الرئيسية / إضاءات / محمد بنطلحة..جسد اللغة المائل وكتابة النسيان

محمد بنطلحة..جسد اللغة المائل وكتابة النسيان

*أحمد العمراوي

الجبال

والسفن

حينما عطست ارتطم بعضها ببعض

واختفت من الأفق

اختفت كلها

اختفت تماما ” (محمد بنطلحة قليلا أكثر ص : 38)

” حاليا

أجسادنا رسائل

والليل ساعي بريد” ( محمد بنطلحة، ليتني أعمى ، ص : 293)

هل يجوز الحكم على معنى ما بكونه صحيحا؟ ما هو المعنى الصحيح؟ وما هو المعنى الخاطئ في الشعر الجديد؟

 يكتب الشاعر قصيدته لإمتاع الآخرين إيجابا أو سلبا. هذا افتراض تقليدي معروف ومتداول منذ المدح والهجاء والرثاء في الشعر العربي القديم. إلا أنه مع القصيدة الحديثة أصبح متجاوزا. فلِمَ يكتب الشاعر إذن؟

كنا نتساءل سابقا: ما المعنى الذي تتضمنه قصيدة معينة؟ ماذا يريد الشاعر أن يقول؟ إذا احتفظنا بجدية هذه الأسئلة فسنكون في ورطة مع الشاعر محمد بنطلحة. ورطة مقصودة أساسها قلب الأدوار والتكسير والإدهاش والخلخلة. خلخلة الجاهز. ولذلك فهي كتابة مستقبلية لأنها عارية متخلصة من قيود الماضي والحاضر معا. لأنها تحسم مع كل المسبقات المرتبطة بالذاكرة ومع الحاضر المنقول بشكل مباشر للذهن.

 أظن أن علينا أن نوجه السؤال انطلاقا من التلقي نحو ما يلي: لم يكتب الشاعر هكذا؟

 إن الجواب عن سؤال من هذا النوع يقتضي بعض التريث، خاصة إذا صدر من شاعر آخر يكتوي بنار الحرف ولوعة اللغة وحرقة الخيال. لنحاور مكتوب الشاعر إذن انطلاقا مما يلي:

1 – من البحث عن المعنى إلى خلق المعنى الجديد

في كتابه الماء والأحلام، يفصل غاستون باشلار العلاقة بين الماء والأحلام لدى شعراء وكتاب متعددين من زاوية خاصة رغم انتمائها للتحليل النفسي. يتحدث في البداية عن الخيال المادي والخيال الصوري ويعطي أهمية قصوى للأول باعتبار أن المادة هي رسم في الذهن، فالحلم، فتحويل للغة والكتابة الشعرية.

 الصور تتلاطم في ذهن الشاعر، ثم تنتقل بشكل آخر إلى ذهن القارئ، والنتيجة هي التوريط. كل شاعر كبير يسعى بكل الوسائل لجرك جهته ليورطك في عالمه ولكن أيضا ليتداخل معك في عالمه، وبشكل معقد يحدث التغيير المطلوب. وتغيير الرؤى وخلخلة القناعات والإثارة والشغب واللعب الهائل هو ما يسعى له كل شاعر عظيم ومتمرس. وهذا ما يقوم به محمد بنطلحة. ونقترح لتوضيح هذا التلقي في قصيدة محمد بنطلحة الخطاطة التالية ( من اليمين إلى اليسار بالتتابع ):

الصورة ــــــــــــــــــــــــ الرؤية ــــــــــــــــــــ الرؤيا  ـــــــــــــــــــــــ اللغة ــــــــــــــــــــــــــــــــ المتلقي.

    هذه العملية تتم بشكل معقد لدرجة أن تفكيكها يبقى مقاربة نسبية بما أنها تمس النفس الإنسانية التي لا تتشابه، بل ولا تشبه اللحظة منها لحظة أخرى. ولتوضيح مقترح الشاعر الجديد في بث قصيدته نقترح الخطاطة التالية بالنسبة للمتلقي( من اليمين إلى اليسار بالتتابع ):

  المتلقي ـــــــــــــــــــــ العين ــــــــــــــــــــ الذهن ــــــــــــــــــــــــ التصور ــــــــــــــــــــــ البحث عن معنى ـــــــــــــــــ خلق معنى جديد.

   إنه البعد الثالث في الشعر إذن. قد يكون المعنى معروفا بين الملقي والمتلقي سلفا انطلاقا من نوعية هذا المتلقي، ولكنه مع محمد بنطلحة يحدث تعبا وإتعابا مقصودا للقارئ المتلقي مهما كان نوعه. تعب ممتع لأنه يجعل من المتلقي خالقا لمعنى جديد.

   في الصفحة 38 من “” قليلا أكثر يقول محمد بنطلحة:

    الجبال

     والسفن

     حينما عطست ارتطم بعضها ببعض

    واختفت من الأفق

   اختفت كلها

    اختفت تماما”

عطسة واحدة تكسر الجبال. هي شرارة اللغة أو فلنقل هو الانفعال الضروري المبرد لجمر الشاعر المحرق وهو أقل ما يقال إذ في العطسة يتعطل كل شيء، يتوقف القلب لحظة أقل قليلا من القليل نفسة.

 ويضيف هذا الفعل الهائل الموجه للقارئ من ثم للشاعر نفسه:

     تخيل

ما الذي ستتوقعه في تخيلك الهائل لن يخطر على بالك القادم المدهش

    تخيل

    من جديد، من جديد أول من شعر

    بالهزة

    سمكة أبريل

 تخيل وأوّل ما تشاء أيها القارئ واخلق معانيك بعد أن تقف على كل كلمة، ولن أتركك تتوقع نهاية لتخيلي لأنني أريدك مرتفعا عن ذاتك، حالما، ولكن أيضا مشدودا من خلال ذلك لأرض الناس.

 كم لفظا ينتمي لحقل الخيال والتخيل دلاليا في كتابة محمد بنطلحة؟ وكم لفظا يدل على الماء؟ لا نكاد نجد إحصاء دقيقا لأن كل كتابة الشاعر تسير في هذا الاتجاه: الماء والأحلام. إذا أضفنا حقول النبيذ، وهو ماء أيضا، وأضفنا اللغة ثم الرماد فقد نصل إلى ما لا نهاية له من التأويلات المرتبطة بالأصل الأول للكون والطبيعة، ممثلا في العناصر الأربعة: الماء، الهواء، التراب والنار. أي الماء: النبيذ، ثم اللغة: الهواء، والتراب والنار: الرماد . ودون تعسف سنشتشف من غير عناء سيطرة الماء على كون الشاعر اللغوي.

 إنه المتخيل الهائل الذي يجعل الشاعر فاقدا لمقود كلامه ليتركه للقارئ. ففي منتصف ديوانه قليلا أقل نجد قصيدة: لماذا أتأتئ ؟ ( من ص: 38 إلى ص: 40 ) قصيدة تتكون من 35 سطرا . يمكننا تقسيمها إلى خمسة مقاطع :

1)    عطسة تهز الجبال والسفن

2)    سمكة أبريل تشعر بالهزة

3)    الحلم الموقظ من العطس

4)    الاستقاظ وجراحة الضوء

5)    التساوي بين الحلم والاستيقاظ.

  وبعد المقطع الثالث يكتب الشاعر بخط مختلف غليظ: خطر الموت. سيكسر الشاعر أفق انتظار القارئ ويبعده عن المعتاد، عن تسلسل الأفكار الطبيعي لدى القارئ الكسول. الشعر الجديد يرفض كل قيد حتى ولو كان لغويا متسلسل الأفكار والمعاني. يقول في بداية المقطع الثالث :

 أنا عضني كلب في المنام. لم أعطس ( الألوان- كالضمادات الحيوية- تخشى الرطوبة) . للتو، رفعت رأسي مثلما لو كنت سوف أرمي جلة أو مطرقة.

هكذا إذن ترتسم الصورة المنطلقة من الخيال المادي لتلامس ماءها. ماء الأحلام . ولتبعثر عن قصد أفق انتظار القارئ.

 محمد بنطلحة لا يكتفي بتكسير جدار اللغة العادية على مستوى التركيب، بل يدخل إلى عمق الذات البشرية. ولا عجب أن نجد آخر قصيدة في ديوانه: قليلا أكثر تحمل عنوانا ثانيا يضعه الشاعر بين قوسين هو ( مساهمة في التحليل النفسي) تحت العنوان الأول : خسارات لا يفرط فيها.

 الغور في الأعماق انطلاقا من الذات في أقصى منطقة الحلم هو ما تسعى له القصيدة عند محمد بنطلحة بكل الوسائل.

      2 – من الرؤيا إلى الرؤية:

ثقافة الصورة حاضرة في منجز الشاعر محمد بنطلحة. ثقافة خفية تتشكل باللون والظل والضوء، وهي الوسائل الضرورية للرسام ثم للخيال. وحين يتحول هذا إلى لغة يقع التشويش على ذهن القارئ الكسول الذي يكتفي بالصورة الواضحة للعين ثم للذهن في الشعر كما في اللوحة التشكيلية. ورغم أن الفرق بينهما هو في الألوان التي تبدعها يد التشكيلي التجريدي منه والفطري والتكعيبي وغيره الذي يساعد الذهن من خلال العين على الفهم، فإن الأمر سيان بالنسبة لقارئ اللوحة والقصيدة الحديثة التقليدي. التشويش مقصود إذن لدى محمد بنطلحة، والغرض منه المغامرة مع القارئ وإدهاشه وجعله خالقا لمعناه.

الشعراء قلة كما الرسامون. هم أقلية فاعلة. لا حاجة للبحث عن المد الجماهيري في الشعر الجديد. سيكون الأمر بدون جدوى الآن على الأقل. قد يكون الشاعر خالقا لقارئ مستقبلي بما أن العصر هو عصر رقمي. عصر تلاطم الصور السريعة الممزوجة بالافتراضي والخيالي. تصطدم الصورة بالعين يوميا، بجمالها وبشاعتها، بألوانها، وظلالها، وعمل الشاعر الجديد هو التشويش على هذه الرقمية لتثبيت الحلم في مكانه الطبيعي الذي خصص له. أعني الأمل رغم الألم. المحبة في ظل الصراع.

 جدار الشاعر عكس الجدار الرقمي ( الحاسوب – الأنترنت – الفيسبوك – الويتساب….) جدار صارم مقتصد محدود في الزمان والمكان والمساحة ورقيا، ولو كتب عبر الحاسوب وبث على الجدار شريطة احتفاظه بالعلاقة الطبيعية بين الكتابة والفراغ المخلف عن قصد على الصفحة، فالعين فالذهن فالفهم. كل كلمة فيه تقذفك إلى متاهات لا أحد يعرف حدودها. يحدث ذلك بمتخيل ذاتي لدى قارئ للشعر الجديد. قارئ سيحتاج إلى جهد. جدار الفيسبوك مثلا لا حدود له كما الأنترنت قبله وكما ما سيأتي، الصور واليد والكلافيي والفأرة تثير الذهن وتساعد وتختصر المسافات، وتحول الواقع الافتراضي إلى واقع آخر قائم بذاته. ومع الشعر لدى محمد بنطلة أنت تعود لأصلك، وتدخل ذاتك وتحلم بشكل طبيعي في زمن افتراضي.

الكتابة وقاية من الجنون لأنها تبرد قلق الإنسان الضروري في هذا العصر، وفي كل عصر. وقد يحدث أن تضيق العبارة بكل شاعر فلا تسعفه سوى الكأس حقيقة أو معنويا. ثم يلتجئ إلى كأس أخرى وحين لا تسعفه هذه أيضا فهو يتأتئ .

 وإذا كان محمد بنطلحة يتساءل: لماذا أُتَأْتئ؟ فإنه يطرح السؤال الصعب نيابة عنا جميعا. كلنا يتأتئ في لحظات الفرح الطفولي كما في لحظات الضيق الشديد. وكلما اشتدت أزمة الشاعر انفرجت غمة القارئ. يا للمفارقة. هي حالات تشبه حالة الفراشة والنحلة التي تموت من أجلنا. قوة الكلام المدهش والمختلف تجعلنا في نشوة تشاركية قد يكون سببها عطسة تكسر الجبال والسفن، أي الثابت والمتحرك، والإحالة هنا واضحة وبدون سبق إصرار لدى الشاعر على قصة موسى مع الجبل الذي سيخر من عظمة الكلام، وعلى قصة سفينة نوح المعروفة بتغذية خيال الكتاب والشعراء والفنانين والسنيمائيين. الجبال تهتز من فعل ما قبل الكلام: الحلم. العطس. وها الماء العظيم الذي يحتاج إلى ترميم.

 لعل نص لماذا أتأتئ يلخص حالة الإنسان الممزق بين حلم مستقبلي في هذا العص، وبين الانشداد للحلم الكابوسي حين يعض الكلب الشاعر في المنام فيبصر خطر الموت. ومن ثم يلتجئ لترميم ضوء العين والذهن واللغة المسببة للتأتأة .

ستتكسر العطسة في حالة اليقظة وفي الحالة البينية، وسيتكرر معها التكسير والعصف والخلخلة للثابت والمتحرك، للتراب والماء معا. وسيقف الشاعر حائرا أمام هذا الخيال المائي الهائل. حين تحدث الروية. في آخر مقطع من القصيدة يقول محمد بنطلحة :

    آنذاك، رأيتها

   رأيت الجبال

   والسفن

   رأيتها لماما

  بعضها أعلاه

   وبعضها بالحجم الطبيعي””( قليلا أكثر :، ص: 40) .

الطبيعي هو ما نود الوصول إليه، فكيف سنصل إذا كانت العبارة التي هي سيدة الشاعر لا تسعفه فيلتجئ إلى التأتأة. عصر صعب. ولغة لا تسعف. والعين والذهن يكسر كل الأغلال من أجل اختراق أدق المناطق في الذات الإنسانية. منطقة الخيال والمتخيل والحلم الذي إذا مات انتهى كل شيء.

    3 – الكتابة والنسيان:

     الكتابة تمجيد للنسيان. نسيان من؟ ونسيان ماذا؟ يقول برنار نويل في كتابه كتابة النسيان:

   ” كما الوردة تنفصل عن الشجرة

    وتنساها

    تحتاج الصيرورة إلى النسيان” [1]

ويضيف في الصفحة 24 ” نحن لا نبدع بالذاكرة بل بالنسيان” ويضيف موضحا العلاقة بين التذكر والنسيان ” الذاكرة فضاء يراكم فعلُه بداخله أمكنةً تبعث على التذكير بأشياء وأحداث ووجوه . تخترع الكتابة من أجل أن يبرز هناك ما لم يسبق له قط أن وجد في مكان آخر ولن يوجد أبدا بطريقة أخرى. النسيان هواء تلك الأمكنة”[2]

 أليس هذا ما يقوم به محمد بنطلحة باستمرار، تجدد وبحث واقتصاد في الكلام حد التعمية والعماء المترجى.(ليتني أعمى) . قاموس إذا فككناه فنجد أنه يتكون من اللغة المعروفة لدى الناس ولكن بتركيب مختلف للصور الصادمة للعين فالذهن من أجل تغيير الرؤية المتعلقة بالوجود. خلق لعالم آخر لن يتأتي إلا بالحسم مع الذاكرة بتمثلها المعروف. النسيان هو السيد. لا كتابة جديدة بغير الحسم مع المكان والزمان الماضي والمستقبلي معا .

 الوقت ما أنت فيه. و” اليومي هو المكان العادي للنسيان. لأنه تكرار يؤدي إلى إبطاله “[3] وقليلا أكثر. أكثر من القليل هو ما يود الشاعر أن يشاركنا فيه. بالحسم مع كل المسبقات وبتمجيد الحلم، أعني الخيال الهائل الذي بدونه لن يوجد العالم. وكأن العالم محض خيال كما يورد محي الدين ابن عربي.

اكتب وامح وانس وتخيل عالما جديدا من الصور. كتابة المختلف هو ما تسعى له كتابة محمد بنطلحة بلغة مائلة ميلانا مقصودا. لغة من جسد مادي تمتح لتأسس خيالها. والنسيان أولا وأخيرا هو السيد المشفي، وكل كتابة مدهشة تبعثر الذهن وتشفي العقل باللاعقل. قليلا أكثر، أو قليلا أقل سنتأتئ جميعا أمام كل قصيدة جميلة ومدهشة . هي قصيدة محمد بنطلحة.

 اشارة:

[1] برنار نويل : كتابة النسيان ، ترجمة محمد بنيس ، دار توبقال ، 2013 ، ص: 19[1]

 نفسه ص: 51- 52 )[2]

 نفسه : ص: 52)[3] _______

*ضفة ثالثة.

شاهد أيضاً

أمركة جائزة «بوكر» تخيف الناشرين البريطانيين

*مصطفى زين يكثر في الأدبيات العربية التخوف من «الغزو الثقافي الأميركي». وإذا كان هذا الأمر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *