طنجة برتابتها انعكاسا لأسلوبه أو لقيمة أدبه. إذ جاءت عادية جدا، تسجيلية في غالبها.

إن تلقي اليوميات يختلف باختلاف هوية المتلقي، فيوميات الجزائري مولود فرعون التي لن يجد فيها الناقد الأدبي الشيء الكثير هي نفسها التي ستبهر المؤرخ، ويجد فيها ثروة عظيمة من الأحداث والحقائق التاريخية في ضبط وقائع فترة مهمة من تاريخ الجزائر: سنوات الثورة الجزائرية.

المسألة الكمية

إن المفهوم الذي وضعه الإنشائي الفرنسي فيليب لوجون لليوميات بصفتها “سلسلة آثار مؤرخة”، يفتح بابا للسؤال عن الكم. فالتسلسل يعني في وجه من وجوهه التراكم. ولكن هل التراكم ضروري فعلا لليوميات أم أن الإعلان عن نية التراكم كاف لتكون اليوميات واقعا؟

إن كلمة “سلسلة” تعني الجمع، ولكن الحلقة الواحدة من السلسلة بوجهها الانفتاحي على ما قبلها وما بعدها يجعلها مكتفية بذاتها، فيومية واحدة قد تغني عن بقية اليوميات، إذ ليس بالضرورة أن تقرأ ما قبلها وما بعدها لتحكم على النص أجناسيا أنه يومية وتتناوله بالدرس بصفته وثيقة تأخذ أهميتها من متنها، بالطريقة نفسها التي يؤخذ بها المخطوط الكامل، ولنا مثال يومية سليم بركات “قناص الواحدة فجرا” 29/12/1996 والتي تضمنها كتابه “التعجيل في قروض النثر”، والتي يروي فيها قصة الرصاصة التي اخترقت نافذة بيته وكادت أن تودي بحياته في قبرص من قناص مجهول. وكانت الرصاصة قد استهدفت مكتبه في الساعات التي يجلس فيها للكتابة ونجا، كما يسجل الكاتب، بأعجوبة، لأنه، من حسن حظه، قد خرق طقوسه ولم يجلس تلك الليلة ليكتب.

هذه اليومية احتفظ بها سليم بركات وحرص على نشرها بعد ذلك ولكنه أجهز على كتاب كامل يحمل عنوان “كنيسة المحارب”، وهو يومياته في حرب الجبل بلبنان. وهو ما يطرح أكثر من سؤال لماذا أسقط سليم بركات يومياته وهو الحريص على جمع حتى مقالاته وحواراته وتجميعها في كتب؟

 لمَ عمد إلى إخفاء يومياته حتى اختفت نسخها جميعا؟ هل اعتبر يوميات “المحارب” القديم تسيء للكاتب الكردي في منفاه السويدي اليوم والمرشح لجائزة نوبل للآداب؟

وأي إساءة يمكن أن تحدثها اليوميات التي نكتبها ونقدم على نشرها وما عادت حميمة؟

هل أسقط سليم بركات يومياته لأنه لم يعد يتحمل أسلوبها الذي كتبت به ويعتبرها ساذجة مقارنة بتطور تجربته الروائية كما تخلص محمود درويش من كتابه الشعري الأول، أم أسقطها لما تضمنته من معان وأخبار عن التجربة وعن الناس والحرب؟

 قد يجد صاحب هذه الأطروحة سندا في رد سليم بركات يوما على محاور له يسأل عن بقية سيرته واكتفائه بسيرة الطفولة والصبا بعدم رغبته في الإساءة للآخرين.

اليوميات غير المكتملة

اليوميات دائما غير مكتملة، إلا في حالة المشاريع المضبوطة سلفا.

فهي جنس البياضات والانقطاعات الأول. جنس من الكتابة الشذرية غير الملتزم بكم ولا ببناء ولا باستمرارية ولا حتى بمعنى واضح أو تركيب جملة أو بنحو. إنها جنس التخلص من كل الإكراهات وجنس كل الممكنات، فعادة ما تكون اليوميات حقلا للبياضات بسبب انقطاعات الكاتب عن تدوينها ويظل الكثير منها مبتورا غير نهائي بسبب موت صاحبها وهو يكتبها. ونمثل لذلك بيوميات غسان كنفاني، وهذه اليوميات على قلتها بدت من أفضل ما كتب في فن اليوميات العربية من ناحية المضمون وتنوع الأساليب، وأضاءت مناطق خفية من حياة غسان كنفاني ورؤيته للسياسة وللإنسان وللحياة الأسرية وللحب والأصدقاء والأدب، كما كانت فضاء للأفكار ولتخصيب أجنة نصوصه الإبداعية قصة ورواية ومسرحية.

ولم يقدم غسان كنفاني على النشر في الصحف إلا ما تعلق منها بالسياسة والقضية الفلسطينية بينما ظلت اليوميات الشخصية حبيسة مكتبه حتى أفرجت عنها زوجته إلى مجلة “الكرمل” بعد اغتياله بسنوات. ولا نعرف إن كانت هي كل اليوميات أم أن الزوجة نفسها عالجتها بمقص الرقيب.

اليوميات شجاعة

بعد يوميات الحزن العادي، يفشل محمود درويش مرة أخرى في الإمساك بجنس الكتابة، فقد ظل في كتابه “أثر الفراشة” رغم إصراره على تجنيسه بعبارة “يوميات” على الغلاف، وتأكيد ذلك في بداية الكتابة “صفحات مختارة من يوميات، كتبت بين صيف 2006 وصيف 2007”.

نقول يفشل حسب مقاربتنا للكتاب في ضوء المنجز النقدي والتنظيري لهذا النوع من الممارسة: اليوميات. وإن كان الشاعر أمجد ناصر أرجع في مقاله “درويش: اليوميات الخادعة!“، ذلك الفشل البائن إلى محاولة درويش اللعب على الحبلين أو التقنع باليوميات وهو يجرب قصيدة النثر أو يتسلل إليها. وقد انتهى صاحب المقال إلى أن “قناع” اليوميات الذي جعله درويش عنواناً فرعياً للكتاب لم يصمد في “تضليله” الأجناسي طويلاً. فمعظم “قطعه” النثرية لها هيئة واشتغالات ومقاصد قصيدة النثر بالمعنى الأوروبي للمصطلح.. وأغلب الظن أن هذا ما أراده درويش من دون أن يتورط في التصريح به”.

إن المغامرة مع اليوميات مهما كانت حميمية فهي لا تتحمل السرية ولا التقنع ولا المراوغة، لأنها ممارسة لا توجد إلا في التصريح، ممارسة تعلن عن جنسها من أول صرخة بإعلانها التاريخ.

وهذا ما يخرج كتاب درويش كما أخرج كتاب “يوميات بيت هنريش بول” لقاسم حداد، والكثير من الكتب العربية الأخرى من هذه الممارسة الفنية وليست بنية النص نفسه، شعرية كانت أم نثرية.

غير أن هذه البنية الشعرية لنصوص “أثر الفراشة”، كما أشار أمجد ناصر، تبقي الكتاب في المدونة الشعرية لمحمود درويش ولا تأخذه إلى ضفة أخرى هي السرد والتي جرب فيها كتابين: “يوميات الحزن العادي” و”ذاكرة النسيان” الذي كاد أن يكون ضمن اليوميات؛ يوميات ليوم واحد طويل من شهر أغسطس/ آب 1982، لولا أن درويش لم يحترم قواعد النوع. ولم تكن عبارته “لا وقت للوقت” تكفي لإقحام الكتاب في هذا الجنس أيضا من الممارسة الإبداعية.

زلات الكاتب والناشر

قد تجني عبارة وسط المتن على كتاب برمته فتأخذه إلى أفقِ تلقٍ قلق فتقحمه في نوع من الكتابة وهو في نوع أشد وضوحا من ذلك ويتخذ الناشر تلك العبارة سببا لتجنيس الكتاب، كما هو الحال مع يوميات أبي القاسم الشابي التي وضعت تحت علامة أجناسية أخرى “مذكرات” رغم التزام صاحبها بتثبيت التاريخ أعلى كل تدوينة والتزامه بأحداث يومه المنصرم دون غيره من الأحداث موضوعا للتدوين، ونرجع ذلك إلى وصف الكاتب لعمله في يومية الخميس 6 فيفري (فبراير/ شباط) 1930 بالمذكرات حيث سأله صديقه الصحافي زين العابدين السنوسي الذي زاره في بيته فباغته يكتب: “لا أراك إلا تكتب أدبا أليس كذلك”؟

فأجابه الشابي: “لا أكتب أدبا الآن، لكنني أكتب مذكرات”.

 ولم يجرؤ ناشر إلى اليوم رغم التصحيحات النقدية المعاصرة للنص على نشره تحت علامته الأجناسية الحقيقية.

والحق أن استعادة الكثير من النصوص مواقعها يوسع من أفق مقاربتها وفهمها، ولكننا نحسب أن موقع اليوميات، في المشهد العربي، ما زال هشا والوعي به وأهميته ما زال ضعيفا. فالأجناس الأدبية تكتسب مناعتها شيئا فشيئا عبر التكريس النقدي وسلاسل النشر والاحتفاء بها جنسا خاصا، وأحسب أن ظهور بعض الجوائز التي تخصص للكتابة الذاتية بما فيها اليوميات وسلاسل عربية لليوميات بدور نشر مهمة وترجمة عيون اليوميات الغربية اليوم من شأنها أن تقوي هذه الممارسة نصا ووعيا.

خطورة اليوميات

بعد النظر في ما تقدم من الملاحظات نجد أنفسنا أمام تلقٍ مخصوص لهذا الفن بعيدا عن كل ضوابط التلقي التقليدية، فلا الجودة ولا الكم ولا البناء يمثل مقياسا لتلقي اليوميات. فما الذي يجعل من يوميات أفضل من أخرى؟ وما الذي يؤسس لقيمة اليوميات؟

إن اليوميات التي لا قيمة لها في فترة زمنية معينة قد تصبح ذات قيمة كبيرة في وقت آخر، ولنستحضر يوميات آن فرانك التي تكرست بها أطروحة الهولوكست نفسها وحولتها إلى أسطورة، وجعلت تلك اليوميات الطفلة اليهودية ذات الخمسة عشر عاما أيقونة الثقافة اليهودية، ولم تصمد أمامها حملة التشكيك التي تعرضت لها اليوميات وصحتها. فمسألة الصدق والكذب والحقيقة من عدمها لا يمكن أن تبطل زحف الفكرة إذا وجدت عصبية تسندها وتحميها وتروج لها، وهذا ما حصل مع يوميات آن فرانك التي حولتها الدراسات التاريخية والتوظيف السياسي والتحويل والاقتباس الفني للسينما والمسرح إلى نص مقدس غير قابل للنقض.

إن الانخراط في ممارسة اليوميات هو شروع في نسج أسطورة ذاتية.

 وعند هذه اللحظة بالذات يمكننا أن نفكر في قيمة اليوميات، إذ قيمتها في قدرتها على صنع تلك الأسطورة وقدرة كاتبها على التحايل للتأثير، إن كان ذلك بالعفوية أو بالصنعة والتركيب، فالكاتب، أي كاتب، يكتب للآخرين ويسعى جاهدا لكسب اعترافهم سلميا، فهو يعلم علم اليقين أنه يكتب لأحرار لا لعبيد، وأنه استعاض بالقلم عن البندقية، كما يشير إلى ذلك سارتر في كتابه “ما الأدب؟”.

إن هذه النظرة لليوميات تجعل منها فضاء الحرية النموذجي، فهي إنتاج حر متحرر من كل الضوابط الفنية والمحامل وغير خاضعة لعملية تلق وتقبّل بعينها، فهي وإن خسرت أرضا ربحت أراضي أخرى تعطيها مشروعية وجودها وأهميتها.

ولكن أي مفهوم للأدبية التي تجعل يوميات أدبا دون غيرها؟ وما هي مبررات القول اليوم إن اليوميات جنس أدبي؟ هل هناك مفهوم جديد للأدبية أكثر رحابة من حدودها التقليدية يسمح لليوميات بانتزاع مكانة ضمنها؟ ألا يطرح الأمر سؤالا آخر أشد خطورة: من هو الأديب؟ وهل يمكن أن يكون الكاتب الذي حصر حياته بتدوين يومياته، ولم يجرب غيرها من الكتابة، أديبا؟
____
*المصدر: ضفة ثالثة.

شاهد أيضاً

كيف نقاوم وباء التضليل الماحق؟

*حبيب سروري تناولت، في مقالي السابق، إحدى مصائب عصرنا التكنولوجي الجديد: “ما بعد الحقيقة”، وشكليها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *