الرئيسية / إضاءات / خيانة الآخر في الترجمة الشعرية

خيانة الآخر في الترجمة الشعرية

*محمد الأسعد

تمثيلُ نص شعري في لغة أخرى غير لغته الأصلية، أو ترجمته كما يقال عادة، هو نقل لأفق جمالي إلى أفق جمالي آخر. هو ليس فعل تشميل أو دمج فقط، بل هو قضية تمثيل أيضاً، وعندها يطرح سؤالٌ عما إذا كان مسموحاً أن يُمثّل أفقٌ جمالي لشعبٍ غير غربي نفسه كما هو، وليس كما هو مؤطرٌ ضمن اقتصاديات شعرية وعادات تأويل غربية؟ من هذا المنطلق يحاور الشاعر الصيني المعاصر، والباحث الناقد وأستاذ الأدب المقارن «وي- لم يب» (1937-)، في كتابه «بوح المسافات.. محاورات بين الشعرية الصينية والغربية»، بل ويرد على ويتحدى نسق التمثيل الغربي المهيمن غير المضياف لآدابٍ نهضت على أساس قيم وتوقعات جمالية غير غربية.

هذا الرد والتحدي لا يمكن عزله عن حركة جديدة تنتشر على صعيد عالمي تقوم على نقد مزاعم وحدانية النظام المعرفي، والتمركز على الذات، والتعامل مع ثقافات العالم غير الغربي وفق معايير ونماذج غربية المنشأ والغاية، تسعى إلى تحرير مناهج البحث واللغة والخيال الأدبي والاجتماعي والسياسي من استعمار غربي متواصل منذ خمسة قرون، ويكاد يصل إلى محطته الأخيرة في الوقت الراهن كما يرى أستاذ علم الدلالات الأرجنتيني «والتر مينوليو» (1941- )، صاحب كتاب «وجه الحداثة الغربية الأشد عتمة».
الجديد لدى هذا الشاعر الصيني هو تمكنه من الإمساك بوجه آخر من وجوه «تمثيل» الموضوع الآخر غير الغربي يقوم على صبه في قوالب أو نماذج من إنشاء ثقافة أخرى؛ نموذج هذا التمثيل الذي يدرسه هو ترجمة الشعر الصيني إلى اللغة الانكليزية، وعلى رأسها ترجمات الشاعر الأمريكي «عزرا باوند» (1885- 1972) الأشهر بين من نقلوا الشعرية الصينية من أفقها الخاص، لغة المصدر، إلى أفق لغة الهدف، وتأثروا بطرائق الكتابة التصويرية الصينية في صياغة آرائهم، مثلما فعل أمراً مماثلا السينمائي الروسي الكبير «سيرغي إيزنشتاين» (1898- 1948) حين ابتكر مفهوم المونتاج السينمائي استناداً إلى توليف الصور في الشعر الصيني والياباني.
* * *

يقول الشاعر الصيني: «أصبحتُ واعياً بمشاكل التمثيل في سياقات العبور من ثقافة إلى أخرى منذ وقت مبكر جداً، إلا أنني لم أتمكن من هذا الموضوع فعلياً إلا حين بدأت أكتب عن ترجمات باوند للشعر الصيني، وأكثر ما أزعجني وأصابني بالهلع التشويهات الفظيعة التي اكتشفتها للأفق الجمالي للشعب الصيني، بوساطة أسلوب تمثيل يخون ذلك الأفق. وبلغ مني الحنق حدّ أنني لم استطع حين نشرت أول احتجاج لي ضد هذه المصيبة إلا استخدام تعبير باوند نفسه: «خطأ منذ البداية». ومضى إلى القول:«الترجمة هي جواز مرور بين ثقافتين تواجه به إحداهما الأخرى، وتعبران به من دولة إلى أخرى. إنها تتضمن المواجهة، والتفاوض، وتعديل الشيفرات والنظم الثقافية، وتتطلب وعياً مزدوجاً يتضمن حالة الكاتب الذهنية (أفق لغة المصدر).. المكونة من سلطة تراث وقرون من وعي الذات والمواضعات والترابطات، وما هي ممكنات تعبيرية للغة الهدف (أفق لغة الهدف)، التي تملك من جانبها سلطة تراث وقرون من وعي الذات والمواضعات والترابطات».
ويصل وي- لم يب إلى أن معظم الترجمات الانكليزية للشعر الصيني تترك ببساطة للأفق المستهدف أن يضع قناعاً على لغة المصدر ويتسيّد عليها. ويبدو أن المترجمين غير واعين بأن الشعر الصيني الكلاسيكي يمتلك منظومة فرضيات ثقافية جمالية مختلفة كلياً، أي أن تركيب تعابيره بطرق متعددة لاينفصم عن الإدراك. وحين تُفرض على الكلاسيكية الصينية عادات ألسنية هندو-أوروبية، من دون تعديل، تدخل هذه العادات تغييرات مهمة على أفق المصدر. ومن الجلي أن هذا التمثيل الذي يخون «الآخر»، يستدعي تدقيقاً متزامناً في كل من أفق المصدر وأفق الهدف، مع انتباه متساو إلى كلا الأفقين، واحترام للطرق المحددة التي يتقوم بها كلا الأفقين.
ويتبين من نوعية مشاكل الانتقال من أفق ثقافي إلى آخر التي يتناولها بدءاً من الفصل الأول من كتابه تحت عنوان «استخدام النماذج في أدب شرقي/غربي مقارن»، أنه كانت هناك ثقة مبهمة، ولا زالت قائمة، في نوع من «نزعة شمولية» أصولية، كما لو أن من الممكن للمرء أن يزن الآداب بميزان واحد ويحكم عليها، أو كما لو أن هناك رواية أصلية واحدة يمكننا اللجوء إليها في كل أنشطتنا التقييمية، أو كما لو أن معايير أدبية نافذة في كل أوروبا يجب أن يكون لها النفوذ ذاته في بقية أرجاء العالم.
كان الوعي باختلاف النماذج غائباً، ناهيك عن غياب الحاجة الماسة إلى التأمل الذاتي في المشاكل المتنوعة الناجمة عن الاستدخال غير الواعي لنماذج معينة كمعايير رئيسية وحقائق مطلقة. ولكن هذا لا يعني، كما يقول، أن هناك خطأ في مناهج النقد الأدبي الغربي، بل يكمن الخطأ في الافتقار إلى وعي باختلاف النماذج، وأن انعدام الوعي هذا سيؤدي في مناسبات ولحظات معينة بالباحث إلى إصدار أحكام خاطئة استناداً إلى أسباب ثقافية/جمالية خاطئة.
* * *
وكعادة المعلم الصيني التقليدي، يوضح وي- لم يب ما يقصده باختلاف النماذج الذي يشكل لب أطروحته الناقدة لمترجمي الشعر الصيني بهذه الحكاية الرمزية:
«عاشت تحت الماء ضفدعة وسمكة، كانتا تلعبان معاً، وتوثقت صداقتهما. وذات يوم قفزت الضفدعة خارجة من الماء، وقضت نهارها جائلة على اليابسة، فرأت أشياء كثيرة جديدة، رأت بشراً وطيوراً وسيارات.. إلخ. وفتنتها كل هذه الأشياء، فأسرعت عائدة إلى الماء لتقص على السمكة خبر اكتشافاتها الجديدة.. قالت «كان العالم على اليابسة رائعاً، هناك أناس يرتدون قبعات وملابس ويمسكون بعصي بأيديهم، وينتعلون أحذية في أقدامهم»، وخلال مواصلة الضفدعة لهذا الوصف برز في ذهن السمكة، سمكة ترتدي قبعة وثوباً وتضع عصا تحت زعنفتها، ويتدلى حذاءان من ذيلها. وواصلت الضفدعة حديثها:«.. وهناك طيور تنشر أجنحتها وتطير عبر السماء»، فبرزت في ذهن السمكة الآن، سمكة تنشر زعانفها طائرة في الهواء، ثم «وكانت هناك سيارات تتدحرج على أربع عجلات»، وهنا برزت في ذهن السمكة الصديقة سمكة على أربع عجلات تتدحرج..».
ويتساءل وي- لم، بعد أن يسرد هذه الحكاية التي أوردناها مختزلة؛ ماذا تقول لنا هذه القصة الرمزية؟ ويجيب؛ إنها تعرفنا بعدد من قضايا مترابطة ذات علاقة بالنماذج ووظيفتها في كل الإنشاءات الذهنية. إن كل المفاهيم، سواء كانت ابتكاراً أدبياً، أو تربوياً، تنتج بوعي أو بلا وعي عن نوع من نموذج ما، وعلى هذا النموذج تعتمد معظم القرارات المعرفية والتقييمية.
كان على السمكة، التي لم يسبق لها رؤية الناس، أن تعتمد على نموذجها، النموذج الذي تألفه أكثر، في إنشاء مفهومها عن الكائنات الإنسانية. بهذا المعنى، أي نموذج هو نشاط إنشائي يمكن أن تتخذ مواد في المتناول بوساطته شكلا وتتلاءم معه. ويمكن أن يُلحظ مثل هذا النشاط بطريقة أفضل في طريقة تأثير أسلوب أدبي على الشاعر والناقد. فحين يتعامل الشاعر مع قضايا وجودية عليه أن يسعى نحو شكل يعرض هذه التجارب، إلى استراتيجيات جمالية وتقانات تقبض على أساسيات هذه التجارب. وحين لا يستطيع النموذج المتبنى استيعاب مواد تجربة وجودية سيقوم الشاعر بتعديل أو تحويل النموذج. وعلى الناقد أيضاً، حين يتعامل مع عمل فني، أن يدخل في عملية هذا النشاط الإنشائي، فيعرف النموذج المتبنى قبل كل شيء، ويفهم أسلوب الانتقاء والتركيب الذي يستخدمه الشاعر قبل أن يتعاطى مع فاعليات القصيدة.
وفي المقابل، يمكن أن يتسبب اختفاء نموذج في ظهور نتائج مقيدة أو خاطئة أحياناً. كما هو الحال مع حكاية السمكة الرمزية؛ كانت صورة الكائنات الإنسانية مشوهة، ونحن نعرف أين أخطأت السمكة؛ لقد حصرت تصورها للكائنات الإنسانية في حدود نموذجها هي، ولم تكن واعية أن الإنساني مختلف اختلافاً كلياً.
___
*الخليج الثقافي

شاهد أيضاً

كيف نقاوم وباء التضليل الماحق؟

*حبيب سروري تناولت، في مقالي السابق، إحدى مصائب عصرنا التكنولوجي الجديد: “ما بعد الحقيقة”، وشكليها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *