الرئيسية / إضاءات / المرأة هوس المخيال العربي الإسلامي

المرأة هوس المخيال العربي الإسلامي

*أبو بكر العيادي

حديث المفكر السوري عزيز العظمة لم يفقد راهنيته، ولولا إشارة الأستاذ نوري الجراح إلى تاريخ إجرائه، أي منذ ربع قرن، لخلنا أن الرجل يدلي به الآن. ربع قرن من الزمان، لم يفلح خلاله العرب في تحقيق نهضتهم المنشودة للحاق بركب الحضارة، ولا في جعل الحلم الذي راودنا جميعا، حلمِ الوحدة العربية، واقعًا ملموسا. بل إنهم انجرّوا، منذ اندلاع ثورات الربيع العربي، إلى منزلق لا تلوح لانحداره نهاية. هو ارتداد على شتى الأصعدة، وانهيار حضاري شامل لعب في تكريسه ”الإسلام السياسي” الدور الأكبر، وتفرق العرب أشتاتا إلى شعوب وقبائل وجهات وعرقيات، وانتماءات عقدية وحزبية متصارعة، وتهاوى حلم الوحدة إلى الدرك الأسفل من الوجود التاريخي، وتصدرت المشهد حركات إسلامية رجعية استطاعت في ظرف وجيز أن تدمّر ما تحقق من إنجازات، وتقوّض ما تجسّد من مكتسبات، وتحوّل عقيدة التوحيد إلى فتنة، حتى في الأقطار التي كنّا نحسبها متماسكة الهوية، حداثية القوانين، علمانية تقريبا، تحلّ المرأة موقعا متميزا أشبه بنظيرتها في الغرب، عدا بعض الاستثناءات.

اكتشفنا بعد الثورة أن واقع تونس مثلا، كبلد حديث متفتح مسالم يسكنه شعب متعلم ونخب متميزة ومجتمع مدني نشيط وازن، ونساء حُزْن قوانين تضاهي، وفي بعض الأحيان تفوق، ما حققته المرأة في الغرب، لم يكن سوى صورة سياحية، تُعرض على الأجانب، وتدغدغ نرجسية التونسيين. ففي ظرف وجيز، انكشف المستور، واجتاحت الساحة عناصر لم يسبق للتونسيين أن رأوها حتى أيام الاستعمار، إذ نابت عن اللباس والشعارات وخطاب التسامح المعهود والإسلام المعتدل لشعب سنيّ مالكي أشعري، أزياء أفغانية ولحى إخوانية ورايات داعشية وخطاب سلفي تكفيري وجمعيات تدّعي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونقابة أئمة تقاضي المبدعين.

خلال هذه السنوات القليلة، تألّب الإسلاميون، في شتى نِحلهم، على المرأة، فأنكروا عليها مكتسبات تفخر التونسية أنها الأكثر حداثة في العالم العربي الإسلامي، وسعوا إلى إلغاء مساواتها بالرجل لجعلها مكمّلا له، ثم استقدموا أكثر الدعاة تزمّتا ليشرّعوا أنماطا غريبة على المجتمع التونسي منذ الفتوحات الإسلامية الأولى، كختان البنات الذي عدّوه عملية تجميل، وتعدد الزوجات كحل للعنوسة وما قد ينجر عنها من انحراف نحو الرذيلة، ونكاح المتعة وجهاد النكاح، وكلاهما بغاء متستّر بالدين، فضلا عن الزواج العرفي الذي ألغي في فجر الاستقلال. وعمّ الضيق بالرأي الآخر، الذي خال التونسيون أنه رحل مع العهد البائد، وتوالى قذف من يخالف أهواءهم بالكفر والردة والإلحاد والزندقة، مع الدعوة من منابر المساجد التي احتلّوها بالقوة إلى هدر دماء كل خارج عن شرعهم، وملاحقة الفنانين وتدمير المقابر والزوايا والأضرحة الصوفية وحرق ما فيها من مصاحف. ورأينا خروج النساء محجّبات للمطالبة بجعل المرأة مكمّلة للرجل، وتظاهرهن مندّداتٍ باتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) وهي معاهدة دولية تم اعتمادها في 18 ديسمبر 1979 من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة للدفاع عن حقوق النساء في كل مكان.

وتساءل الملاحظون كيف حصل ذلك؟ كيف انخدع هذا المجتمع التونسي المتعلم المتسامح المعتدل، وهذه الشبيبة المثقفة اللامعة في شتى المجالات، وهذه الأحزاب التقدمية، وهذا المجتمع المدني بتقدمييه وجمعياته النسائية المناضلة، حتى يتفوّق عليه إخوان جهلة، ويفتك منهم السلطة متدينون دجالون لا خبرة لهم بتسيير أبسط إدارة، فما البال بتسيير دواليب الدولة؟ وكيف صارت المرأة المتعلمة، تقبل بما يسمّيه إتيان دولابواسي الرقّ الإرادي، وتتنازل عن حقوق ناضل رجال ونساء أفذاذ للحصول عليها، قبل أن تسجل بأحرف من ذهب في مجلّة الأحوال الشخصية منذ فجر الاستقلال؟ وكيف أمكن لأفكار رجعية ظلامية مستوردة أن تتجذر في بلاد سبقت الغرب من جهة إلغاء الرق وعتق العبيد (1846)، وحق المرأة في الإجهاض (1957)، وتميزت عن سائر المجتمعات العربية بإلغاء تعدد الزوجات (1957 أي قبل سنّ الدستور)، وأرست قوانين علمانية أعطت للمواطن ميزات ليست أقلها حرية الضمير؟

قد يرى بعضهم أن المجتمع التونسي قبل الثورة كان مغتربا خاضعا لإملاءات الغرب وأنماط عيشه في الثقافة والهندام والتشريعات، وألاّ تثريب إن أخذ التونسيون اليوم عن إخوانهم في المشرق (مصر والسعودية وقطر) فهمهم للدين وأزياءهم ونمط عيشهم: العمق الاستراتيجي عن الأولى، والفكر الوهابي عن الثانية، والأيديولوجيا الإخوانية مع الدعم المالي واللوجستي من الثالثة. ولكنّ المسألة أعمق بكثير. فقد ذهب بعض المحللين التونسيين إلى القول إن حداثتنا المزعومة تبين أنها مجرد قشرة، تقبع تحتها نواة صلبة لم يفلح المصلحون والحداثيون في تفكيكها أو تفتيتها، فهي في نظرهم حداثة سطحية لم تصمد أمام تأحُّد إسلاموي uniformisation كظاهرة من ظواهر العولمة، ومن ثم أمكن لعملية الزرع أن تثبت، وما انتخاب أغلب التونسيين والتونسيات لحركة النهضة إلا تعبيرٌ عن واقع لم ينجح العهد البائد في دولة الاستقلال والسيادة ولا في دولة العهد الجديد اقتلاع جذوره بالكامل، حتى بعد إلغاء التعليم الزيتوني القديم. أي أن بذور التأسلم كامنة كمون النار في الحجر، فلم تجد الحركات الإسلامية بتفرعاتها الوهابية والسلفية والجهادية صعوبة في خلق الظروف المواتية لعودة المكبوت.

وفي رأينا أن هذا هو ما عناه عزيز العظمة في قوله “إن هناك تمايزا تفاضليّا بين الأفكار السياسية والاجتماعية السائدة في المجتمعات العربية وبين الواقع الاجتماعي المعيش والخطاب اليومي حول المرأة… ومن نتائج هذا التفاوت في وتائر التحول تفوّق نسبي لقطاع السياسة والفكر على قطاع المجتمع″. فالقوانين الإصلاحية التي ظهرت في بعض البلدان العربية فرضها الحاكم، ولكن لم تستفد من تطبيقها إلا النخب العارفة بالقوانين، وفي أقصى الحالات الطبقة المتعلمة من سكان المدن الكبرى، كما في المغرب، حيث طورت “المدونة” نظريا وضعية المرأة، ولكن تطبيقها ظل يواجه صعوبات في غياب تربية توعوية تشمل كل قطاعات المجتمع، وتوفّر سبل نجاحها، لأن القوانين وحدها لا تكفي. أو في تونس، حيث القوانين الواردة في مجلة الأحوال الشخصية في واد، والمرأة البائسة سواء في الأرياف، أو العاملة في بيوت الموسرين بالمدن الكبرى، المقيمة في الأحياء الشعبية الفقيرة، في واد آخر.

أولئك النسوة هنّ من صوّتن لإخوان النهضة، لا عن يقين ديني بل لوعود -كاذبة- بإخراجهن وأسرهن من حالة العوز والتهميش. أو في اليمن، حيث ظلت الإصلاحات الاجتماعية حبرا على ورق، وظل تزويج البنات القاصرات سائدا، لا سيما خارج العمران، ما يعني انقطاعهن عن التعليم في مرحلة مبكرة، وانسداد آفاقهن، وتبدد مطامحهن. فالفتاة في رأي الإسلاميين المتشددين، كما عبّر عن ذلك أحد نواب الشعب من حركة النهضة، لا بدّ أن تتزوج في سن لا يتجاوز الثالثة عشرة، لأن مآلها أن تكون ربة بيت، ولا فائدة حينئذ من مواصلة الدراسة. وهو ما لا يختلف فيه كثيرا عن رئيس حركته، راشد الغنوشي، الذي اعتبر المرأة في كتاباته مجرد كائن تناسلي، لا يصلح إلا للإنجاب.

ثمة حركات نسوية إسلامية، كاتحادات النساء الرسمية، تنتقد التقليد الديني البطريركي وقراءته المسيسة، مثلما تنتقد الأسس الاجتماعية والثقافية للمظالم والميز تجاه كل المحرومين والمهمشين، لا سيما النساء، ولكنها ظلت في عمومها نسويةَ دولة، أي يستغلها هذا النظام أو ذاك لغايات ومصالح سياسية بالدرجة الأولى، ولا تخدم بالتالي قضية السواد الأعظم من النساء اللاتي يعشن أوضاعا اجتماعية واقتصادية صعبة. فالمرأة التونسية في الجهات المنسية لا يعنيها أن تكون مساوية للرجل أو مكمّلة له، فهي تابعة، خاضعة، لا تملك لمصيرها حيلة إلا في السعي ليلَ نهار في الأعمال الفلاحية الشاقة، وجلب الماء والحطب من عيون ماء وأدغال بعيدة، كي تساعد زوجها على عيشة كفاف، لا تعلم مما يُسن من قوانين في البرلمان، وإن علمت لا ترعيه سمعها، لأن البطن الخاوي لا أذن له كما يقول المثل الفرنسي.

من السهل أن نردد مع المفكر السوري أن “سياق المواطنة هو الشرط الأساس لجعل شخصية المرأة العربية تخرج عن سياق معوقات المجتمعات العربية المتقادمة، وتدخل في سياق الحداثة”، ولكن أي مواطنة لنسوة لا يزلن يعشن في مناطق تفتقر لأبسط مرافق الحياة الكريمة، ويتنازلن عن كل شيء خوف التطليق، الذي ليس بعده غير ضياع أشبه بالموت؟ وأي مواطنة ونحن نشهد انهيار البنيان الحضاري والمجتمعي العربي في أكثر من بلد، من ليبيا واليمن إلى العراق وسوريا؟ وأيّ حداثة وأنظمتنا التعليمية على اختلافها لا تنشئ الفرد على المسؤولية بل على تفوق الرجال على النساء؟ وأيّ حرية والمرأة المسلمة، حتى المتعلمة، ترضى لنفسها بضرائر وجواري؟ ألم تقل أمينة أوردوغان، زوجة الرئيس التركي رجب طيب أوردوغان، في شهر آذار الماضي، إن “الحريم مدرسة حياة؟”.

من بين معوقات المجتمعات العربية المتقادمة، ركز العظمة على دور المرجعية الدينية في تكريس وضع متدنّ للمرأة العربية، وكيف أن النصوص الإسلامية قنّنت الدونية الدنيوية للمرأة. وفي رأينا أن الأديان كلها تشترك في اعتبار المرأة قاصرا، لا يحق لها ما يحق للرجل. وإذا كانت المسائل الشائكة في الإسلام تكاد تنحصر في الحجاب والميراث والإجهاض وتعدّد الزوجات والزواج المختلط وقوامة الرجل على المرأة، وإن كان الفقهاء منذ القدم قد تكسرت أسنانهم على صخرة تفسير آيتين أخريين عن جواز ضرب المرأة، ومِلك اليمين، فإن الديانات الأخرى ليست أفضل حالا. فقد ورد في رسائل بولس مثلا أن المرأة ينبغي أن تكون متواضعة، حيّية، خاضعة لزوجها خضوعَها للرب، محجبة عند أداء الصلاة، لا حق لها أن تتكلم في المجالس، وبإمكانها أن تكفّر عن خطيئة حوّاء إذا ما أصبحت أمًّا. أما الرجل فهو ربّ الأسرة، له سلطة تزويج ابنته أو الحفاظ عليها عذراء كامل حياتها. وليس للمرأة في التلمود كبير قيمة في ذاتها، فهي كما ورد في كتاب اليهود فضولية، مِهذارٌ، كسول، غيور، ميالة إلى السحر والعناية بمظهرها الخارجي. وهي تحت سلطة الأب ثم الزوج الذي يحق له تطليقها، ودورها يقتصر على البيت لتكون أمًّا وزوجة، فلا يحق لها أن تكون قاضية ولا شاهدة، ولا أن تتعلم إلا بمقدار. بل يقول صراحة إن الرجل من بني إسرائيل ينبغي أن يحمد الرب لكونه لم يخلقه امرأة. ويقول أيضا: سعيدٌ مَن ذُرّيتُه ذكور، وتعِسٌ من لم ينجب سوى البنات. كذلك هي في الديانة البوذية، فقد جاء في الجواهر الثلاث، كوصايا للملك الذي يريد تسيير مُلكه بحكمة، ألا شيءَ طاهرٌ في جسد المرأة، فهو مليء بالقاذورات ولا يمكن بالتالي أن يرغب في جسد قذر إلا الجاهل والأحمق والمتفسخ. أي أن المرأة، في كل الأديان، ينبغي أن تخضع لسلطة الرجل.

ولكن تلك الأديان قامت بمراجعات جذرية، وبما يطلق عليه بالإيطالية aggiornamento بمعنى التحديث والإصلاح ومواكبة التطور، وسنت تشريعات لا تلغي الدين ولكن تحله حيثما ينبغي أن يحل، أي للطقوس والعبادة، ولا تعتمده في سن القوانين لتسيير الدولة وتنظيم شؤون الحياة. وبذلك أمكن للمرأة في الغرب أن تحوز حريتها وحقوقها كحق الانتخاب والعمل والتصرف في جسدها كما تهوى، ليس للإنجاب وحده وإنما للمتعة أيضا. واعترف لها المجتمع بأنها ذات عقل قادر على التمييز والتأمل، والتفكير الذاتي، حتى وإن كان داخل جسد يثير الرغبة. واكتسبت حقها في اقتحام مختلف المجالات فضلا عن مواصلة إنجابها الأطفال وتربيتهم.

مثل هذا التحديث لا يزال في العالم العربي والإسلامي منذ أكثر من قرن بين تقدم محتشم، ونكوص احتدّ مع اندلاع الثورة الإيرانية، ثم بلغ ذروته مع ظهور دعاة الفضائيات، وانتشار خطاب سلفي راديكالي يرى في العودة إلى الأصول الأولى تأكيدا للهوية، وتأصيلا لمجتمع الصفاء والنقاء، وعادت قضية المرأة لتحتل جدلا عقيما لا ينتهي، وعادت حركات النكوص الاجتماعي وعلى رأسها حركات الإسلام السياسي لتجعل من المرأة ومن السيطرة عليها عنوان السوية الاجتماعية والصحة المجتمعية وعنوان الوفاء للتراث وللجماعة المتخيلة، على حدّ تعبير العظمة.

ومهما تعددت التأويلات والقراءات، فإن قضية المرأة لا تزال رهينة ثلاثة إرغامات، كما يقول المفكر الجزائري مالك شبل، هي الآيات القرآنية التي لا تخدم مصلحة المرأة، والفقه السلفي الذي يفرض قراءة رجعية لتلك الآيات، ومخيال الجارية الذي يوهم بتقديم تبرير تاريخي وأيديولوجي لفكرة دونية المرأة العربية الإسلامية ثقافيا.

لقد وقفت القراءات الحديثة على خلل جوهري في الفقه الإسلامي الكلاسيكي يتمثل في تهميشه طوال قرون البعدَ الإيثيقي اللازمني للقرآن، لصالح قراءة فقهية ظرفية تجاوزها الزمن، حتى أن المكاسب التحديثية للقرن العشرين، كحقوق المرأة، تراجعت بأثر عودة المكبوت بشكل خطير، وتحركِ السلفية بعدوانية تجنح من خلالها لحبس المرأة، وفصلها عن حقوقها الإنسانية الأساسية. وإذا كان بعض المفكرين، مثل المغربية أسماء المرابط، يرون ألاّ حل لمسألة الإرث والحجاب وتعدد الزوجات إلا بتفكيك القراءة الدغمائية والبطريركية التي تعطل كل الفكر الإسلامي، أي تفكيك الأرثودوكسية الإسلامية باستعمال منطقها نفسه؛ فإن آخرين، مثل التونسي يوسف الصديق، يرى وجوب تقسيم القرآن إلى سور مكية ذات محمل روحاني تنشر قيما إنسانية صالحة لكل زمان ومكان، وسور مدنية ذات مرجعية تاريخية لمرحلة السياسة والسلطة والتحالفات، يُكتفى باستعمالها في التلاوة. وبذلك يمكن تجاوز الآيات الخلافية، كالإرث وتعدّد الزوجات وقوامة الرجل على المرأة وما إلى ذلك، ولكن هذا مطمح طوباوي عسير المنال في شعوب تغلغل في أعماقها الوازع الديني منذ خمسة عشر قرنا.

مقاربة أخرى تجتهد في بيان وجوه الارتباط السببي بين وقائع التاريخ المعيشة وانسياب آثارها في الوعي وما تحت الوعي الجمعي، وفي الأبنية الثقافية حتى يفضي تراكمها إلى التفريط في المبادئ السامية، كما جاء في حديث أدلى به المفكر التونسي حمادي بن جاء بالله لإحدى الصحف العربية، والمبدأ هنا، كما يقول، هو رد “اللامعقول” الاجتماعي والسياسي إلى “المعقول” الديني المتعالي اللاهوتي أو الفلسفي. وهذا الضرب من المقاربة يفضي بطرق شتّى إلى تأثيم الحاضر وإدانة التاريخ لتبرئة الدين والحضّ على العودة إلى “منابعه الصافية”. وينتهي بالمجتهد إلى وضع الواعظ العاجز. ومن ثم فإن المحتكم إلى النصوص، كما يقول العظمة، هو رديف ضمني لهيمنة الإسلام السياسي. وفي رأينا أن الحل لا يكون إلا بإقرار العلمانية، التي غالبا ما تُفهم على أنها نفيٌ لوجود الله فيما هي تصورٌ لتنظيم السلطات العمومية. يقول المفكر التونسي رضا الشنوفي في كتابه “تونس الدين أو الدولة” إن “الفصل بين التيولوجيا والدولة ضمانة إجرائية ضد استبداد الأشخاص الطبيعيين”، (والإسلاميون بشتى فرقهم وتنظيماتهم مستبدون)، لأن “الخلط بين التيولوجيا والدولة يؤذي الدين فيَفقد روحانيتَه، ويؤذي الدولة فتفقد حيادَها”.

ولا نوافق ما ذهب إليه العظمة من تمثل العربي للمرأة كجسد مكتنز يفيض بالشحم واللحم، جاهز لإشباع نهم الرجل، فتصوّر المرأة المثال جسديا يختلف من عصر إلى عصر، ومن شاعر إلى شاعر، فإذا كان المخضرم كعب بن زهير يقول في قصيدته المعروفة بالبُردة:

هَيفاءُ مُقبِلَةً عَجزاءُ مُدبِرَةً ** لا يُشتَكى قِصَرٌ مِنها وَلا طولُ

ثم جاراه قيس بن الملوح، من فجر الإسلام، حين أنشد:

فقلت لها مُنّـي عليّ بقبلةٍ**أداوي بها قلبي فقالت تغنُّـــــــــجا:

بُليتُ برِدْفٍ لستُ أستطيع حَملهُ**يُجاذب أعضائي إذا ما تَرجرجا

فإن المرأة تبدو ضامرة البطن دقيقة الخصر عند الجاهلي امرئ القيس في قوله:

مُهَفْهَفَةٌ بيضاءُ غيرُ مُفَاضَــةٍ**تَرائِبُهَا مصْقُولةٌ كالسَّجَنْجَـلِ

وهي كذلك لدى بعض شعراء العصر العباسي كقول عبدالسلام بن زَغْبان الملقَّب بديكِ الجنّ:

ومَعْـدُولةٍ مَهما أمـــالَتْ إزارَها**فغُصْنٌ وأمّا قَــــــــدُّها فقضِيبُ

بل إن منهم من تَغزّل بِحِسانٍ سُود. سُئِلَ أبو حاتَم الْمَدَني: كيف رغِبْتُم في السواد؟ فقال: لو وجدْنا بيضاءَ لَسَوّدْناها، وأنشَد:

يكونُ الْخــــــالُ في خـدٍّ قبيحٍ**فيَكْسُوهُ الْمَلاحَةَ والجَمالاَ

فكيفَ يُلامُ ذو عِشْقٍ على مَنْ**يَراها كُلَّها في الْخَدِّ خـالا

ولكنهم يلتقون في معظمهم حول الفحولة العربية المزعومة، وهيمنة الرجل على المرأة، يستوي في ذلك شاعر من العصر الأموي هو الفرزدق في قوله:

ثَلاثٌ واثنتان فَهُنَّ خَمْسٌ**وَسادِسةٌ تميل إلى شِمامِي

دُفِعْنَ إليّ لم يَطمثهنّ قَبلي**وهنَّ أَصحُّ من بيض النَّعامِ

فَبِتْنَ بِجانِـــــبِيَّ مَصرَّعاتٍ**وبتُّ أَفضُّ أَغلاَقَ الخِتاَمِ

كأَنّ مَغالِقَ الرّمّـــان فيه**وَجمرَ غضًى قَعدْن عليه حَامِ

وشاعر من العصر الحديث هو نزار قباني في قوله:

ليس لك زمانٌ حقيقيٌّ خارج لهفتي

أنا زمانُك

ليس لك أبعادٌ واضحة

خارجَ امتدادِ ذراعي

أنا أبعادُك كلُّها.

ثم إن العرب في تمثلهم لجسد المرأة لا يختلفون عن سائر البشر، وحسبنا أن نتأمل مفاضلة الشعوب الأوروبية لهذه السمة أو تلك عبر تاريخها الفني. ففي العصر الوسيط كانت المرأة المثال حورية ذات كتفين عريضتين ونهدين صغيرين، متينين متباعدين، وخصر ضامر مع ردفين حسيرين وبطن قليل البروز، ثم صارت في عهد كاترين دوميدسيس لحيمة شاحبة السحنة ذهبية الشعر. وفي عصر النهضة، كما في لوحات بوتّيتشيلّي وروبانس، تحولت إلى ما يشبه جمالا من المرمر، حيث صلابة الساقين والفخذين واتساع الحوض وثقل النهدين وبياض البشرة. وفي القرن الكلاسيكي، أي القرن السابع عشر، صارت البشرة اللبنية والصدر الوافر والذراعين الممتلئتين مع خصر تجهد النساء في شدّه بمُخصّر رمزا للجمال. وفي عصر الأنوار عاد تمثل المرأة إلى شكل أقرب إلى الطبيعي، أي حوض أعرض من الكتفين مع تغطية الرأس ببرّوكة. بعد الثورة الفرنسية كان المثال مشخصا في لوحة دولاكروا “الحرية وهي تقود الشعب” حيث الحوض الخصب، والثدي الممتلئ، والذراعان القويتان. ولم يظهر الشغف بالجسد المشبق إلا مع ظهور السينما ونجومها، حيث بات التشبه بهن هوسا اجتاح العالم. ولعل الصورة الغالبة في آداب الأمم حتى النصف الأول من القرن العشرين، حتى المتقدمة منها، مزدوجة: شطرها الأول ميال إلى القوة والمتانة للإنجاب والمساعدة في الأعمال الفلاحية، ويُشترط في من ستكون زوجة؛ والشطر الثاني هيَفُ قدٍّ ورشاقة ومشاقة تختص بها العشيقة، يفعل معها الرجل ما لا يجوز له فعله أخلاقيا مع زوجته. على غرار ثنائية الحرائر والجواري عند العرب.

ومن التعسف، بدعوى الانتصار للمرأة، أن نزعم أن صورتها ثابتة، لا من جهة الجسد ولا من جهة السلوك. فلئن كانت وقائع التاريخ تزخر بسير نساء عظيمات خالدات، فإنها تطفح أيضا بضديداتها الشريرات المتواطئات الساعيات إلى التخريب. تماما كفئات من الرجال، لا تختص النساء بالسوء وحدهن، وتلك سنة الله في خلقه. ولكن الفرق بيننا، نحن العرب، وبين الشعوب الأخرى أننا لا نبرح ثنائية مانوية تنزّل المرأة في الناحية الأسوأ، لتلقى على عاتقها كل الذنوب، تعنتا وجهالة، وترمى بالظنون كلما غادرت الصورة التي رسمها لها المجتمع البطريركي المترهل، حتى تظل مقموعة فعليا ورمزيا، ولا مجال للخروج من هذه المطلقية إلا بالتوعية، ومقارعة الدجل الديني، فمقاومة الجهل لا تكون إلا بالعلم، ومقاومة الفكر الراديكالي المنغلق لا تكون إلا بتكوين الفكر النقدي، ومقاومة انتشار ثقافة التحريم التي تروجها الفضائيات والكتب الصُّفر لا تكون إلا بنشر ثقافة الحرية.

كاتب من تونس

________
“الجديد” الشهرية الثقافية اللندنية

شاهد أيضاً

العرض الكوريغرافي “توحشّت” لــ ثريا بوغانمي .. من واقع المرأة التونسية إلى كونيّة الهمّ الإنسانيّ

خاص- ثقافات *جمال قصودة المكاسب التي حققّتها المرأة التونسيّة ، ليست مكاسبا مسقطة على واقعها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *