الرئيسية / خبر رئيسي / تآخي اللون بين الروح والطبيعة

تآخي اللون بين الروح والطبيعة

*خلود شرف

“لغة الربيع” هو عنوان المعرض للفنانة الشابة فتاة بحمد الذي قدمته في “آرت سبيس الحمرا” بشارع الحمرا/ بيروت، والذي تنقل به بحمد طبيعة لبنان الخلّابة التي تتسرب عبر المسام لتخرج كانطباعات لونية متعددة.

 سيميائية العنوان هي أولاً عتبة لأسلوبية الفنانة مواليد 1973 التي عاشت الحرب الأهلية اللبنانية فرحلت مع أسرتها لتعيش في الجنوب فكانت ردة فعلها على القبح هو زخم مذهل من الجمال التطريزي اللوني، ثانياً هو اختزال لطبيعة المكان الذي استقت منه بحمد جماليتها والتي عندما لوّنت صارت مثله لغة ربيع، ثالثاً يتقاطع العنوان مع حلول فصل الحياة للأرض، هو نفسه فصل عشتار وابنها تموز في رحلتهم الدائمة إلى الجمال. وبهذا مهدّت الفنانة لمعرضها الفردي الخامس.

بحمد ترسم بروح شفيفة غير محدودة، كأنما تسحب الخطوط من الأشكال لتنساب بحرية على جسد اللوحة صائغة بها حالة من الوجود البهيّ دونما قيود. بحالة لونية نَظِرة تبتعد عن الطبيعة لتلاصقها فلا تنفصل عن نضرة الربيع المتمسكة بالحياة والتجدد. فنجد في لوحاتها انطباعات لونية قد نراها بالطبيعة بشكل بسيط تتضمن الزهور الربيعة لكنّها اجتمعت باللوحة بكثافة لونيّة غزيرة منفلتة من الشكلانية التكوينية معطية تجسيداً خفيفاً لماهية المادة قبل ان تنقلها إلى اللوحة.

في هوس الحداثة والابتكار والتمرد على اللوحة والقماش والورق، نجد أن فتاة بحمد متمسكة باللون وبالبساطة، فهي تنسجم مع اللوحة بروح ذائبة، وتُخرج تفاصيل المتلقيات من الطبيعة على شكل ألوان مُحبة للحياة لتحييها من جديد. مستعيرة شيء من روح فان غوخ لكن بأسلوبها الخاص، وكما أنها متأثرة بأسلوب يمزج بين الانطباعية والتجريد، بحالة فلسفية تأملية لتؤدي بها رسالتها الفنية. وتستخدم الفنانة ألواناً زاهية لا تشبه حالات الفوضى التي تعيشها البشرية، بالإضافة لضوء لافت وغنيّ، كأنما هي حالة تنبلج من اللوحة لتختصر الزمان والمكان فتعطي انطباعاً بالراحة.

في إحدى لوحات بحمد ثمّة خلفية بيضاء غير صافية يلعب الظل دوراً لإعطاء العمق لها، والمفاجئ إنّ الظل فيها هو عبارة عن ألوان زاهية من درجات غامقة، فقلّما نجد الأسود في لوحات بحمد إلا إذا كانت قلباً لوردة ربيعية أو أفقاً بعيد. ضربات لونية تعطي انطباع العشب على انساق متوازية متمايلة باللون الأبيض، كأنها إحساس يد تمرّر شعورها على جسد المادة إلى أن تصل إلى لطخات حمراء أول ما تلتقي بها العين؛ هي تجسيد لشقائق النعمان، هذه الزهرة التي تكمن بها روح الحياة الرقيقة كجناح فراشة بشفافية الحضور اللوني، حيث تعرف هذه الوردة كيف تعلّم الضوء أن يشعر بماهيته وبوجوده ليعشق نفسه. ونجد في أعلى اللوحة خطوط منحنية بعبثية رقيقة، تفرّغ اللون بجمالية عشوائية لطيفة منسجمة مع البنية العامة لروح المعرض.

حالة شعورية لونية عفوية تجمع اللوحات بسيمة انطباعية مشتركة وهو الربيع الذي لا ينفصل عن معرض الفنانة السابق بعنوان “زهور” يشتركان بروح واحدة وماهية لونية متحررة بدرجات لونية متغايرة وبسماكات وعلاقات لا توجد سوى بخيال الفنانة لكنها تحاور المادة الموجودة في الواقع حسب شغفها باللون لتطبعه على القماش، وباعتبار إن الطبيعة غنية بالألوان نجد أنها تلبي حاجة الفنانة الزخمة للتلوين، فهي تنقل مشهدية حاضرة بانسجام وتآلف وهذا ليس غريباً على طبيعة لبنان الخلّابة.

تنقل بحمد حديقة منزلها أيضاً إلى اللوحة، فلا يقتصر الربيع على فصل واحد أو مكان واحد عندها، إنما هو ممتد من قلبها ليملأ كل الأماكن التي تتواجد بها الفنانة، رغم أن العنوان لغة الربيع لكنها تسحب الألوان من الربيع لتصبغ العالم الذي يحيط بها حتى في طاولة البيت،  فهي ترى بعين مغايرة؛ اندماج لوني يخرج من نقطة ليدخل بنقطة أخرى وكأنه تطريز رقيق على القماش، ألوان تتصاعد وتلتف لتشكل أغصان وزهور وحالات لونية لانطباعات نفسية وانعكاسات تتكاثف وكأنما هي مرآة لا يعرف المتلقي من يرى من خلالها طبيعة الفنانة الشفيفة أم الطبيعة الأم.

الفنانة المضيافة تدعونا بحديقتها في لوحة أخرى إلى فنجان القهوة الصباحي مع ركوة نيلية وصحن فاكهة مع زهور قطفتها من الحديقة، بحمد تنقل بساطة حياتها ليراها الجميع من خلال روح غنية بالحب.

ونجد في لوحة أخرى تجسيد لموجودات المنزل، روح البساطة بخطوط عفوية تنفي العقلانية وتحضر العبثية الطفولية، لكن الظل يعيدها إلى الواقع بلعبة لونية فنية، ثمّة محاورة رشيقة بين حيات الفواكه أمام ابريق الشاي الأزرق الذي يطبع ذاكرة قديمة ودافئة على طاولة تلتصق بها الكرسي.

 فتاة تكرر نفس الموضوع تقريباً في معظم أعمالها لكنها تكاثف تجربتها في كل مرة لتكوّن طبيعة متعددة لأن الاستقاء الأساسي لها هو التنوع، وهذا ما نجده متبلوراً في لوحاتها. كحالة تنقل الانطباعية الوجودية إلى حالة شعورية بصرية فنية شعرية.

درجات الباستيل البنفسجي البرتقالي والأحمر والأبيض، مع قليل من النيلي الذي يجسد المعادن القديمة، والضربات اللونية للأخضر هو عالم الفنانة التي تشفّ جو القرية الحميمي المتآخي بعفوية، مزيج عارم من الألوان المبهجة بعيداً عن العتمة. هو عالم بحمد تقدمه لنا في معرضها الحالي.

___
*المصدر: الإمارات الثقافية.

 

شاهد أيضاً

عمّان… منتدون يناقشون “أدب الطفل” ومفاهيمه وأدواته

ناقش منتدون، مساء الخميس 19/10/2017،  “أدب الطفل” ومفاهيمه وأدواته وآليات تنمية الموهبة لدى الأطفال وذلك …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *