الرئيسية / خبر رئيسي / جائزة نوبل إهانة لأولئك الذين ليسوا في بقعة الضوء

جائزة نوبل إهانة لأولئك الذين ليسوا في بقعة الضوء

*عمار المأمون

  • لا تحوي الكتابة أي خلاص لمن يمارسها، هي محاولة لملء الفراغات في هذا العالم، مسافة بسيطة يأخذها المرء عن ذاته عله يُنظم فوضى ذرات الكون، هي سعي دائم للتقنين، أمّا لذّة البناء التي تحويها فليست إلّا وهماً بالسيطرة، يمكن لأيّ نشاط آخر أن يحققها، كالنجارة أو شقّ الطرقات، وأحياناً تكون الكتابة خيار الأشقياء، لا الطامحين إلى التغيير، بل من يراقبون خراب العالم واحتراقه، هم مهندسو الانهيار تاركين متعة التحطيم للجاذبيّة، وبأنانيّة يصادرون متعة احتقار ما يتهاوى.

    يقول الكاتب السوري راهيم حسّاوي إن الكتابة فعل طارئ في حياته، هي مرحلة يمكن أن تنتهي في أيّ لحظة، هي ليست هدفاً ولا سعياً لتحقيق مجده الشخصيّ، مع ذلك، ما زال حسّاوي يكتب، بعد روايته “الشاهدات رأساً على عقب”، صدرت هذا العام لحساوي عن دار نوفل-هاشيت أنطوان رواية “الباندا”، التي يتتبع فيها مسيرة عائلة مصابة بلوثة من جنون، فعاصم التل وأخته سعاد وابنه عمران أشبه بلاعبي خفّة سقطوا، متمسكين بحبال أصواتهم، يقاومون الصراخ، هم مروضو الظلّ، أولئك الذي سلّموا بخراب العالم، ولم يبق لهم سوى السخرية من زيفه، وأبسط الأفعال فقط هي تلك التي تمنعهم من الصراخ أو الانتحار، إذ يمكن لرسالة أو ضوء تسلل من نافذة أو حتى قبلة خاطفة أن تغيّر كل شيء.

    جينات الخراب

    عمران التل رغم ثروته مازال يمارس مهنة النجارة التي ورثها عن والده عاصم التل، الأخير الذي انتحر برصاصة في رأسه نقل لوثة الجنون إلى ولده، فعمران يهندس خراب العالم، هو يتأمل من حوله ويصمم أدوارهم، كالأبواب التي يصنعها بوصفها عتبات للعبور، فعمران يمهّد للسقوط، يصنع أبوابا نحو الهاوية، يوزعها على من هم حوله، وخصوصاً فريدة الأسعد، تلك التي حولها من عاملة بسيطة في ورشة إلى ناشطة عالمية في حقوق المرأة، لا لشيء، فقط للسخرية من هذا العالم.

    هو يريد لها أن تحصل على جائزة نوبل للسلام كي يسخر من الجائزة والنظام المرتبط بها، فعمران اطّلع على أوراق والده التي ألّفها، تلك التي كتب فيها عاصم التلّ عن تفاهة جائزة نوبل للسلام، بوصفها إهانة لأولئك الذين ليسوا في بقعة الضوء، هي احتفاء بجهود فرد وتهميش للآخرين، وكأن الحصول عليها سخرية من أولئك الذين لا نعرف أسماءهم، أن انظروا ماذا فعل هذا لأجلكم أنتم القابعين في الظلام، هي تستثني جهودا جبّارة لأشخاص لم يذكرهم التاريخ، وهذا ما أراده عمران التلّ، السخرية من العالم وتاريخه.

    راهيم حساوي يعلم حين يكتب أنه لا يمكن استبدال هذا العالم بعالم آخر، مقابل هذا الوجود هناك عدم غير قابل للقياس، ففي البداية كان اللاشيء، ثم حصل ما حصل، كتل من بشر تتبعثر في كل مكان، فالرواية تدور أحداثها في ثلاث مدن، دمشق وبيروت وباريس، العلاقات بينها هشّة قائمة على مصادفات أو حبّ قديم لم يتحقق، كعلاقة شادن مع عشيق لها ومراسلتها مع فاتن حمامة، ووقوع هذه المراسلات في يد عاصم وانتقالها إلى ابنه الذي انتهى به الأمر إلى علاقة غرامية مع كلودين، ابنة شادن من عشيقها ومحبوبة عزّام، أو صدفة لقاء عمران بسارة الزين، الفنانة المبتذلة التي حولت مكتب عاصم إلى مرسم.

    هذه السلسلة من العلاقات محكومة باندفاعات عاطفيّة نحو المجهول، هي محاولات لصد رعب الفناء، ونجّار جسور هذه العلاقات هو عمران التلّ، هو يراهن على الفراغات والصمت المتقطّع، فهو يعي أن ما يحصل أمامه ليس إلا ألاعيب بسيطة لالتهام كثافته، إذ يرسم حدودا واضحة مع الآخرين، ينظّم رياضيات انفعالاتهم، يرسم من أَحبته على الباب تاركاً أثرها فقط، كالموت، لا يترك وراءه إلا آثار الغياب، كأريكة والده ومكتبه، والبئر التي التهمت جدته وستلتهم عمته لاحقاً، هي لوثة الجنون، لا داعي إلى عوالم أخرى، فقط التمتُع بأدق التفاصيل، ككسر البيضة الذي كان يدهش عاصم، وإناء يدور في دلو تملأه المياه أمام دهشة عمران الذي يتأمل الإناء و”كأن الشعر سينقرض يوماً ما من الدواوين، ولا يبقى منه شيء سوى مثل هذه الأشياء التي تحصل دون تدوين”.

    كتل من الكراهية

    تحضر في الرواية كتل من الكراهية، تكوينات مائعة من منها تنساب في الفضاء، وكأن الشخصيات تسبح في رحم كبير أمنيوسه الكراهية والحقد، حركاتها بطيئة، تتناهى حد القتل المؤجل، وخصوصاً لدى آل التلّ، الموت دائماً يحدق بهم، أنفه يلتمس أنف كل واحد منهم.

    تمتد هذه الكراهية نحو الآخرين، هي كراهية عميقة لا تعبّر عنها الكلمات، أفعال يوميّة وبسيطة تعكسها، ككراهية سعاد لرحاب، وكراهية فريدة الأسعد لزوجها المقعد، وكراهية عاصم وعمران لجائزة نوبل للسلام وممارسة هذه الكراهية في سبيل فضح الرياء، فكما اشترى عاصم مسدسا، كان لعمران فريدة الأسعد، كلاهما وسيلتان لاغتيال العالم، إذ لا بدّ من قتل يفضح العيب الجوهري في هذا الوجود.

    رواية الباندا أشبه بنص عن عقم العالم، سخرية من انهياره، كالباندا، واضح بألوانه، ومهددٌ دوماً بالانقراض، ولا بديل عنه، لا يمكن استبدال الكراهية بغيرها، فلم لا نتأمل هذا الانهيار، لم لا نترك للزوال كل مداه، فكما تأمّل عاصم التلّ السماء قبل انتحاره وكما تأمل عمران إناء الماء في الدلو وهو يدور، لنسلم بأن “الموت والفوضى حقيقتان من صلب الوجود والعبث الحقيقي هو محاولة لتنظيم هذا الموت والتخلص من الفوضى بأشكالها كافة التي يرى البعض أنّها كارثة كبرى كما كان يرى ذلك عاصم التلّ ومن بعده عمران”.

    ______

    *العرب

شاهد أيضاً

ثقافة التأمل الخلَّاق

*محمد الأسعد ينبّه الفيلسوف الفرنسي «موريس ميرلو – بونتي» (1908- 1961) قرَّاءه إلى «أن الصمت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *